المحتويـــــات
أحلام...
وقناصو البهجة الطاهـر وطار
4
بيان التبيين
عمر بلخير
5
فيكو والتصور الجديد للتاريخ
بن مزيان بن
شرقي
7
وظيفة
العقل في بنية الخطاب الإصلاحي الحديث)
موسى عبد الله 13
الجامعة
المغربية والمعرفة الأدبية (الجامعة والأدب والمجتمع)
سعيد يقطين 19
البعد
التلميحي للخطاب المسرحي
عمر بلخير
27
دلالة
الزمن الفني في قصة "ما حدث لي غدا" للقاص السعيد بوطاجين
ولد يوسف
مصطفى
41
المثقف
وأزمة الذات في رواية "الشمعة والدهاليز" للطاهر وطار
أومقران حكيم 45
المكان
ودراما المكان في رواية عالم بلا خرائط لجبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف صالح ولعة 53
روايات
الطاهر وطار بين خطاب السلطة والنقد الاجتماعي: دبي كوكس
ترجمة: بوعلي كحال
63
كلمة
حول الملف
قاسم الشيخ بالحاج
77
كلمة
رئيس الجمعية الثقافية الجاحظية في ندوة الحريات الفكرية بشمال إفريقيا 79
التصوف
والحرية الفكرية
عبد العزيز راس المال 83
حورية
الفكر وحرية الجماعة
محسن مرزوق
87
إرهاصات
الدفاع عن الحرية الفكرية 1885-1985
محمد المهدي
بشرى 93
أولوية السياسي عن الفكري في
مغرب ما بعد الاستقلال
بديعة
الراضي
99
هذه
التقاليد النقدية
علي ملاحي
105
الرواية
الجديدة في تونس
محمد
نجيب العمامي 117
البرنامج
الثقافي الذي أنجزته الجاحظية في الفترة الممتدة بين مارس.ديسمبر 2000
123
أحلام...
وقناصو البهجة
لم
أعر اهتماما لتفاصيل ما يسمى بفضيحة أحلام مستغانمي, المرتبطة بروايتها
"ذاكرة الجسد", وبتصريح نسب ليوسف سعدي, الشاعر العراقي الكبير, قاله في
مقهى - بين قوسين- ما.
فكما علقت قبل الحادثة
على ظاهرة أحلام, بأنها طبيعية, بالإضافة إلى أنها مفخرة للمدرسة الجزائرية ونصر
لعملية التعريب الذي يحاول أعداؤه وهم كثيرون جدا, أن يوهموا العالم بأنه لم ولن
يأتي إلا بـ"الأصولية".
طبيعية لأن أحلام, قبل
أن تكتب رواية, نشرت دواوين شعرية, ونشرت نصوصا نثرية جميلة, وهي طالبة سواء في ثانوية
عائشة أو في جامعة الجزائر, ما تزال, ومقيمة في الجزائر المقحوطة, ما تزال. أما
وقد تنقلت إلى باريس حيث أتمت دراساتها العليا, وتنقلت في عواصم الدنيا, وجالست في
صالون الأستاذ جورج الراسي عبقريات من مختلف أنحاء العالم, وعادت إلى بيروت لتغرف
من مكتبة أل الراسي ومن مكتبات لبنان الخصيبة, فمن غير الطبيعي أن لا تنصقل موهبة
أحلام وتتوهج عبقرية أحلام.
كما علقت قبل الحادثة
علقت بعدها, بأنني شخصيا لا أشك إطلاقا لا في موهبة ولا في قدرات هذه السيدة, وأن
أحداث الرواية لا يمكن أن تأتي بتلكم التفاصيل وبتلكم الحدة والجرأة, إلا من روح
جزائرية صميمة , منفوحة بنسيم ذرى الأطلس وملفوحة بصيهد وهاد الصحراء, مغتمسة بدم
الأجداد.
وأنني شخصيا, أعرف
بدقة متناهية الحالات التي يحارف فيها الصديق العزيز سعدي الذي قايضت العراق وكل
ما فيه به وبرفاقه, بالقول وبالفعل عن مأساتنا... إلى حد تحريف القول والفعل عن
مواضعهما.
ثم.
إذا ما استعانت أحلام
بسعدي فهذا شرف لها, فالرجل ليس بالعادي.
وإذا ما تخرجت مثل هته
العبقرية على يد سعدي فهذا أيضا شرف للرجل.
ولم يحدث إطلاقا أن
كتب أحد لأحد رواية, خاصة إذا كانت في مثل جمال ذاكرة الجسد.
لا نتفق مع أحلام في
طريقة إدارة ظاهرتها الأدبية, لا قبل ولا بعد "الترهة", فقد كان
انفعالها جزائريا عندما استفزت أكثر من اللزوم, وكان انبهاريا مشرقيا أكثر من
اللزوم عندما كيل لها الإطراء...
لا نتفق مع أحلام أيضا
حين تحصر الإساءة في شخصها وكأنثى فحسب.
إنما الجزائر كلها
حسدت في أحلام, كما تحسد في خريطتها وفي شهدائها وفي كل ما لديها حتى من أحزان.
إنما المدرسة
الجزائرية كلها استهدفت.
إنما التعريب والكتابة
الجيدة باللغة العربية بالذات استهدفا.
ولئن كانت المؤسسة
الفرنكوفيلية تقوى على طمس سرقات جزائريين روائيين باللغة الفرنسية من روائيين
باللغة العربية, كشفها فرنسيون نزهاء أمثال الفقيد جان دي جو.. واعترف مرتكبوها
بها, فإن المؤسسة العربوفيلية لم توجد بعد مع الأسف الشديد على الأقل لتدافع عن
الحق... بل إن ظلم ذوي القربى لا يتوقف.
يا قناصي البهجة من
صدور أمتكم ومغتالي البسمة على شفاه إخوانكم, اكبروا قليلا. فقط بعض الشيء.

تحاول التبيين 'في هذا العدد' أن تواصل مسيرتها النبيلة التي سطرتها لنفسها
منذ صدورها، والتي تسعى من خلالها إلى نشر الثقافة الجزائرية والعربية بكل ما لها من خصوصيات تتفرد بها عن باقي الثقافات،
وهي بذلك تضيف لبنة جديدة إلى هذا الصرح الواسع الذي هو 'الثقافة الإنسانية'.
وفي سبيل ذلك عمدت التبيين إلى نشر مقالات أنارت العديد من المناحي الفكرية
واللغوية والأدبية.
فخصصت ركن 'دراسات في المجتمع والفكر' لمقال الأستاذ بن مزيان بن
شرقي الذي قدم لنا عرضا لنظرية فيكو في التاريخ، وعلى القطيعة الاستيمولوحية التي
أحدثها هذا الأخير في مجال بناء تصور جديد للتاريخ. ولدراسة الأستاذ موسى عبد الله
بعنوان: "وظيفة العقل في بنية الخطاب الإصلاحي الحديث' من خلال مجموعة من
التساؤلات تتعلق بماهيتها وبمنزلة العقل فيها. ثم يليه مقال الباحث المغربي سعيد
يقطين يقف فيها على حدود العلاقة التي تصل
الجامعة المغربية عموما وكلية الآداب بوجه خاص بالمجتمع وبالإبداع.
وفي ركن 'دراسات في اللغة والأدب' أدرجنا دراسة الأستاذ حكيم
أومقران يتطرق فيها إلى وضعية الثقافة في الجزائر من خلال رواية 'الشمعة الدهاليز'
للكاتب الطاهر وطار. ودراسة أخرى للأستاذ ولد يوسف مصطفى الذي تناول قصة 'ما حدث
لي غدا' للقاص السعيد بوطاجين بالدراسة والنقد. ومقال للأستاذ عمر بلخير يتناول
فيه الكيفية التي تتدخل فيها قوانين الخطاب للإضفاء على الخطاب المسرحي بعدا تلميحيا
يضفي عليه خصوصيته.
وأخيرا مقال للأستاذ صالح ولعة يتناول فيها ماهية المكان ودراميته من خلال
رواية 'عالم بلا خرائط' لجبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف.
أما ركن 'نصوص مترجمة' فقد أدرجنا فيه نصا للناقدة الأنجليزية ديبي
كوكس Debbie Cox ترجمه الأستاذ بوعلي كحال وهو يعالج بعض الخلفيات السياسية والاجتماعية لأعمال الأديب الجزائري
الطاهر وطار من خلال أبرز رواياته: اللاز،
عرس بغل، الزلزال.
وبالنسبة للملف ارتأت المجلة أن تخصصه لبعض أعمال ندوة الحريات الفكرية في
شمال إفريقيا؛ التي نظمتها جمعية الجاحظية بمعية مركز البحوث العربية بالقاهرة
وكودسيريا Codesria بداكار وذلك في تاريخ 22-24 جويلية 2000 بمقر الحاحظية،
وسيجد القارئ الكريم كلمة رئيس الجاحظية الأستاذ الطاهر وطار، ومداخلة للباحث
الجزائري الدكتور عبد العزير رأس المال يعالج فيها قضية التصوف والحرية الفكرية،
وأخرى للأستاذ الباحث التونسي محسن المرزوقي بعنوان: 'حورية الفكر وحرية الجماعة،
ومداخلة للباحث السوداني محمد الهادي بشرى بعنوان: 'إرهاصات الدفاع عن حرية الفكر؛
تاريخ مكتوب بالدم (1885- 1985)، وآخر مداخلة خصصناها للصحفية المغربية بديعة
الراضي حول أولوية السياسي عن الفكري.
وركن 'طروحات' خصصناه لمقالين أولهما للأستاذ علي ملاحي، يسعى فيه إلى اكتشاف
عالم النص الأدبي وقوانينه وعن ظهور المفاهيم النقدية وتداولها للتأكد من الحقيقة
الاصطلاحية لها، والمقال الثاني خصصناه لدراسة قام بها الأستاذ محمد نجيب العمامي
عن الرواية الجديدة في تونس؛ مؤرخا لها ومبرزا لخصائص آثارها الروائية على صعيد
السرد والبناء العام فضلا عن مشارب أصولها الفنية المختلفة.
عمر بلخير
|
بن مزيان بن شرقي
يقدم الأستاذ بن شرقي من خلال مقاله
عرضا موجزا لنظرية فيكو في التاريخ، مركزا على القطيعة الإبستمولوجية التي
أحدثها هذا المنظر، والتي سمحت له ببناء تصور جديد للتاريخ، انطلاقا من نقده
للأسس التي يقوم عليها التصور الديكارتي للمعرفة من جهة، وانشغاله بالإشكاليات
التي طرحها تحديد بيكون لمهمة التاريخ وانشغاله بالإشكاليات الأخرى.
فيكو والتصور الجديد
للتاريخ
1-"لقد
توجب ويتوجب وسوف يتوجب على شؤون الأمم أن تتبع المسار الذي عرضه هذا العلم، حتى
وإن ولدت عوالم لا متناهية أبديا، وهو بالتأكيد خطأ"
فيكو-العلم الجديد.
1- فيكو والتصور الديكارتي
للمعرفة:
تميز
الطابع العام للفلسفة في حدود القرنين السادس والسابع عشر بظهور تيارين حاول
الواحد منهما تصدر "نظرية المعرفة"، وذلك لإحقاقه لأسس تقوم عليها
المعرفة البشرية أحدهمـا ينسـب إلى فرنسيـس بيكـون Bacon (1561
م- 1626م)، والثاني
إلى رنيه ديكارت R.Descartes
(1596م-1650م)، حيث يذهب بيكونBacon
إلى إثبات أن "أفكار العقل البشري لا تمت ولن تمت أبدا بصلة إلى الأفكار
الإلهية التي بموجبها خلق الخالق الأشياء…وليس بين
العقل البشري وبين الحقيقة صلة قربى طبيعية، فهو أشبه بمرآة مشوهة، وتمس به
الحاجة، بحق معنى الكلمة"(1). يبدو أن موقفا كهذا
مناقض لموقف يجعل من العقل والعلوم العقلية (الهندسة) ملكة للوصول إلى اليقين أو
الحقيقة، مثل هذا الموقف يتبناه رنيه ديكارت حينما يصرح "إنني لعلى يقين أن
هذا المنهج* قد استشفته عقول عليا، تسترشد بالطبيعة وحدها، آية ذلك أن النفس
البشرية تنطوي على جانب إلهي وضعت فيه البذور الأولى للأفكار النافعة بحيث لا مناص
من أن تنتج ثمارا تلقائية مهما أصابها لاحقا من إهمال، ومهما ناءت تحت وقع دراسات
مناقضة، وهذا ما يستبين لنا فهي أسهل العلوم، في الحساب
والهندسة"(2).
يعتقد ديكارت من هذه الزاوية أن لا يقين إلا في العقل، وأن
لا حقيقة إلا في الهندسة ذلك أن الحواس وفي كثير من الأحيان ما تدفعنا وتوقعنا في
الخطأ، ولذلك فإن أي وجود للحقيقة خارج العقل (الرياضيات) يعتبر زائفا، وهذا
التصور للحقيقة يأتي ليس على النقيض من تصور بيكون Bacon فقط،
بل يعتبر كذلك تصورا مغايرا لتصور أرسطو ARISTOTE " ذلك لأنه قبل ديكارت، كان للوجود المادي
الأسبقية أو الصدارة على الوجود الفكري أو الذهني، في حين أننا نلحظ مع ديكارت بأن
الوجود الذهني أو الفكري أصبح له الصدارة على الوجود المادي، والوجود المادي تابع
له.
ولذلك يكون الوجود المادي قد تراجع عن مرتبة الصدارة في
الذهن"(3)، ومن ثمة لا يعتقد ديكارت بيقينية بعض العلوم التي تجعل من الوجود
المادي (الشعر، التاريخ) دعائم لحقائقها، في حين أن بيكون Bacon يعتقد في كتابيه "كرامة العلوم وتنميتها" و"الأورغانون
الجديد" بوضع أسس فلسفية لكل العلوم تخضع للمنهج العلمي، ولذا لجأ إلى
"تصنيف للعلوم على نحو لا يرمي إلى تنظيمها وترتيبها (كما فعل ديكارت في شجرة
العلوم) بقدر ما يهدف إلى الدلالة على العلوم التي لم توجد بعد. والتقسيم الأعم هو
التقسيم إلى تاريخ أو علم الذاكرة، وإلى شعر أو علم المخيلة، وإلى فلسفة أو علم
العقل"(4) وبذلك يصير لكل من التاريخ والفلسفة موضوعان هما الطبيعة والإنسان،
وضمن هذين الموضوعين تتداخل العلوم.
وسط هذا الصراع تواجد ج.ب. فيكو P.Vico (1668-1744م) في كتابه العلم الجديد La Scienza Nuova أو تحت عنوان مبادئ علم جديد مختص بالطبيعة المشتركة للأمم " D’Intorno Alla
Comune Natura Dellenazioni –الطبعة الأولى 1725)،
يبدو من خلال الصورة المرسومة على غلاف الكتاب، أن فيكو ينتقد الرؤى الفلسفية التي
لم تسطع أن تحسم بكيفية قاطعة في النظر إلى الطبيعة البشرية ذلك أن الكتاب
"يحمل في مواجهة العنوان رسما رمزيا، ومن بين ما يتضمنه الرسم كرة فوق مذبح،
وتوجد هذه الكرة التي تقف عليها إمرأة مجنحة الرأس، على حافة المذبح دون أن تكون
مدعومة سوى من جانب واحد، معنى هذه الصورة هو أن الواقع لم يتم النظر إليه حتى
الآن إلا من جانب واحد "حسب النظام الطبيعي" لم يتأمل الفلاسفة بعد
الواقع من الجانب الذي هو مع ذلك متعلق بالبشر الذين تمتاز طبيعتهم بهذه الميزة
الجوهرية التي هي اجتماعيتهم"(5)، ولعل ما تحمله الصورة فيه دلالة على أن
فيكو Vico يحاول أن يوجه اهتمام
الفلسفة إلى حقل جديد، حقل يكون فيه تحديد العلاقة بين الإنسان والمحيط سواء
الطبيعة أو المجتمع، هو واحد من اهتمامات الفلسفة، ومن جهة ثانية يريد أن يفتح
الانتقاد على ديكارت الذي لم يعتقد بجانب مهم في المعرفة وهو الإنسان ككائن
اجتماعي.
هذا ما جعل فيكو
Vico منذ البداية يفكر في التمايز على نظرية المعرفة الديكارتية
دونما بيكون، ذلك أن هذا الأخير-بيكون- لم يكن في موقفه من الإنسان الفرد مثل
ديكارت، ولذا فإن فيكوVico " أقر ضد
ديكارت" بأن التفكير المنطلق من الفرد… لا يمكن أن يكون إلا محدودا وسطحيا،
ومغلوطا بالضرورة قبل كل شيء، والمعرفة التي يمكن للناس أن يحصلوا عليها حول
أنفسهم لا تتأسس إلا على تحليل للسيرورة التاريخية التي ينشط الناس داخلها، وليس
على مجرد استبطان"(6)، وبهذا ينفي فيكو Vico أن
تكون الهندسة (الرياضيات)، والتي بنى عليها ديكارت نظريته للمعرفة أساس الحقيقة
واليقين ذلك أن اعتمادنا على هذه النظرة هو اعتماد ينبني على نفي جانب مهم في
البناء الذهني للإنسان ألا وهو الحواس، ثم هو تعميم لا يقبل العقل تعميمه على
الطفل والشعوب البدائية.
هذا ما دفع فيكو لاحقا إلى تحليل القدرات الذهنية للطفل
ومقارنتها بالبدائيين ذلك أنه لو كان العقل (الذهن) هو ملكة اليقين أو الحقيقة
فهذا ينفي التمايز الواضح داخل الكائن الحي الواحد علما أن هذا لم يكن واضحا، ولذا
كان فيكو Vico "
هو أول من أدرك التوافق بين تطور الكائن الفرد Ontogènes وتطور نسله Phylogenèse وعلى ضوء هذه الصلة توصل إلى اكتشافات هامة، ومن
بينها كون الأطفال والبدائيين ليست لهم ملكة تكوين مقولات منطقية، ويملكون بدلا
منها-حسب تعييره- أنواعا أو ملكات خيالية…قدرات أو نماذج مثالية يرجعون إليهـا كـل شيء" (7).
لذا لم يعد في نظر فيكو مقياس يقينية الفكرة هو وضوحها
بالاعتماد على العقل، ففيكو Vico " طعن في مبدأ ديكارت القائل بأن
مقياس صدق المعرفة هو الفكرة الواضحة المحدودة، ورغم أن هذا المقياس في الحقيقة إن
هو إلا مقياس ذاتي سيكولوجي"(8) يتوقف على القدرات الذهنية لكل فرد مما
يستحيل معه التعميم.
2- نظرية فيكو في التاريخ:
كما خص بيكون Bacon في
الأورغانون الجديد العلوم بثلاثة أقسام: الشعر والتاريخ والفلسفة، خص كل علم
بقدراته، الشعر للمخيلة، والتاريخ للذاكرة، والفلسفة للعقل، و"القول أن الذاكرة
تسيطر على التاريخ، معناه أن المهمة الجوهرية للتاريخ هي استذكار وتسجيل الماضي
تسجيلا يصور الأحداث بحقيقتها وواقعها"(9). إن هذا التحديد لبيكون إزاء مهمة
التاريخ يجعل من الماضي والاستذكار بعدا زمنيا ومهمة أساسية للتاريخ، ولكن في
الوقت نفسه يطرح إشكالا أساسيا، بل عدة أسئلة تصبح لاحقا إنشغالات لدى فيكو Vico ، أولها هل التاريخ هو استذكار فقط؟،
بمعنى آخر ما هو دور التاريخ في الحاضر والمستقبل؟، ثانيا كيف يمكن التحقق من
الحقائق الماضية؟، مثل هذه الأسئلة تزداد حدة حينما نعرف جيدا أن بيكون Bacon يعتقد بأن "التاريخ، بالرغم من أن دراسته ممتعة، وبالرغم
من أن له قيمة في توجيه الإنسان نحو أسلوب عملي في الحياة، فإنه لا يمكن أن يصدق،
لأن الأحداث التي وضعها لم تقع بالشكل الذي وصفها به"(10)، بمعنى أن مجال
الماضي لا يمكن إدراكه بالصورة التي ندرك العالم المادي –مجال الحواس- وبالتالي تبقى مدركاته مجالا للشك في مدى صدقها، ولذا يعتقد
فيكو Vico
في بداية الأمر أن هناك شروطا تقوم عليها
أية حضارة وهي أساس لتاريخ الاجتماع البشري، حيث تعود إلى أربعة أسس /شروط يدعوها
فيكو Vico
"
الأسباب الأربعة، أو بالأحرى العناصر الأربعة الأساسية للعالم الاجتماعي…الأديان، الزواج، الملاجئ
السكنية، وأول قانون زراعي"(11)، فهذه العناصر الأربعة هي التي شكلت حركة
التاريخ البشري إذ أن الزواج وهي رابطة مقدسة يلجأ إليها البشر بطبيعتهم، وذلك
لخلق إطار مقدس.
إن هذه الرابطة-الزواج- تكون بشكل نواة لأية حضارة، ومن ثم
تعتمد كمبدأ لتحليل التاريخ البشري، ولذا فإن الإنسان الفرد يبدو هنا أنه الفاعل
في حركة التاريخ مهما تعدد الأساس سواء زواج، دين، ملاجئ…إلخ فهو من تصميمه، ولذا فإن "الخطة المرسومة للتاريخ تصميم إنساني
بحث، ولكنه لم يتبلور في صورة سابقة للأحداث تستهدف التنفيذ أو التحقيق في سلسلة
مراحل تدريجية…
لقد خلق الإنسان صرح الحياة الاجتماعية من العدم، ولذا كانت
كل صغيرة أو كبيرة في هذا الصرح عملا من أعمال الإنسان يعرفه العقل على حقيقته حق
المعرفة"(12) ينفي هنا فيكو Vico وجود نمط من قانون
يصبح عاما لتحليل تاريخ البشرية على ضوئه، ومن جهة ينفي أية سلطة إلهية على
التاريخ البشري، ذلك أن التاريخ هو من صنع الإنسان، وهذا يعتبر تحولا جذريا عن
النظرة القروسطية، كما يضع من الإنسان الفرد أحد العوامل المؤثرة في حركة التاريخ
و"هنا ينظر فيكو إلى العملية التاريخية بوصفها عملية تمكن الإنسان من ابتكار
النظريات الخاصة باللغة والعادات والقانون والحكومة، أي أنه ينظر إلى التاريخ
بوصفه تاريخ نشأة وتطور الجماعات الإنسانية وأنظمتها"(13).
هذا التحول يشكل في تاريخ فكر فيكو حجر الزاوية إذ أنه يسجل
تلك الدائرة من العلوم، والتي يعتبر التاريخ قاعدتها، ومن ثمة يتيح للإنسان الفرد
قوة الإبداع أي أنه حرر الإنسان من سلطة الطبيعة والإله-المسيحي الكنيسي-، ثم أضفى
على التاريخ بعدين، زمانيين أساسيين هما الحاضر والمستقبل إذ لم يصبح التاريخ حسب
فيكو Vico
هو استذكار فقط، بل أصبح عاملا يؤثر في
الحاضر، ومجالا لتحديد المستقبل إذ لم يصبح التاريخ من وجهة نظر فيكو مختصا
بالماضي باعتباره الماضي وإنما يختص في أول الأمر بصرح المجتمع في صورته الحقيقية
التي نحياها بالأوضاع والتقاليد التي نساهم فيها مع من حولنا"(14)، ومن ثمة
ظهر الطابع العالمي للتاريخ، إذ أن فيكو فتح الباب واسعا أمام إمكانية وضع خطة
عالمية لتاريخ العالم وفق قوانين يحددها تاريخ كل حقبة/حضارة، علما أن هذا لم يمنع
من الاعتقاد بأن بعض الحقب التاريخية لها طابعها الخاص تتميز به كل كبيرة وصغيرة
من الأحداث وهو طابع لا يفتأ يظهر في فترات أخرى، مما يجعل الاعتقاد بأن فترتين
مختلفتين قد يتوفر لهما نفس هذا الطابع، ومن ثم يصبح من الممكن أن نستقرئ الأحداث
في واحدة منها قياسا إلى الأخرى"(15).
بهذا التصور المميز يصل فيكو إلى وضع اللبنة الأولى لفلسفة
التاريخ (قوانين تحكم مسار الأمم/البشرية) قبل فولتير، وهذا ما جعله أحيانا "يتكلم…عن دورته التاريخية… على نحو ليقدم المبدأ الذي يسيطر على الأحداث التاريخية وهو القوة
الوحشية، ثم يأتي بعد ذلك القوة التي تتسم بالبطولة والشجاعة ويعقب هذا
"عدل" يتسم بالشجاعة والجرأة ثم قوة إبتكارية لامعة، فدور التفكير
الإنشائي وأخيرا لون من الثراء المترف يهدم ما بنته الأجيال"(16)، وقد يبدو
من خلال هذا أن فيكو Vico يتحدث هنا عن مبدأ
دائري يحكم مسار التاريخ، فإن فيكو Vico لا
يتحدث عن تعاقب دائري "بقدر ما يتحدث عن حركة متعاقبة من داخل التاريخ، ذلك
وأنه في نظرة التاريخ لا يعيد نفسه إطلاقا، وإنما تتعاقب الأحداث في كل مرحلة
جديدة، بصورة تبرز الطابع الذي يفرق بينهما وبين سابقتها"(17).
وهذا عكس ما اعتقدت الفلسفة اليونانية-العصر الذهبي- وهذه
نقطة شكلت رؤية فيكو Vico للتاريخ، وعلى هذا
النحو فإن فلسفة التاريخ** في نظر فيكو علم جديد استنتاجي يتيح التنبؤ بالحوادث
واستباق معرفتها قبل وقوعها، وإن كان وما زال ربما المثل الأعلى المعرفي المرموق
وغاية ما في الأمر أن فلسفة التاريخ تشاد على أساس المعطيات التاريخية
علميا"(18). لذا حينما نقرأ لفيكوVico تاريخ البشرية
منذ بدأ الخليقة حتى غزو حنبتل لإيطاليا نرى أن هناك ثلاثة أسس (صور) شكلت مشهد
البشرية على مستويات أربعة: اللغة، الكتابة، التشريع، الحكم (السلطة) بحيث أن كل
مرحلة كانت تنعكس على مستويات أربعة-يمكن النظر إلى الجدول (ملحق) باللغة
الفرنسية.
تفاديا لأي استقرار خاطئ من قبل المؤرخ للأحداث التاريخية
حين تعميمها يحذر فيكو Vico من مجموعة مغالطات
يجب على المؤرخ تفاديها وهي:
1-الإشادة بالتقدم.
2-غرور الأمم.
3-غرور المتعلمين (هو المؤرخ).
4-الخطأ المتصل بالمصادر "التعاقب العلمي للأمم".
5-أن القدامى أعلم منا بأحوال الزمن الذي عاشوا على مقربة
منه.
3- مكانة فيكو في الفكر التاريخي الأوروبي:
غالبا ما تعود نسبة فلسفة التاريخ إلى فولتير، ولكن ما
يلاحظ سابقا أن ذلك يعود إلى فيكوVico الذي كان عليه أن
يتميز على مجموعة من الرؤى والنظريات ليسجل بذلك مواقف شكلت الأسس النظرية لفكره،
خاصة رؤيته النظرية في الفكر التاريخي الأوروبي، فهو وإن أتم ما أقره بيكون من طرق
منهجية علمية مستخلصة من الاستقراء، فإنه تميز عن الفلسفة الإيطالية "بهجر
الموقف النفعي تجاه التاريخ الذي ميز النهضة الإيطالية"(19)، ويظهر هذا
الموقف النفعي بوضوح في فلسفة مكيافيلي، رغم أن مثل ميكافيلي بقانون الدورات
الحضارية من انتقال كل حضارة/تاريخ من دور البربرية إلى دور البناء ثم دور الترف،
ورغم أن التاريخ من شأنه خلق الجديد على الدوام نجد أن القانون…الدائري لا يمكننا من
التنبؤ بالمستقبل، وهذا هو الذي يفرق بين استعمال فيكو لهذا القانون وبين الفكرة
الإغريقية الرومانية القديمة التي تذهب إلى وجود حركة "دائرية" دقيقة
تنظم أحداث التاريخ"(20)، هذا الموقف الذي يبدو واضحا في أعمال هيزود
وهوميروس، والذي يرى في العودة إلى العصر الذهبي وفق منطق دائري أمرا تحكمه حتمية
تاريخية لتطور الشعوب-أثينا-الرؤية التي تتكرر لاحقا لدى كل من شبينجلر، توينبي،
بن خلدون.
كما أن فيكو كثيرا ما يتردد لديه مفهوم العناية الإلهية،
ولربما يستنتج من هذا أن فيكو يطغى عليه الطابع الديني في تحليلاته للتاريخ،
"غير أنه عندما يطبق مفهوم العناية تطبيقا محسوسا يتضح بأنه لا يعني بذلك سوى
الإلحاح أو القانون الذي يدفع الناس، رغم غرائزهم الفردانية، إلى تكوين مجتمع
وثقافة"(21)
وهذا ما يبعد على فيكو ميزة التفكير العقائدي، بل أن
طغيان/ظهور مفهوم العناية من حين لآخر في تحليلاته للتاريخ "كان وضعيا
وإنسانيا صرفا"(22)، ومثلما كان فيكو سباقا إلى الكشف عن العلاقة الذهنية
الحاصلة بين الطفل والبدائي، الشيء الذي توصلت إليه الدراسات الأنتروبولوجية في
حدود القرن الحالي خاصة مع أبحاث ليفي برول Lévy Brahl ، فإن فيكو كان سباقا إلى كشف العلاقة بين التاريخ
والاجتماع الإنساني مما يفتح النقاش لاحقا إلى التفكير في علم يختص بدراسة العلاقة
بين الإنسان الفرد والمجتمع كان قد "فهم أن الديالكتيك بين الأسياد والعبيد
هو محرك حياة الأمم"(23)، هذه العلاقة التي تبدو أساس الديالكتيك الهيجلي.
إن سنة 1744، تاريخ وفاة فيكوVico تزامنت
مع صدور الطبعة الثانية لكتابه العلم الجديد، وصدور كتاب "اعتبارات جديدة
للتاريخ" لمؤلفه فولتير. كما أنه بعد ذلك بست سنوات، نشر تورغو Turgot
كتابه "لوحة فلسفية لتقدم الفكر البشري" الذي
أحدث فيما بعد تحولا جذريا في الفكر التاريخي الأوروبي.
المراجع:
1-إميل
برهييه، تاريخ الفلسفة، القرن السابع عشر، ترجمة جورج طرابيشي، (ط1؛
(بيروت) لبنان:دار الطليعة للطباعة والنشر، 1983)، ج4، ص. 23.
(*)يقصد
بذلك الرياضيات كثمرة للمنهج.
2-إميل
برهييه، المرجع السابق، ص. 72.
3-مهدي
فضل الله، فلسفة ديكارت ومنهجه، (ط2؛ (بيروت) لبنان: دار الطليعة للطباعة
والنشر، 1986)، ص. 93.
4-إميل
برهييه، المرجع السابق، ص. 40
5-ماكس
هوركهايمر، بدايات فلسفة التاريخ البرجوازية، ترجمة محمد علي اليوسفي، (ط1؛
(بيروت) لبنان: دار التنوير للطباعة والنشر، 1981)، ص. 80.
6-المرجع
السابق، ص. 81.
7-المرجع
السابق، ص. 87.
8-ر.ج.كولنجوود،
فكرة التاريخ، ترجمة محمد بكير خليل، (دون طبعة؛ لجنة التأليف والترجمة
والنشر، 1961)، ص. 130.
9-ماكس
هوركهايمر، المرجع السابق، ص. 121.
10-المرجع
السابق، ص. 123.
11-المرجع
السابق، ص. 85.
12-ر.ج.كولنجوود،
المرجع السابق، ص. 132.
13-المرجع
السابق، ص. 132.
14-المرجع
السابق، ص. 132.
15-المرجع
السابق، ص. 135.
16-المرجع
السابق، ص. 136.
(**)نستعمل
فلسفة التاريخ هنا رغم أن هذا المفهوم لم يظهر إلا لاحقا مع فولتير.
17-ر.ج.كولنجوود،
المرجع السابق، ص. 136.
18-عادل
العوا، العلوم الإنسانية وإشكالية التاريخ، (ط1؛ (دمشق) سوريا: دار طلاس
للدراسات والترجمةوالنشر، 1995)، ص. 232.
19-آلبان
ويدجيري، المذاهب الكبرى في التاريخ، ترجمة ذوقان قرفوط، (ط2؛ (بيروت)
لبنان: دار العلم، مايو 1979)، ص. 191.
20-ر.ج.كولنجوود،
المرجع السابق، ص. 137.
21-ماكس
هوركهايمر، المرجع السابق، ص. 81.
22-ألبان
ويدجيري، المرجع السابق، ص. 197.
23-Jules
Chaix-Ruy, « J.B.Vico et les âges de l"humanité », (Editions Seghers,
1967), p. 96.
24-ANNEXE
Jules Chaix-Ruy, « J.B.Vico
Oeuvres Choisies »,
(P.U.F, 1946), PP. 145-151.
ANNEXE
TROIS LANGUES
TROIS ECRITURES
Langues Muette Langue formée de Langues
Ecriture
Ecriture Formée Langue
Et divine Signes héroïques humaine Hiéroglifique de caractère Vulgaire
articulée
héroïque
TROIS JURISPRUDENCES
TROIS
AUTORITES
Théologie Héroïque
Humaine
Divine Héroïque
Humaine
Mystique
NIVEAU ECRITURE JURISPRUDENCE AUTORITE
LANGUE
|
Muette et Divine |
Hiéroglyfique |
Théologie Mystique |
Divine |
|
Signes Héroïque |
Héroïque |
Héroïque |
Héroïque |
|
Humaine |
Vulgairre |
Humaine |
Humaine |
P. 145-151.
يتطارح الدارس في هذه المقالة
مسألة شغلت الناس ولا تزال ألا وهي الحركة الإصلاحية في العالم العربي الإسلامي
الحديث من خلال مجموعة من الأسئلة من بينها: ما هو الإصلاح؟ كيف يمكن تحديد
زمانيته؟ ليأتي بعد ذلك لمساءلة منزلة العقل في صلب هذه الحركة.
وظيفة العقل في بنية الخطاب الإصلاحي الحديث
-لقد عرفت إشكالية
"الإصلاح والنهوض" في عالمنا العربي تعاملا وتبريرا اختلف باختلاف
المنطلقات الفكرية…في تناولها. وذلك منذ
نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين باعتبارها نسقا فكريا وإيديولوجيا.
فما الإصلاح أولا؟ وكيف يمكن تحديد زمانيته؟
فهل هو إصلاح بالمقارنة
مع الآخر؟ (الغرب) أم بالمقارنة مع الماضي الذهبي الإسلامي؟ وما هي أهم اتجاهات
حركة الإصلاح، وكيف يمكن تحديدها أيضا؟ هل بوصفها أم بنمذجتها؟..
إن الإصلاح عبارة عن
حركية تستوجب قوة دافعة سواء كانت هذه القوة ذاتية داخلية أو ضغطا خارجيا. كما أنه
حركة تاريخية قامت ضد الجمود.. مرادفة لعملية التغيير والسير قدما في سبيل تحقيق
غرض ما. هذا على المستوى النظري. بينما الحديث عن الخطاب الإصلاحي هو حديث عن
العصر الذي بدأ فيه الفكر يأخذ دوره في سياق الحركة الاجتماعية، منذ بداية القرن
التاسع عشر. فتاريخيا ما يميز عصر الإصلاح هو ضعف الدولة التركية من جهة واستبداد
بعض حكامها من جهة ثانية وتغلغل مبادئ الثورة الفرنسية والثورات الأجنبية الأخرى
في الوعي العربي من جهة ثالثة، مما أفرز تلك التناقضات وطغيانها على اتجاهات الفكر
العربي إلى حاضرنا اليوم. ومن ثم هو أيضا عصر مواجهة الأسئلة الكبرى التي وجهت
الخطاب الإصلاحي الناشئ من مثل: -كيف نستطيع مواجهة واقع التأخر والتخلف؟
-كيف نواجه الآخر/الغرب؟
كيف نواجه القيم التي حملها الأجنبي المستعمر؟
-وبصفة جوهرية، كيف يمكن
تحقيق حلم الأمة…؟
مما حمل الخطاب الإصلاحي على ترديد مفاهيم تصف حال العرب منذ زمن السلطة
العثمانية…مفاهيم كالتأخر، والانحطاط، والنوم،
والتخلف، والتبعية…في مقابل حال أوروبا التي
كانت تشهد نهضة شاملة حيث تبلورت شعارات العقلانية والحرية والتقدم وذلك منذ القرن
الثامن عشر…مما يعني أن هذه المفاهيم هي »تحديدات لواقع مقابل واقع، واقع تصاعد
الغرب وواقع انحطاط الشرق«(1).
وعليه فجوهر المعادلة الإصلاحية في الخطاب هو ذلك الحل الوسطي الذي انبثق من
الاحتياجات الموضوعية للشرائح والفئات الوسطى، أي التوفيق بين قيم التراث-
والمقصود هنا هو الدين، وأساسا الإسلام في مصدريه: القرآن والسنة –وبين قيم العصر- والمقصود هو الجانب العلمي من حضارة "الغرب".
وبالتالي الوعي الإصلاحي والنهضوي عند العرب قام أساسا على »الإحساس بالفارق بين واقع
"الانحطاط" الذي يعيشونه وواقع النهضة الذي يقدمه لهم أحد النموذجين:
العربي الإسلامي في الماضي، والأوروبي في الحاضر«
(2). فالنموذج العربي الإسلامي الذي يزداد مع الوقت "توغلا في
الماضي بالشكل »الذي يجعل التفكير فيه يفقد أسبابه الموضوعية«
(3) والنموذج الأوروبي الذي "يتوغل" في المستقبل بالشكل »الذي يجعل الأمر في اللحاق به
يتضاءل أمام اضطراد التقدم العلمي والتكنولوجي«
(4) . فكانت الحاجة إلى التوفيق بين "التراث والعصر" كعماد للحركة
الإصلاحية التي اعتمدت على التحديث والتغير التدريجي للقيم الاجتماعية والثقافية
والفكرية والحضارية…إذ أصبحت قضايا
التصنيع، والتعليم، والمرأة، وقيام المؤسسات بمختلف أنواعها والترجمة (عن اللغات
الأجنبية) والتفسير (للقرآن والسنة) من أهم عناصر جدول أعمال الحركة الإصلاحية.
ولذا كانت الرحلة نحو الغرب ذات توجه فكري غايته حل للإشكالية ذاتها أو محاولة
لتكوين المعادلة –أي التوفيق بين التراث
والغرب- فأصبح بذلك العمل الإصلاحي يتكون من "تأويل التراث" المسمى
"بالإصلاح الديني" أو "عصر الإحياء". وبالتالي »كانت الرحلة إلى الغرب ليست رحلة
إلى المكان الجغرافي وإنما رحلة نحو الفكر« (5).
فالحديث عن
الخطاب الإصلاحي ضمن سياقه التاريخي هو حديث عن الرواد الذين تحققت فيهم وبواسطتهم
اليقظة العربية الحديثة. إذ تصوروا الإصلاح على نحو يمكنهم من تجاوز الفارق الذي
طبع واقعهم…فربطوا
الإصلاح بالتحرر من سيطرة الأجنبي بالوحدة القومية وبالتقدم الاقتصادي والاجتماعي
والسياسي…وعمدوا إلى
قيام نهضة فكرية كشرط أساسي وضروري لتحقيقها، كون النهضة الفكرية كانت تطرح نفسها
كأولى الأوليات في المشروع الإصلاحي الذي كانوا يطمحون إلى بلوغه.
فمن هنا
كان الإلحاح على نشر المعرفة، وتعميم التعليم، وتحكيم العقل، والمطالبة بإعداد
الفكر المتحرر من الجمود، من الخرافة والإذعان…وتمكينه من حمل المشروع والعمل على إنجازه. وإذن كيف تعامل
الخطاب الإصلاحي التقليدي المعبر عنه "بالتيار السلفي" يقوم على مبدأ
الرجوع إلى الماضي، إلى "الأصل" إلى »زمن الوحي وزمن حافظي الوحي الأوائل«
(6) والذين يصفهم "د: فهمي جدعان" "بالمفكرين التاريخيين"
لأنهم في نظره »ذوو امتداد في الزمن البعيد المنصرم« (7). أي ذوو
امتداد اجتماعي عميق-ومن ثم فالإصلاح في الخطاب السلفي هو رجوع إلى الأصل وبعثه.
إذ "البعث" يشكل المنطلق والجوهر للدعوة الإصلاحية. فهو من جهة خطاب
يسعى لتصحيح الاعتقاد وفتح باب الاجتهاد، وتجديد الإسلام، وهذا ما يسمى بالمنطلق
العقائدي، ومن جهة أخرى خطاب يرمي إلى »رسم حدود أمة إسلامية لا تفرط في رسالة الله«(8).. وهو ما يسمى
بالمنطلق التاريخي. فالمنطق العقائدي والمنطلق التاريخي، شكلا مفهومين بارزين في
الخطاب السلفي هما: مفهوم "بعث الإسلام" الممثل خاصة في نموذج الشيخ
محمد عبده (1266 هـ/1849م -132هـ/1905)، ومفهوم "كونية الإسلام" الممثل
في نموذج جمال الدين الأفغاني (1254هـ-1838م-1315هـ/1897م).
يتجلى بديل
النموذج الإصلاحي كما يصوغه الشيخ "محمد عبده" في اجتهاداته وفتاواه
وتحليلاته التي يؤكد في إطارها بعدم وجود أي تناقض بين العلم والدين، وبين متطلبات
العقل ومتطلبات الوجدان… أي قد سعى إلى »إيجاد صلة وصل بين المعطيات الثقافية الغربية ومحتوى الوحي«(9).
فمن المنطلق العقائدي/الإصلاح الديني سعى لتجديد الاستمرارية المتشبثة بالأصل-أي
الساعية لإحياء وبعث الإسلام، لأن سبب انحطاط وتأخر المجتمع في نظره يكمن في
التخلي عن الدين، أو في التشبث "بدين البدع"-كأخلاق التصوف، التقليد،
التعليم الجامد..
وتجاوز الانحطاط لا يتم إلا بتحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على
طريقة سلف هذه الأمة قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى،
واعتباره »ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه، وتقلل من خلطه
وخبطه، لتتم حكمة الله في حفظ نظام العالم الإنساني، وأنه على هذا الوجه يعد صديقا
للعلم، باعثا على البحث في أسرار الكون داعيا إلى احترام الحقائق الثابتة مطالبا
بالتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل…«(10).
لذا عمل من
أجل تحرير إرادة المسلم من عقيدة الجبر التي سلبت همته وعزيمته متخفية تحت عقيدة
القضاء والقدر، في مقابل إطلاق سلطان العقل وتغليبه في فهم الدين وضد
"التقليد الأعمى"، بل حرص إلى التأكيد من أن »التقليد بغير عقل ولا هداية هو شأن الكافرين« (11) إذ لا يصح
في نظره أن يؤخذ الإيمان بالله من كلام الرسل ومن الكتب المنزلة، وإنما لابد أن
يصل الإنسان إلى معرفة الله أولا بعقله، ثم يصل إلى الإيمان بالرسل.
-وبمعنى
صريح- فإن طريق العقل هو طريق معرفة الله، حيث أن الإسلام في الدعوة الأولى،
للإيمان بالله ووحدانيته لا يعتمد شيئـا سوى الدليل العقلي، إذ »فيما يتعلق بغير القرآن من النصوص لا يرى الشيخ لنص حصانة
تعلي من شأنه على شأن العقل وما يصل إليه من براهين ومعطيات«(12).
وعليه يمكن القول أن "محمد عبده" قد ناهض "المنظومة الدينية"
التي كانت سائدة في عصره –أي الدين الرسمي-
والتي اعتبرها أساس تخلف المسلمين، وأن التقدم يقوم على أساسين هما: التمسك
بالقرآن والسنة من جهة، وإعادة الاعتبار للعقل من جهة أخرى، وعلى ضوء هذين
الأساسين حاول تأسيس منظومة فكرية جديدة، تأخذ منجزات العصر بعين الاعتبار-حتى
أننا نجد بعض المفكرين المعاصرين من يعتبر أن ما قام به الشيخ هو »الملائمة بين الدين والعصر، أو
أنها سلفية عقلية«(13).
وفي نفس السياق
المفهومي للعقل، نجد رائد الإصلاح في الجزائر "الشيخ عبد الحميد بن
باديس" صاحب دعوة دائمة ومستمرة إلى موقف سلفي ينظر صاحبه بعقل معاصر ومستنير
في أصول الإسلام الأولى والجوهرية دون ما إغراق في تعقيدات الفلاسفة والمتكلمين.
مما يجعله يلتقي مع فكر "عبد الرحمن الكواكبي" في ذات الموقف، وما يتضح
في تفسيره للقرآن الكريم حيث ينهج نهج "محمد عبده" في التفسير. إذ أنكر
الإغراق في "النسك الأعجمي والتخيل الفلسفي".
ومن ثم
كانت عملية "التغيير الاجتماعي" عند "بن باديس" ينبغي أن
تنطلق من داخل الذات أو الضمير الإنساني، لا في المؤسسات الاجتماعية… ولأن إصلاح
الذوات الفردية هو الذي يجر بالضرورة إلى إصلاح المجتمع ككل.
أما
الإصلاح هنا ينبغي أن ينصب على العقل أولا –ويعني به هنا "إصلاح العقائد"*، وعلى الأخلاق
ثانيا، أي تقويم النفس وبناء الفضائل. »فإن الباطن أساس الظاهر والعلم مبدأ العمل والباعث عليه.«(14).
ولأن
الإصلاح ينبغي أن يكون "ذاتيا" لا خارجيا، ولأن مبادئ الإسلام هي أصلا
مبدأ الإصلاح فقد لزم في رأي "بن باديس" أن تتحقق النهضة والإصلاح بما
هو "ذاتي".
لذا نجده يميز بين نوعين من الإسلام: إسلام وراثي وإسلام ذاتي، فالأول:
مبني على التقليد والجمود… »فلا فكر فيه ولا نظر«. (15). بينما الثاني: مبني على التفكير
والبحث والتأمل، مبدؤه النظر والتمييز المدرك بين الحسن والقبيح، والبرهان والباطل
ولحمته »العقل
والبرهان والشعور والوجدان«(16).
فحياة الإنسان حياة فكر، وإيمان، وعمل، ومحبته للإسلام محبة عقلية قلبية بحكم
العقل والبرهان. أما الطريق إلى الإسلام الذاتي فهو بلا نزاع التعليم، »تعليم الأفراد والجماعات البنين
والبنات، الرجال والنساء«(17).
-لكن ومع
ذلك يظل الفكر الإصلاحي في الجزائر وبسبب ظروف الاستعمار…رهين "التفكير العلي الأحادي" على حد تعبير د:
"فهمي جدعان" وهو ما ميز أيضا فكر "محمد عبده" ورشيد
رضا" وغيرهم. تفكير ذو تحليل علي، تسويغي، دفاعي، أي لا يتجاوز الإرشاد
الخطابي…كونه يؤسس
الإصلاح على علة "التعلم" والتربية والتعليم المدعومين بالأخلاق… في حين أن
"التعليل الأحادي" يكون ضروريا لكنه غير كاف، إذ ينبغي أن يتأسس على
"تعدد العلل" ونقصد بذلك العوامل السياسية، الاقتصادية، النفسية…أو ما يسمى بـ"مركب الشمول". لذا نجد معظم
الإصلاحيين بمختلف مناهلهم الفكرية يؤكدون على أن إصلاح ضمير الفرد وبناء
عقله.."أي بناء الفرد" هو الطريق القويم إلى بناء المجتمع، بحيث ينجم
بالضرورة عن الإصلاح العقلي والأخلاقي للفرد إصلاح للمجتمع برمته.
لكن وفي
ذات السياق مرة أخرى إذا ما أردنا تشميل المفاهيم الموظفة كالعلم، والعقل،
والتغيير…في الخطاب
الإصلاحي، لوجدنا "رؤية سحرية" طاغية اتجاه هذه المفاهيم، بحيث تمنح
مالكها القوة التلقائية لحل جميع المسائل المطروحة. وليس توظيفا لهذه المفاهيم
كأسلوب وطريقة ومنطق عقلي للحياة على ما هي عليه. الشيء الذي جعل منه-أي
الخطاب-يتسم بالقصور إزاء تبيئة وتحيين هذه المفاهيم قصد مطابقتها، أو على الأقل
محاولة تأسيسها. وبالتالي تعالى واغترب أحيانا عن المسار التاريخي والمعرفي للواقع
المراد إصلاحه. فعن وعي أو لا وعي قفز الخطاب الإصلاحي عن اللاوعي الفكري
والإيديولوجي الزاخر بالأسطورة والمباشرة –بضم الميم- والحلول السحرية. ومن ثم لم يلامس الجوهر
البنيوي لواقع هذه المجتمعات، كونه لم يدرك بشكل أعمق طابع التمايز الثقافي للمجتمعات
المحلية وخصوصيتها. فمثلا المبادئ الأخلاقية التي حاول الخطاب الإصلاحي تبنيها،
نجدها تدور على جملة من القيم السلفية المستقاة من الإسلام والقيم
"العصرية" التي تضمنها الإسلام نفسه إنها قيم إيجابية تتضمن العدالة
والإنصاف والاتحاد والتكافل الاجتماعي والحرية…*(19) لكن القيم
ذاتها تراوحت بين التبرير الدفاعي والنقد الموجه….
وهنا
نتساءل إذا ما كان الاقتصار في الخطاب الإصلاحي على تكييف بعض المفاهيم وإعطائها
"رسالة حضارية" ألا يجعل منه خطابا اختزاليا اتجاه المعطيات القائمة…فمثلا في نقد الخطاب الإصلاحي لعصور الانحطاط لم يقدم أكثر
من نقد سطحي ذو تعليل أحادي لمسائل في العمق، لا زال يجترها الفكر العربي إلى
يومنا هذا. كمعالجته "قضية المرأة"…إن كان ينبغي العمل على تربيتها، أو إصلاحها، أم تحريرها…ومع ذلك حاجتنا اليوم إلى الخطاب الإصلاحي هي حاجة معرفية
واعية تنقل بعض القيم والنزعات البديلة إلى الواقع، واقع الممارسة الفكرية البعيدة
عن النزعة الوثوقية والنصية لأنها مفصولة عن تاريخيتها وواقعها، كما تكون بعيدة عن
النزعة المعيارية "الإرادوية" لأنها على حساب التعامل النقدي والانتباه
الواعي إلى قوانين التاريخ الموضوعية.
وإلا بأي
معنى وأية غاية يمكننا مساءلة الخطاب الإصلاحي في سياقه دون إسقاط تأويلي أو
شمولي، بل ودون تلفيق وانجذاب عاطفي جديد…تلك هي الحاجة وتلك هي الغاية.
هوامش:
1- عبد
اللطيف كمال، سلامة موسى وإشكالية النهضة، (ط1؛ المغرب (المقدمة): دار
الفارابي/المركز الثقافي العربي، 1982.). ص. 28.
2- أنظر:
الجابري محمد عابد، الخطاب العربي المعاصر، (بيروت: دار الطليعة، 1988). ص.
3.
3- نفسه،
ص. 19.
4- نفسه،
ص. 20.
5- أنظر:
غالي شكري، النهضة العربية في تونس، الأرض والتاريخ، "مجلة دراسات
عربية"، عدد 8، (21 يونيو 1995)، ص. 47.
6- كمال
عبد اللطيف، المرجـع السـابق. ص. 53 .
7- أنظر:
فهمي جدعان، أسس التقدم عند مفكري الإسلام"، (ط2؛ بيروت: المؤسسة
العربية للدراسات والنشر، 1981)، ص. 181.
8- كمال عبد اللطيف، المرجع السابق. ص.
54.
9- ألبرت حوراني، الفكر العربي في
عصر النهضة، ت:كريم عزقول، ( ط:1977،بيروت: دار النهار للنشر)، ص. 174.
10- راجع:
محمد عمارة، الإمام محمد عبده، مجدد الإسلام، (ط1؛ بيروت: المؤسسة العربية
للدراسات والنشر،1981)، ص. 48.
11- محمد
عماره. نفس المرجع. ص. 33.
12- أنظر:
محمد عمارة، الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، (ط:1982، بيروت: المؤسسة
العربية للدراسات والنشر)،ج3، ص. 279.
13- سلامة كيلة، "دراسة في
اتجاهات حركة التنوير في عصر النهضة، "مجلة الوحدة"، عدد 31/32 مايو،
1987. ص. 18.
*-إشارة إلى المعتزلة –ومنهج
"محمد عبده" في التفسير.
14- فهمي
جدعان، المرجع السابق. ص. 404.
15- عمار
طالبي، "بن باديس: حياته وآثاره" المجلد الأول. الجزائر. 1968. ص. 33.
16- آثار
بن باديس مقال "الإسلام الذاتي والإسلام الوراثي" "جريدة
الشهاب" ج3 ص. 105 وما بعدها. فيفري 1938.
17- تركي
رابح، الشيخ عبد الحميد بن باديس-رائد الإصلاح والتربية في الجزائر، (ط3؛
الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، 1981)، ص. 215.
18- جريدة
الشهاب. عدد 49. السنة الثانية. أغسطس. 1926. الجزائر.
19- إشارة إلى مؤلفات "محمد
الطاهر بن عاشور" خاصة في مؤلفه. حول" أصول النظام الاجتماعي في
الإسلام.

سعيد يقطين
يسعى
الباحث من خلال دراسته القيمة هذه إلى الوقوف على حدود العلاقة التي تصل
الجامعة بالمغرب بالمجتمع من جهة، ونشاطا إبداعيا يتحقق من خلاله التواصل
الفني بين أفراد المجتمع. وهو من خلال صنيعه هذا، يقصد معالجته على ما يتصل
بالجامعة وكلية الآداب بعامته وشيعته اللغة العربية وآدابها على نحو خاص.
الجامعة
المغربية والمعرفة الأدبية
الجامعة
والأدب والمجتمع
1- تقديم
1.1- هل يمكن تصور مجتمع لا يعطي الجامعة ما تستحق
من العناية والتفكير بأنه قادر فعلا على مواجهة مختلف الأمريات والتحديات التي
يفرضها عليه العصر الحديث؟ وهل يمكن الذهاب إلى أن أمة من الأمم لا تولي البحث
العلمي ما يتطلبه من اهتمام وما يستدعيه من تخطيط بأنها بكل تأكيد تعيش داخل العصر
لا خارجه؟...
أسئلة
كثيرة تفرض نفسها في هذا المضمار حول العلاقة التي يمكن من خلالها تجسيد الأواصر
التي تصل الجامعة بالمجتمع، وتعطي تبعا لنوع العلاقة بينهما ما يجعلنا قادرين على
تكوين فكرة عن كل منهما. يتحقق لنا ذلك بناء على أننا عندما نتأمل الأمم المتقدمة
في عصرنا الحالي نجدها تحتل المكانة العليا بالنظر إلى ما تحققه على صعيد الجامعة
والبحث العلمي. كما أن واقع الدول النامية وغيرها يبدو لنا بجلاء من خلال ما يعرفه
البحث العلمي لديها، والمستوى الذي آلت إليه الجامعة فيها، إذ لا يمكن بحال أن
تتطور الجامعة بدون أن يواكب ذلك تطور على صعيد المجتمع، والعكس صحيح.
2.1- نريد في هذه المداخلة أن نقف عند حدود
العلاقة التي تصل الجامعة ببلادنا بالمجتمع، وذلك من خلال الانطلاق من
"الأدب" باعتباره موضوعا للدرس والبحث في الجامعة من جهة، ونشاطا
إبداعيا يتحقق من خلاله
التواصل الفني بين أفراد المجتمع. ونبغي من
وراء ذلك طرح بعض القضايا والمسائل التي في حال تفكيرنا الجماعي فيها نسهم ولو
جزئيا في ترهين أهم المعضلات، وجعلها واضحة بالقدر الذي يمكننا من تجاوزها أو
الانخراط الواعي في وضع الحلول الملائمة لها. ونحن حين نتخذ من الجامعة في علاقتها
بالأدب موضوعا للبحث والتساؤل نقصر ما يتصل بـ "الجامعة" على ما يتعلق
بكلية الآداب بصفة عامة، وشعبة اللغة العربية وآدابها على نحو خاص. وأي تفكير في
هذا الخاص يستدعي ويتطلب التفكير في العام الذي ينتمي إليه.
2- الجامعة والأدب
1.2- علاقة الجامعة
بالأدب علاقة تلقّ، وبحث، لا علاقة إنتاج. ومعنى ذلك أن ليس على عاتق الجامعة
تخريج أفواج من الشعراء والكتاب والمسرحيين والروائيين... إنها تهتم على نحو خاص
بـ "النص الأدبي" باعتباره ظاهرة ثقافية اجتماعية، سواء في الزمان أو
المكان، أي أنها تعالجه من حيث تكونه وصيرورته وتطوره. وتبعا لذلك ترتبط الجامعة
بالأدب من خلال ما يمكن تسميته بـ "المعرفة الأدبية"، تمييزا لها عن
باقي أنواع المعارف التي تضطلع بها الجامعة في تخصصات أخرى ومجالات مغايرة.
2.2- ترتبط "المعرفة
الأدبية" بمختلف أنواع المعارف المتصلة بـ "الطبيعة"، مادامت تتعلق
بقطاع هام من الإنتاج الذي أنتجه الإنسان أو "أبدعه"، وظل ينتجه، وسيظل
ينتجه في:
1-
تفاعله مع محيطه الطبيعي –الاجتماعي من جهة،
2-
تفاعله مع مختلف ما ينتجه الإنسان من أصناف التفكير والإبداع في إطار وسياق ثقافي
وحضاري محددين من جهة ثانية.
3.2- تبعا لذلك تغدو
"المعرفة الأدبية" ضربا من "المعرفة العلمية". غير أنها تتخذ
من الإنتاج الأدبي وما يتصل به من جوانب تتعلق بالخيال، والمتخيل، موضوعا للبحث
والدراسة. وكلما تقدمت معرفتنا بالإنسان ومختلف عوالمه وإنتاجاته في مضمار ما،
تقدمت معرفتنا بإنتاجاته الفنية والأدبية. إن هذه من تلك، رغم الاختلافات الظاهرة
التي يمكن أن توسم بها مختلف الفعاليات والممارسات، وتعطي لكل منها ما يميزها عن
سواها. غير أنه في نطاق البحث والمعرفة، وبسبب التداخل بين مختلف الأنشطة التي
يزاولها الإنسان، لا يمكننا إلا أن نتحدث عن تكامل المعارف واشتراكها من زاوية ما
يمكن أن تحققه من تراكم معرفي يفيد في تطوير معرفتنا بالإنسان ومختلف نشاطاته
وفعاليته. وأي تمييز بين أنواع المعارف من جهة التفاعل بينها لا يمكن أن ينجم عنه
إلا إعطاء الاهتمام لنوع منها على حساب غيرها. ويعكس هذا في واقع الأمر رؤية تقوم على
المفاضلة بين المعارف في ضوء ما يعتبر من الأولويات والأسبقيات. وتسود مثل هذه
الرؤيات في واقع الأمر في البلاد التي لم تأخذ بما يكفي بأسباب البحث العلمي. أما
في البلدان التي تحققت فيها مثل هذه الأسباب، فلا نجد فيها مثل هذه الرؤيات، وذلك
لإيمانها بالتكامل العلمي والمعرفي بين مختلف النشاطات التي يمارسها الإنسان.
فما هي "المعرفة الأدبية" التي تساهم
بها الجامعة المغربية في علاقتها بـ "الأدب" في ضوء ما يتحقق على صعيد
الإنتاج العلمي والمعرفي في مختلف التخصصات بوجه عام من جهة، وفي علاقة ذلك
بالمجتمع من جهة ثانية؟
0.3- جوابا على السؤالين
السالفين، نحاول هنا تقديم تشخيص لتلك العلاقة المزدوجة من خلال الوقوف عند محطتين
في صيرورة الجامعة المغربية. نسمي أولاهما بـ"حداثة الجامعة" والثانية
بـ"الجامعة والحداثة".
1.3- حداثة الجامعة:
نعاين في المحطة الأولى من تلك الصيرورة أن الجامعة المغربية حديثة جدا، وهذا ما
نقصده بالحداثة هنا. تتصل هذه الحداثة باستقلال المغرب الذي يمكن اعتباره فاصلا
بين حقبتين من تاريخ المغرب. جاءت الجامعة المغربية الحديثة لتحل محل الجامع
والمدرسة التقليديين اللذين ظل فيهما الاهتمام الأساسي منصبا على إنتاج المثقف
التقليدي. يتلقى هذا المثقف الذي يستجيب للحاجيات التي كان يمليها واقع المغرب
القديم جملة معارف تنهض بصورة خاصة على قاعدة لغوية ودينية، وذلك لكي يتاح له أن
يضطلع بدوره في الحياة الدينية والمدنية للمجتمع. وتؤهله المعارف التي حصل عليها
من القيام بوظيفة الكاتب أو الفقيه أو القاضي أو الخطيب، إنه يملأ وظائف عديدة
يتوقف عليها نظام المجتمع، وتستجيب المعارف التي تكونت لديه من خلال ما تلقاه في
الجامع أو المدرسة. لذلك نجد أن دور هذا المثقف سيتغير مع حلول المجتمع الجديد،
المغرب المستقل. وستتغير تبعا لذلك وظيفة الجامعة، وستأخذ صورا مغايرة لما كانت
عليه مع الجامع والمدرسة.
تأسست الجامعة المغربية في شروط مختلفة، واتخذت
لها في البداية صورة الجامعة المشرقية من خلال اعتمادها النموذج المصري على وجه
الخصوص. لذلك سنجد الأساتذة المصريين يضطلعون في بداية تكوّن الجامعة المغربية
بدور أساسي في التأطير والتنظيم والتكوين، وسيساعدهم في ذلك أساتذة من سوريا، أو
بعض الأطر المغربية التي تلقت تكوينها في مصر أو سوريا. وإلى جانب هذا النموذج
المشرقي كانت صورة الجامعة الفرنسية حاضرة بامتياز، وخاصة في المعاهد والمدارس
العليا ذات التخصصات العلمية أو التطبيقية. ويشرف عليها أساتذة وباحثون أجانب، أو
بعض المغاربة الذين تلقوا تعليمهم في الجامعات أو المدارس الفرنسية. تكامل
النموذجان المصري والفرنسي في طبع الجامعة بأهم مواصفاتها، واستمر هذا الحضور
والتأثير إلى الآونة الأخيرة حيث بدأنا نلمس وعيا بضرورة الاستفادة من الأنظمة
التعليمية الأمريكية. وتبدو لنا تجربة "جامعة الأخوين" المثال الأوضح
على ذلك.
إن الوظيفة الأساسية التي ستضطلع بها الجامعة
المغربية في بداية عهدها تتلخص في كونها بعد تربوي محض، ولهذا سنجد النظام
التعليمي يعتمد على نحو خاص على "التلقين" و"الإنشاء". ويبرز
ذلك بجلاء في نوع المقررات ونظام الشهادات اللذين كانا يعكسان هذه الوظيفة: توزيع
سنوات التعليم الجامعي، مثلا، إلى سلكين الأول والثاني. وفي كل منهما شهادة محددة
تمكن الحاصل عليها من مزاولة عمل يتطابق مع أحد السلكين الأول أو الثاني في
التعليم الثانوي. ويؤهل الحصول على شهادة السلك الثالث على القيام بعمل بالتعليم
العالي. وفي هذا النطاق كانت الجامعة مفتوحة على مؤسسات تربوية (المركز التربوي
الجهوي أو المدرسة العليا للأساتذة) وتتكامل معها لتحقيق الوظيفة نفسها، وهي إعداد
"الأستاذ"، "المربي".
جاءت الجامعة المغربية لتساهم في تكوين الأطر
ومغربتها، لذلك كان البعد التربوي أساسيا في التكوين والتعليم. ويتركز هذا البعد
بصورة واضحة على تحقيق "التراكم" المعرفي لدى الطالب. وتوازي تلك الرغبة
في تحقيق "التعدد" ونشدان "التكامل". لذلك نجد طالب الأدب العربي،
مثلا، يقوم بدراسة مواد تتصل باللغة في مختلف جوانبها، والأدب في كل العصور. وهو
إلى جانب ذلك مدعو أيضا إلى الاطلاع على الحضارة والتاريخ والجغرافيا والفلسفة
وبعض المواد الدينية (علوم القرآن، علوم الحديث). كما أن عليه أن يدرس إحدى اللغات
الحية، وبعض اللغات الشرقية (الفارسية-العبرية). ويتحقق كل ذلك في تماس مع موضوع
التخصص: الأدب. ومفاد هذا التصور أن الأدب ظل ينظر إليه باعتباره "الأخذ من
كل شيء بطرف". وعلى الطالب أن يجسد هذا التصور بامتياز ليكون
"الأستاذ" المؤهل لتدريس كل ما يتصل باللغة العربية قبل إحداث شعبة
"الدراسات الإسلامية" التي صار المجازون فيها يضطلعون بتدريسها مكانهم.
ظلت هذه الصيرورة مستمرة حتى بداية
الثمانينيات، حيث سنجد أنفسنا أمام إمكانية الحديث عن صيرورة جديدة ومغايرة. وفي
ما يتصل بعلاقة الجامعة بالأدب في هذه الآونة نعاين أنها على وجه الإجمال كانت
علاقة طلاق تام. فالمناخ الثقافي المغربي، والأدبي ضمنه، لم يكن
"الجامعي" يساهم فيه من قريب أو بعيد. ويبدو لنا ذلك بجلاء من خلال
المقررات والبرامج في شعبة اللغة العربية مثلا. إنها جميعا تقليدية وقديمة، ولا
تربطها أي صلة بما هو حديث أو معاصر سواء على صعيد المناهج والنظريات الأدبية، أو
على صعيد النصوص الأدبية المدروسة حيث يختفي النص الحديث أو المعاصر، أو يتوارى
نهائيا، وراء الاهتمام المتزايد بكل ما هو قديم في التصورات والرؤيات والنصوص.
وعندما يهيمن النص والمنهج القديمان في
الجامعة، فليس لذلك من معنى غير الابتعاد عن كل ما هو مرتبط بالعصر الراهن. ولأمد
ستظل النصوص الحديثة بعيدة عن الاستعمال والتلقي التربوي بذريعة أن هذه النصوص
بعيدة كل البعد عن الأدب، ولا يرتقي إليه حسب بعض وجهات النظر المهيمنة. وسوف لا
تتغير هذه النظرة إلا في مرحلة متأخرة في الجامعة، وسيمتد تأثيرها إلى الثانوي
أيضا حيث سيتم اعتماد النصوص الحديثة والجديدة في مادة "المؤلفات"،
وإدخال بعض النصوص المعاصرة من الشعر العربي، وإن كان يتم ذلك بكثير من الإحجام
والاحتشام.
كانت الصحافة الوطنية في هذا المناخ هي التي
تضطلع بدور تنشيط الساحة الثقافية وتحريكها، وهي التي كانت تربط الأدب بالمجتمع،
والثقافة بمجمل ما يعتمل في جسم المجتمع المغربي. كما أن المساهمين فيها كانوا
عادة من خارج الحرم الجامعي. وحتى إذا ما كان لأحدهم انتماء إلى هيئة التدريس في
الجامعة، فإن نشاطه الثقافي الأسلس ظل يتم من خلال الصحافة أو إحدى الجمعيات
الوطنية (اتحاد كتاب المغرب مثلا)، أو من خلال بعض الجمعيات المحلية، أو من خلال
إصدار بعض المنشورات أو المجلات الثقافية.
يبدو لنا ذلك بجلاء من خلال أهم الأعمال
النقدية أو الدراسات الأدبية التي صدرت خلال هذه الحقبة، وكذلك بالنظر إلى أهم الإصدارات
في المجال نفسه، لقد ساهمت الصحافة (الملاحق الثقافية) والجمعيات والمطبوعات (التي
يتحمل مسؤولية الإشراف عليها مثقفون أو مؤسسات غير جامعية) في مختلف المناقشات حول
وضعية الدراسة الأدبية، وعلاقاتها بالمجتمع، وخصوصيات الإبداع، وصلاته بالتحولات
الاجتماعية. وبكلمة، كانت الجامعة في هذا السياق لا تعكس ما تمر به الساحة
الثقافية والأدبية المغربية.
2.3-الجامعة والحداثة:
تحققت الصيرورة الثانية، في هذا المسار منذ أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات.
وتتجسد أهم ملامح هذا التحقق من خلال توفر التحولات التالية التي ساهمت بصورة
كبيرة في إحداث هذه الصيرورة:
أ- تعدد الكليات: منذ هذه الحقبة تم
إحداث كليات جديدة في عدد من المدن المغربية (البيضاء
-المحمدية-الجديدة-تطوان-أكادير-القنيطرة-بني ملال...). هذه الكليات جاءت لتعزز
المكانة التي تحتلها كليتا الآداب بفاس والرباط، وما عرفته بعد ذلك كليات الآداب
في البيضاء (عين الشق) ومراكش ووجدة. إن تعدد الكليات ساهم في تطعيم التعليم
العالي بفعاليات شابة، وطموحة. وهذا التعدد سيضفي على الكليات طابع التنوع الذي
سيصبح السمة الأساسية التي ستتميز بها في هذه الصيرورة.
ب- تعدد المجلات والمنشورات والندوات: لقد أوجد
تعدد الكليات مناخا جديدا يتمثل في استيعاب العديد من الفعاليات التي كانت تنشط
خارج الجامعة، والتي ستنقل مجال فعالياتها داخل الكليات الجديدة التي يحركها طموح
أن تكون فاعلة ومتميزة. لقد أدى هذا الوضع إلى خلق مناسبات للتنافس وإثبات نوع من
الخصوصية.
وعلى غرار الكليات العتيقة صارت لكل كلية آداب
"مجلتها" الخاصة، ومنشوراتها التي تتضمن الرسائل الجامعية للمنتمين
إليها، أو حصيلة ندواتها. هذه الندوات التي صارت تعرف تنوعا بتنوع المجالات التي
تنتمي إليها، والتي صارت تركز أحيانا على موضوعات عامة ترتبط بمشاكل متداولة،
وأحيانا أخرى تنصب على قضايا حيوية تتصل بتاريخ وخصوصيات المنطقة التي توجد فيها
أو القريبة منها. وبذلك صرنا لأول مرة إزاء ندوات يشارك فيها المهتمون والمختصون
على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم، ويتم التركيز فيها على موضوعات خاصة مثل تاريخ
الشاوية، وآسفي، وسوس، ووجدة، وما شاكل هذا من الموضوعات والقضايا التي جعلت
الموضوعات المتداولة تتجاوز الإشكالات التي ينشغل بها الباحثون إلى غيرها من
القضايا التي تهم المعرفة بالمنطقة، وبخصوصياتها المحلية، وموقعها داخل النسيج
العام للمجتمع.
ج-تواتر الرسائل الجامعية: إن العاملين
السابقين ساهما بدور كبير في تواتر الرسائل الجامعية وتنوع موضوعاتها وتعددها
بتعدد وتنوع الباحثين والقضايا التي يهتمون بها أو ينشغلون بها أو ينشغلون بالبحث
فيها. وأقدم العديد منهم على طبع رسالته أو بحثه، وبذلك صرنا أمام ظاهرة لم تكن
موجودة فيما مضى وتتمثل في انخراط الجامعة في المناخ الثقافي والفني المغربي.
وصارت لكل كلية آداب تقريبا "مختبرات" في هذا التخصص أو ذاك، أو في بعض
الفنون مثل المسرح أو السينما. ويكفي أن نشير في هذا المضمار إلى مهرجان المسرح
الجامعي الدولي الذي يقام سنويا بمدينة الدار البيضاء (ابن امسيك)، للدلالة على
ذلك...
يبدو لنا بوضوح في هذه الصيرورة أننا فعلا أمام
تحول هام: فالجامعة صارت تلعب دورا نشيطا في الفعل الأدبي والثقافي العام، ونوع
الندوات التي تحتضنها كليات الآداب، وشعبة اللغة العربية صارت تميل أكثر نحو
موضوعات ترتبط بصورة أو بأخرى بمجمل التحولات التي يعرفها المجتمع، أو العالم من
حولنا، أو بالتنقيب في الذاكرة الجماعية والتاريخية للمغرب.
لقد تنوعت في هذه الصيرورة الطاقات الشابة التي
ساهمت بدور كبير في إعطاء تحول هام على صعيد تحول الجامعة. وكان من أثر ذلك دخول
المناهج والنظريات الجديدة في الدرس الأدبي. وتولد عن ذلك مسار جديد في البحث
والدراسة والتأليف: إذ بدأت تتبلور صورة جديدة من التفكير في المعرفة الأدبية لا
يمكن إلا أن توسم بأنها مباينة لما كان عليه الأمر في المرحلة السابقة. ويمكننا أن
نعاين ذلك بجلاء في المستوى العالي الذي انتهت إليه صورة الباحث المغربي في الآداب
والعلوم الإنسانية وجعلته بذلك يحظى بمكانة عالية على الصعيد العربي، وأحيانا
الدولي.
إننا في هذا الوضع أمام صورة جديدة، وواقع
مغاير. لكن هذا الوضع الجديد أتى في نطاق تحولات شتى على صعيد المجتمع وتطوراته
المختلفة. فالجامعة لم تبق متمركزة في العاصمتين الإدارية (الرباط) والعلمية
(فاس)، وأعداد الطلبة تتزايد، ولكن تعدد الجامعات جعل أعدادها بالنسبة إلى كل كلية
تتناقص نظرا لاستيعاب الكليات الجديدة للطلاب المنتمين إلى المنطقة التي توجد
فيها. كما أن القنوات التي كانت مفتوحة بين الجامعة والتوظيف صارت شبه متوقفة
للاكتفاء الذي آلت إليه المؤسسات التي كانت في أمس الحاجة إلى الأطر في الحقبة
السابقة. وبذلك صار الحصول على الوظيف، ولو في التصور، مباشرة بعد الحصول على
الإجازة مستحيلا أو شبه مستحيل.
4- التطور والعوائق
إنها مفارقة عجيبة حقا! ففي الوقت الذي بدأت
الجامعة المغربية تحتل موقعها ضمن النسيج العام للمجتمع، تتولد شروط جديدة تدفع في
اتجاه التشكيك في إمكان ذلك، والتحفيز على عدم التفكير في الانتماء إليها. وبوصول
التفكير في الجامعة إلى هذا الحد، لا يمكن للمفارقات إلا أن تتزايد، ويتولد بعضها
من بعض، ما لم يتم الجاد والجماعي من التفكير في مختلف القضايا التي تصل الجامعة
بمختلف مكوناتها، وصلاتها بالمجتمع وتحولاته. ويمكننا تجسيد هذه المفارقات فيما
يلي:
1- عدم قيام الجامعة بـ "التوظيف"
بالصورة التي كانت عليها في بداية عهدها، يقابله تزايد أعداد الطلبة بتعدد الكليات
والجامعات.
2- إن التطور الذي تحقق على صعيد "المعرفة
الأدبية" وما تحبل به من إرهاصات قابلة للتحول بناء على ما يتراكم، يقابله
تدن على مستوى الطالب العلمي، وتدهور في قدراته الشرائية، وعزوف عن التحصيل بسبب
غياب الحوافز المادية والمعنوية. هذا التدهور، وذاك العزوف، لم يقف عند حد الطالب،
بل تعداه إلى الأستاذ الباحث نفسه الذي يرى انسداد الآفاق أمامه: فالبحث العلمي
الذي ينشغل به ليس سوى "هاجس" ذاتي، ما دامت لا توازيه محفزات
للاستمرار، أو مشجعات للمتابعة. وهذا "الهاجس الذاتي"، لا يمكنه مع
الزمان، إلا أن يشجب ويضعف، ولا سيما أمام توالي الإحباطات، وتفشي مسبباتها.
هذه المفارقات، وهي تتعلق بالأطراف الأساسية
التي يتشكل منها فضاء الجامعة (الأستاذ الباحث-الطالب)، ومجمل العلاقات التي تربط
بينهم بالموضوع الذي يجمعهم (الأدب)، والمجتمع، لا يمكن في حال عدم التوقف عندها،
والتفكير فيها إلا أن يقلص من دور كل منهم، ويدفع إلى المزيد من الانكماش
والتراجع.
ويمكننا أن نضع المعرفة الأدبية التي بدأت
تتحقق موضع التساؤل، من خلال النظر في إمكاناتها والشروط التي تتبلور فيها في
علاقتها بمختلف الأطراف التي تساهم فيها بهذه الصورة أو تلك. ويأتي سبب توقفنا
عندها إلى كون تطوير هذه المعرفة مشروط بسياق موضوعي وذاتي، وبدونه لا يمكن التكهن
بما تؤول إليه، ولا بالدور الذي يمكنها الاضطلاع به باعتبارها جزءا من المعارف
التي لا يمكن لأي مجتمع أن يستغني عنها، مهما كانت درجة وعيه بها، أو نمط تقديره
لها.
منذ بداية الثمانينيات بدأت تظهر بوادر جديدة
لتحديث الفكر الأدبي المغربي. وبوضع هذه البوادر في نطاق التحولات التي تمت في
الصيرورة الثانية، نجد في الوقت نفسه أنفسنا أمام عوائق تحول دون تعزيز تلك
البوادر، وتطويرها نحو الأحسن. نود هنا التركيز على ما يتصل بالجوانب الذاتية
المحيطة بهذه المعرفة الأدبية، لأنها هي التي تمكننا من معاينة ما يتصل بـ
"العوائق الذاتية" التي يمكن في حال الوعي بها من قبل المشتغلين بها أن
نتجاوزها. أما فيما يتعلق بالعوائق الموضوعية، والتي يتصل جزء أساسي منها بما آلت إليه
الجامعة في علاقتها بالمجتمع، فذلك موضوع آخر للتفكير والبحث، ولا يمكننا، والحالة
هذه، إلا أن نضعه في الاعتبار، ونحن نركز على أهم العوائق الذاتية. من بين هذه
العوائق نجد:
1-التعدد المفرد: سبقت الإشارة في الصيرورة
الثانية إلى ظهور تعدد على أصعدة شتى (الأطر الجامعية-المجلات-المنشورات-الكليات...).
إن هذا التعدد، ورغم ما يشي به من تنوع يظل مفردا. والمقصود بذلك أنه يضعنا فعلا
أمام تحقيق تراكمات شتى، لكنها في رأيي، التراكمات غير القابلة للتحول إلى نوع.
ومرد ذلك أن هذه الندوات والمنشورات تعرف نوعا من التكرار. فمجلات كليات الآداب
رغم تعددها، لا يمكن اعتبارها جميعا سوى "مجلة" واحدة، تأخذ مسميات شتى.
فهذا البحث أو ذاك يمكن أن ينشر هنا، ويمكن أن ينشر هناك أيضا. هذا الإمكان يجعل
التمييز مستحيلا بين هذه المجلة أو تلك. ويمكن قول الشيء نفسه عن الندوات.
إن التعدد المفرد ضروري في مرحلة أولى لخلق
تقاليد، وإرساء بنيات. لكن التوقف في مرحلة لقراءة ما أنجز، والتفكير في التجاوز
يصبح ضرورة، وإلا أصبحت كلياتنا، ومختلف فعالياتها نسخة واحدة، لكنها تتوزع
جغرافيا بحسب التوزيع الإقليمي، ولكن بدون خصوصية أو تكامل، أو احتمال للتطوير.
2-غياب التواصل: يبدو لي أن "التعدد
المفرد" هو وليد غياب التواصل بين الكليات، أو بين الشعب سواء داخل الكلية
الواحدة، أو بين الكليات. فهناك تفاوت بين شعب اللغة العربية داخل المغرب (مثلا).
وليست هناك خطة، أو تخطيط محدد المعالم، مشترك أو مختلف. إذ أن كل شعبة لها منطقها
الخاص الذي تسير عليه، كما أن الشعب المحدثة في الكليات الجديدة تنسخ مقررات شعبة
أخرى. صحيح قد نجد الشعب تتراسل فيما بينها، لكن مراسلاتها هي للإخبار فقط (بعد
انتخاب رؤساء الشعب- الإعلان عن بعض الأنشطة...). لكن الإخبار، وهو ضروري ليس هو
التواصل، لأنه يتعدى الإخبار إلى تنظيم أيام دراسية، وتخطيط تصورات جديدة للعمل،
والتفكير الجماعي في كبريات المشاكل المتصلة بالمقررات والمادة العلمية، والبحث عن
حلول لتطوير اللغة العربية والارتقاء بها... وإذا كان للتراكم أن يتحقق، فعليه أن
يتم وفق مناهج وتخطيط. أما أن نقترح ندوات كما اتفق، ونصدر عددا من المجلة يتضمن
دراسات مضى عليها زمان وهي في الأدراج، فلا يمكن أن يساهم في تطوير معرفتنا
الأدبية...
هذا التواصل كما هو غائب بين شعب اللغة
العربية، يغيب كذلك بين شعب اللغات الحية فيما بينها، وشعبة اللغة العربية. صحيح
أن بعض أساتذة شعب اللغات الحية يدرسون طلبة شعبة اللغة العربية، والعكس صحيح، لكن
التكليف بمهمة ليس هو التواصل بين شعب اللغات، كما أن إشراك بعض أساتذة اللغات في
مناقشة الرسائل الجامعية، ليس هو التواصل، لأنه يتعدى الإخبار إلى تنظيم أيام
دراسية، وتخطيط تصورات جديدة للعمل، والتفكير الجماعي في كبريات المشاكل المتصلة
بالمقررات والمادة العلمية،والبحث عن حلول لتطوير اللغة العربية والارتقاء بها...
وإذا كان للتراكم أن يتحقق، فعليه أن يتم وفق مناهج وتخطيط. أما أن نقترح ندوات
كما اتفق، ونصدر عددا من المجلة يتضمن دراسات مضى عليها زمان وهي في الأدراج، فلا
يمكن أن يساهم في تطوير معرفتنا الأدبية...
هذا التواصل كما هو غائب بين شعب اللغة
العربية، يغيب كذلك بين شعب اللغات الحية فيما بينها، وشعبة اللغة العربية. صحيح
أن بعض أساتذة شعب اللغات الحية يدرسون طلبة شعبة اللغة العربية، والعكس صحيح، لكن
التكليف بمهمة ليس هو التواصل بين شعب اللغات، كما أن إشراك بعض أساتذة اللغات في
مناقشة الرسائل الجامعية، ليس هو التواصل. إن التواصل هنا ينبغي أن يكون أعمق من
صور التعاون هذه. فالاستفادة من خبرات الآخر، والاشتراك في وضع البرامج في كبريات
المشاكل التي تتصل بالمعرفة الأدبية يمكن لكل الشعب أن تنخرط فيه.
إن شعب اللغات الحية، وهذا وصف، لا تساهم في
تطوير المعرفة الأدبية المغربية أو العربية، رغم أن الباحثين بها لديهم كفاءات
وخبرات تؤهلهم لذ لك باعتبارهم يشكلون جسورا مع الثقافات واللغات التي يهتمون بها،
أو يبحثون بها، أو يبحثون فيها، ومن المفارقات الغريبة أن نجد، أن أساتذة شعبة
اللغة العربية وآدابها، هم الذين يساهمون في تطوير الفكر الأدبي المغربي من خلال
تواصلهم مع الفكر الغربي (الفرنسي، أو الإنجليزي) عن طريق الترجمة، أو العمل على
استلهام المناهج الغربية وتطويرها وتطبيقها، عكس ما نجد في مصر مثلا، حيث نجد أن
أساتذة شعبة اللغة الإنجليزية هم الذين يمثلون طليعة البحث الأدبي، بانخراطهم في
ترويج الفكر الغربي ونشره، وترجمته وتقديمه إلى القارئ العربي. وحتى عندما يشتغلون
في رسائلهم الجامعية، نجدهم يبحثون في الأدب العربي، وفي التراث العربي. أما
عندنا، فأساتذة اللغات الحية يبحثون ويشتغلون بالمناهج والنصوص الغربية، الشيء
الذي يجعل مساهماتهم فيما يتصل بالأدب والنص العربيين منعدمة أو شبه منعدمة.
إن التواصل بين هذه الشعب كفيل بإقامة الجسور،
وبدفع الجميع إلى المشاركة في تطور المعرفة الأدبية ببلادنا، وفق الأسئلة والقضايا
التي تفرضها أمريات الواقع المغربي ومتطلباته. وبذلك يسمح هذا التواصل بإدماج جميع
المغاربة كيفما كانت تخصصاتهم واللغات التي يبحثون بها، في تطوير الأدب، واللغة
العربيين. ويمكن قول الشيء نفسه عن التواصل بين شعب اللغات وشعب العلوم الإنسانية
(الاجتماعيات-الإنسانيات).
يتجاوز التواصل الإخبار، وإمكانات اللقاء. إن
عليه أن يتحقق وفق خطة بحث، وتخطيط قصير المدى أو متوسطه بين مختلف المشتغلين في
تخصصات محددة، أو تخصصات تتكامل وتتجاوز.
ووفق هذا التواصل يمكن إعطاء المجلات
والمنشورات والندوات طوابع خاصة، تقوم على التكامل لا التكرار، وعلى التجديد لا
الانتساخ، وعلى الحوار لا السجال. وبذلك يمكن للتواصل أن يجعلنا بعداء عن
التراكمات التي تعني أن هناك وجود آخر أو تواجدا لهذه الكلية أو تلك. إن التواجد
بدون موقع ضمن خارطة أعم وأشمل أحسن من عدمه، لكنه ليس ضروريا للتطور وتحقيق
التحول المنشود.
3-على سبيل التركيب: إننا الآن على أبوا صيرورة
جديدة في تاريخ الجامعة المغربية. وإذا كان الإحساس بكبريات المشاكل واردا
ومعروفا، فقد بات من الواجب الانكباب الجاد على هذه المشاكل بغية التفكير فيها،
وإيجاد الحلول المناسبة لها. أما الحلول الإدارية لمشاكل الأساتذة الباحثين،
وللسلك الثالث، ونظام الشهادات فلا يمكنها، رغم أهميتها، أن تطور
"الوعي" الممكن الذي تضطلع به الجامعة في علاقتها بالمجتمع. ومن
الخطابات التي راحت تروج دون عمق، وأحيانا برتابة مملة، نجدها تتعلق بشعار
"ربط الجامعة بالمجتمع، أو بالسوق". إنها رغبة في إيجاد حلول سريعة لما
تفاقم من مشاكل. كما أن خلق الشعب المطبقة لا يمكن أن يساهم في ذلك. إن المشكل
الحقيقي هو مشكل البنيات الاجتماعية-الاقتصادية برمتها. والذهاب إلى أن الحل يكمن
في إيجاد علاقة للجامعة مع المجتمع هروب من جوهر المشاكل.
إن دور الجامعة في علاقتها بالمجتمع قائم أبدا.
لكن منذ متى تم تعطيل هذه العلاقة؟ ومن المسؤول عنها؟ للتعليم العالي مشاكله التي
يمكن أن ينكب عليها المشتغلون بالبحث العلمي. ومن أولويات ذلك، أن تعطى للبحث
العلمي المكانة التي يستحقها داخل المجتمع. إذ بدون "الوعي" بذلك أولا
لدى المسؤولين لا يمكن أن يتحقق المطلوب من إدماج الجامعة في المجتمع، وتحقيق
غايات ذلك. لكن مادام السائد في التصور أو الممارسة هو "الاستهانة"
بالبحث العلمي، وبالباحث، فإن المشاكل والعوائق لا يمكن إلا أن تتراكم وتتفاقم على
الصعيدين الذاتي والموضوعي. ولا يتأتى آنذاك للحلول المستعجلة، كيفما كانت قدراتها
السحرية، أن تسهم في إيجاد المناسب من الحلول التي تتجاوز الجامعة إلى المجتمع،
وإلى مختلف العلاقات بينهما، وخصوصا ما اتصل منها بالإنسان والمعرفة...
دراسات لغوية وأدبية
|
يتناول صاحب المقال بعض الدعائم اللسانية والتداولية
التي تضفي على الخطاب المسرحي-وهو أقرب الخطابات إلى الحوار الإنساني
العادي-بعدا تلميحيا مشحونا بمجموعة من المعطيات السياسية والثقافية
والإيديولوجية والنفسية، قد يتعذر على الكاتب التصريح بها. وقد يتبين ذلك
بدراسة قوانين الخطاب وظاهرة الاحتجاج.
البعد التلميحي للخطاب المسرحي
إن حديثنا عن ماهية الخطاب المسرحي، يدعونا إلى
دراسة متضمنات القول على مستوى الخطاب الموجه للقارئ أو الجمهور لأغراض لها علاقة
بطبيعة المسرح وغايته، ودراسة ظاهرة الاحتجاج وأثره على نفس هذا الخطاب، حيث يسعى
المؤلف في خطابه ذلك إلى جذب انتباه القارئ إلى أوضاع اجتماعية وثقافية وسياسية
وأخلاقية ونفسية وإيديولوجية…
وبما أن التلميح أبلغ من التصريح والأجدر
بتجاوز استجابات قد تكون في غير صالحه، يسعى المؤلف بأسلوبه التلميحي إلى تحقيق
غرضين:
1-جعل الخطاب أكثر تبليغا.
2-تجنب ما من شأنه الإساءة إليه مباشرة.
وتصرح "أوبرسفيلد" انطلاقا من ذلك
بأن دراسة الحوار تقف على عمليات ثلاث:
1- تحديد الوضعية الخطابية لمختلف المتكلمين،
بمعنى التأكيد على »وضعيتهم
الكلامية التي ظلت غير مرئية ومضمرة بفعل معاني الأقوال«(1). وهذه الأقوال في الغالب تحمل في طياتها معاني غير مصرح بها »فيتعين البحث عن العلامات التي
تمكن من حصر الوضعية "الحقيقية" والعلاقات "الحقيقية" بين
الشخصيات…
ويتعين أيضا جرد الميدان المزدوج للأقوال المضمرة…والافتراضات
المسبقة التي تحدد
الوضعية الخطابية للمتكلمين«(2).
2-البحث عن مختلف الافتراضات المسبقة التي
تتحكم في الحوار ذاته. ونقصد بذلك تلك الفكرة، ذات الأبعاد السياسية والأخلاقية
والخيالية…التي صيغ
من أجلها حوار الشخصيات.
3-الكشف عن مختلف الأقوال مع التركيز في ذلك،
على خلفياتها التاريخية التي من شأنها مساعدتنا على فهم الكيفية التي توظف بها
الأقوال المقرّة والصريحة. فيمكننا دراسة هذه الأقوال من خلال وظائفها وتسلسلها في
الحوار (مع مراعاة الحدث التاريخي من حيث تسلسله في الزمان) ودراستها أيضا في
علاقاتها مع أي بناء خطابي آخر (ربط هذه الأقوال بتوجه فلسفي أو تاريخي أو فني
يسعى المؤلف إلى تثبيته)، وكذا في علاقاتها بالافتراضات المسبقة التي تشتمل عليها
المسرحية.
وعليه، فإن دراسة المسرحية على أساس مستويات
خطابها يعني:
-دراسة تقنيات واستراتيجيات الخطاب والمحادثة
(منها طرق الاحتجاج والشرح…) وما لأثر قوانين
الخطاب فيها.
-السعي إلى سبر أغوار الدلالات التي تحمل في
ثناياها إشارات إلى محتويات ثقافية وسياسية ونفسية وفلسفية وفنية… يرغب المؤلف في
إيصالها إلى المتلقي (القارئ –الجمهور).
من المشروع، انطلاقا من تحديدنا السابق للمعالم
المنهجية لدراستنا، أن نتساءل عن حقيقة المرسل في الخطاب المسرحي-وإن كنا قد تطرقنا
إلى هذه النقطة في الفصل السابق- وعن طبيعة الإخبار، لأنه قد يتبادر إلى أذهاننا
السؤال التالي: "ما فائدة قول عبيد لعزة؟"
تروي كتب التاريخ عن جماعة ضاق سوادها بالظلم
والمجاعة والشقاء فاشتعل غضبها وذبحت ملكها ثمّ أكلته (فاصل 2).
أو قول "بريسكا" لـ"غالياس"
عندما أقنعته على بقائها في الكهف:
بريسكا: ومهمة أخرى يا غالياس، إذا علمت الناس
قصتي وتاريخي فاذكر لهم كما أوصيتك.
غالياس (وهو يهم بالخروج): إنّك قديسة.
بريسكا: كلا..كلا أيها الأحمق الطيّب، ليس هذا
ما أوصيتك به.
غالياس: إنّك امرأة أحبّت.
بريسكا: نعم…وكفى (3).
ألم يكن ذلك خطابا أراد فيه المؤلفان جعل
القارئ يصل إلى نتائج غير مصرح بها في العمل المسرحي؟ وهي نتائج ترتبط بالقناعات
الذاتية والسياسية والفلسفية…للمؤلِّفين.
ثم ما فائدة إخبار شخصيةٍ شخصيةً أخرى مع العلم
أنها كائنات خيالية إن في النص أو في العرض؟ وفي أي مستوى تكمن الإفادة: هل على
مستوى خطاب الشخصيات فيما بينها أو خطاب المؤلف الموجه للقارئ أو الجمهور؟ قبل
الإجابة عن هذه التساؤلات نشير إلى أن مبدأ المشاركة في هذا النوع من الخطاب يكمن
في توظيف المؤلف للغة، بجميع مستوياتها، التي يقرأ بها الجمهور-الهدف. أضف إلى ذلك
أنه حينما قرر أن يطبع عمله، كان مقرا بما سينجز عن قراءة الناس له من تفاعلهم
ورضاهم به، وبالتالي تقبله أو رفضه وانتقاده بشدة. وعليه، انطلاقا من ذلك، أن يفتح
لهم صدره، وفي ظروف خاصة، عليه أن ينتظر ردود فعل قد تمس بشخصه؛ والأمثلة على ذلك
كثيرة.
أضف إلى ذلك أن هذا الإقرار الضمني بمبدأ
المشاركة هو نفسه موجود لدى القارئ بتفاعله مع النص من حيث محتوياته وخلفياته
المتعددة المستويات، وبالملاحظات التي قد يسديها للمؤلف بطريقة أو بأخرى. ونقول إن
قبول القارئ قراءة النص هو إقرار ضمني بمبدأ المشاركة.
تأثير الخلفيات المرجعية في الخطاب المسرحي:
سنتناول دراسة أقوال المتخاطبين بما تحمله من
معطيات لغوية وظفت على أساس احتوائها على بعض الأفكار تنم عما يحتويه الخطاب من
محتويات سياسية وأخلاقية وفلسفية….وغيرها، وسنقف في
ذلك على ما توفره لنا المسرحيات التالية من افتراضات مسبقة وأقوال مضمرة:
أ-"الملك هو الملك" (4):
سمحت لنا قراءة هذه المسرحية باكتشاف قضايا لها
ارتباط مع التوجه السياسي-الإيديولوجي للمؤلف "سعد الله ونوس" المشهور
بتوجهاته الأدبية الملتزمة. وهي قضايا ترتبط بالإطار السياسي والإيديولوجي للأنظمة
الحاكمة في البلدان المعروفة بفساد حكامها وأنظمتها عامة، وأنظمة حكام البلدان
العربية بصفة خاصة.
وقد تشير إلى ذلك بعض العلامات التي لا تتوافق
والمحتوى المباشر لمضمون المسرحية، إذ نجد استعمالا خاصا لبعض المفاهيم السياسية
في نظام الحكم، لم تظهر للوجود إلا حديثا، مع أن المسرحية تجري أحداثها في مملكة
من الطراز القديم. أضف إلى ذلك طبيعة حوار بعض الشخصيات المسرحية (عبيد وزاهد
مثلا) الذي ينم عن وعي سياسي وفكري راق، يعكس في الحقيقة وعي الكاتب. وإلا فكيف
نفسر فكرة أن الأنظمة الفاسدة (وقد استنتجناها في مضمون المسرحية) تستمد وجودها
وشرعيتها من أصحاب رؤوس الأموال (الممثل في شهبندر التجار وتجار الحرير) وفساد
رجال الدين (الممثلون من قِبل الشيخ طه)، هؤلاء الذين يشكلون مصدر تخدير العامة
(على حد تعبير الماركسيين) بالدعاية لذلك النظام.
وقبل أن نطيل في عرض هذه الخلفيات في مسرحيتنا،
نشير إلى أن الخطاب المسرحي هو عبارة عن مجموعة من الأقوال ذات أبعاد تلميحية تظهر
في شكل افتراضات مسبقة وأقوال مضمرة. وهي تشكل على حد تعبير "منقونو"،
سُلّما من المتضمنات المتحققة(5). ونلاحظ ذلك مثلا فيما يلي:
الملك: ألا يتعبون من صياغة الآراء.
نفهم من قول
الملك أنه قد ضجر من صياغة حاشيته للآراء، إنها آراء لا تهمه في شيء ولا يعبأ بها،
فهو يتصرف في مملكته حسب ما تمليه عليه ميوله ونزواته، وهذا يقودنا إلى استنتاج
أشياء غير مصرح بها في النص:
إن الملك حينما قال ذلك أراد من وزيره أن يفهم
ما يريد قوله.
والمؤلف في قوله ذلك أراد منا أن نفهم أشياء
غير تلك التي صرح بها الملك. وأعمال المؤلف، باعتبارها أعمالا ملتزمة، تشير إلى
ذلك وتريد منا أن نتبين حقائق مرتبطة بأنظمة الحكم الفاسدة.
والمسرحيات العربية والعالمية التي من هذا
القبيل قد تشير إلى ذلك وتريد منا أن نتبين حقائق مرتبطة بنظام عالمي فاسد يرفض
صياغة الآراء…
هذه كلها افتراضات، وبإمكاننا أن نورد عددا لا
متناهيا منها، استنتجناها من خلال عبارة تلفظت بها إحدى شخصيات المسرحية. وهذا ما
قصده "منقونو" بسلم الافتراضات المتحققة.
يختلف صياغة المؤلف للخطاب المسرحي من مسرحية
لأخرى وهذا باختلاف الظروف والأحوال التي حفّت بتأليف المسرحية، وهي ظروف تؤهل
المؤلف إلى استغلال ما توفره له اللغة من تعابير وصيغ… وما توفره له
عبقريته في صياغة خطابه مع مراعاة اللغة من جهة والمعطيات الاجتماعية والسياسية
والثقافية من جهة أخرى. ومن تقاليد المسرح والأدب عموما الميل إلى استعمال التلميح
في صياغة الخطابات.
وسنتحدث في هذا السياق عن الكيفية التي تتجلى
فيها قوانين الخطاب في المسرحية، علما أن ذلك قد يكون على مستوى خطاب المؤلف في
المقاطع التي يعمل فيها على شرح وعرض وضعية نفسية أو موضوعية معينة، كأن يصف مكانا،
أو في تقنيات التناجي، وقد يكون باستعمال بعض الحيل أثناء حديث الشخصيات مثل:
-ظهور شخصيات لا علم لها بما يحدث، فتعمل على
طرح الأسئلة لإثراء رصيدها المعرفي، فتكون الإجابة موجهة أساسا نحو المتلقي
الخارجي باعتباره المستفيد الأول والأخير من خطاب المؤلف في المسرحية.
-الاستفادة إلى حد بعيد بمحتوى الافتراضات
المسبقة من أخبار عن أحوال الشخصيات وأحوال المجتمع كما يتصورها المؤلف، مثال ذلك:
قول الوزير:
تقلقهم بعض مظاهر التراخي ويخشون أن تستفحل
فتنقلب خطرا على مولاي (المشهد الأول).
هذا يجعلنا
نفترض مايلي:
المملكة في
مرحلة من عمرها أصبحت تعاني من ضعف الملك وحاشيته بسبب الترف والتراخي اللذين
يميزان المجتمعات التي ستؤول إلى الانحطاط والضعف. لكن بعض الأعيان أدركوا هذه
السنة الكونية وهم يخشون على مكانتهم في المملكة. فهناك بالتالي خطر كبير يهدد
المملكة، على الملك تداركه قبل أن يسوء مصيره، لأنه يشكل رأس هرم الحكم، فإن هلاكه
يعني هلاك من حوله.
التاريخ السياسي والاجتماعي للحضارات والشعوب
والدول كان لنا عونا في فهم محتويات هذا الخطاب، فقد وفرَّ لنا معلومات عن نشأة
تلك الدول وعوامل قوتها وضعفها وزوالها*.
فهو يعلمنا أن الحكم لدى بعض الحكام عبر
التاريخ يعتبر "لعبة". فجميع أجهزة الحكم تشكل لعبة في يد الحاكم،
يتلاعب بها كما يريد، فيسخرها لصالحه أحيانا، ويسيء لنفسه بها أحيانا أخرى. وجوهر
هذه اللعبة يكمن في أن العامة أو الرعية تشكل السواد الأعظم، الذي هو الأصل
والمصدر الحقيقي للحكم، لكنها تصير لعبة في يد من هب ودب، يقضي بها وقته ويرفه بها
عن نفسه ويشبع بها ميوله ونزواته.
هذا ما يقصده "عبيد" بلفظة اللعبة،
وقد جاء الملك الحقيقي ليؤكد ما ذهب إليه "عبيد". يقول الوزير
"بربير":
أنا الوزير بربير
الخطير، أتمنى أن أظل إلى جانب الملك، أسعفه بتدبيري وأوجه الأحكام وسياسة البلاد
بمشورتي.
وهو فعلا وزير خطير لأنه تمكن رغم كل ما حدث،
من المحافظة على لقبه ومنصبه الذي هو أساس الحكم في مثل هذه الأنظمة، ولنقل في
جميع الأنظمة، لأن الرئيس أو الملك…لا يمكن له أن يقوم بأي شيء دون مشورة غيره من وزراء
ومستشارين.
فقد كان يخشى أن تضيع منه وزارته، وكان يقول
للملك:
أما أنا فدعني اعترف
حين أخلع ردائي، أشعر بنوع من الرخاوة تدب في بدني. ولكن هذه هي الحقيقة. تخور
ساقاي أو تصبح الأرض أقل صلابة (المشهد الأول).
ويشكل
"الرداء" رمزا لمنصبه كوزير مهدد في حالة تنكره. وقد قصد "بصلابة
الأرض" صلابة الحكم.
وفهم الملك هذا المقصود حينما أجابه:
الملك: أعتقد أنك لن تعيش إلى غدك لو ضاعت منك
الوزراة…(نفس المشهد).
وكذلك في
قول الوزير:
ماذا يحس مولاي حين ينزلق هذا الرداء المهيب من
كتفيه…؟
ولكن الملك
لم يولِ أية عناية لمثل هذه الأمور. وذلك حقا ما حصل، إذ أن "الرداء
المهيب" قد انتزع من كتفيه، ولم يتمكن ثانية من ارتدائه.
كان الوزير يتلذذ لأي سلوك بطش يصدر من الملك
تجاه رعيته.
وفي هذه "اللعبة" ينتحي الشهبندر
والشيخ ركنا قصيا متابعين عبثهما بالدمى…، وهو رمز إلى
قوة ذوي رؤوس الأموال من أغنياء التجار ورجال الدين الموالين للسلطة، التي
تساهم بصفة خاصة على بقاء الحكم على شدته وتسلطه. فبفضلهما، يمكن للحاكم أن يسيطر
على رعيته، فيسنّ أحكاما وقوانين تعمل على إغناء التجار وإفقار العامة، ولكي لا
تثور هذه الرعية يتدخل الشيخ طه لتخديرها. فالعامة والحكم معا بالنسبة لهذين
الرجلين هما بمثابة دمى يتحكمان فيها ويسير أنها كما يشاءان.
الشيخ طه:خيط يمسك
العامة.
الشهبندر:وخيط يمسك
أسباب الرزق والتجارة.
الشيخ طه والشهبندر :
وخيط يمسك القصر والملك والسياسة، نحن نمسك الخيوط، من المحراب ومن السوق، وسنظل
نمسك الخيوط.
أما مصير العامة فستظل
دوما على ما هو عليه، إن في هذه الحكاية التي يرويها المؤلف أو في واقع مثل هذه
المجتمعات.
زاهد: سنبقى منزويين في هذه الحكاية، كما هو حالنا في الحياة(المدخل).
رغم بعض الإشارات التي
تدل على عكس ذلك.
زاهد: إنها ليست بعيدة
على كل حال…
ـ تروي كتب التاريخ عن جماعة
ـ ضاق سوادها بالظلم والجور والشقاء
- فاشتعل غضبها
- وذبحت ملكها
- ثمّ أكلته
- في البداية شعروا بالمغص
- وبعضهم تقيأ
- لكن بعد فترة صحت جسومهم، وتساوى الناس وراقت الحياة ولم يبق تنكر ولا
متنكرون (الخاتمة).
أما الضمان
على بقاء تلك الأنظمة الجائرة فهو في ما يقوله "عرقوب":
استقرت أخيرا بلادنا الميمونة على الحكمة القديمة المأمونة: "المسموح
على قدر الممنوع".
وقد وافقه السياف على
ذلك، إلا أنه لم يوافقه في بعض الأحكام:
عرقوب: أن يتحول
الخيال إلى واقع.
السياف: ممنوع.
عرقوب: أن يتحول الوهم
إلى شغب.
السياف: ممنوع.
فقد
الأوضاع قد تغيرت عليه (السياف)، فقد أسند الملك وظيفة السياف لنفسه، ولم تعد لديه
وظيفة، لأنه يدرك أن "العضو الذي يفقد وظيفته مآله الضمور"، وهو قانون
من قوانين الطبيعة. يمكن القول انطلاقا مما سبق أن "سعد الله ونوس" قد
تعمد استعمال الرمز والإيحاء في مسرحيته، بصياغتها على شكل افتراضات مسبقة وأقوال
مضمرة نظرا لما حوته من ثراء في المعلومات الإخبارية دون الحاجة إلى التصريح، وإن
كان هذا الأخير بينا في مواقف كثيرة.
ونود أن نشير بصدد هذا
الحديث إلى البعد الرمزي والمجازي في هذه المسرحية. إنه من اليسير، انطلاقا من هذه
الظواهر البلاغية-التبليغية إدراك الافتراضات المسبقة ومعرفتها. فالمسرحية كلها
تزخر بهذه الظواهر اللغوية من استعارة وتشبيه وكناية…
ويحضرنا هنا ما قاله
"عبد القاهر الجرجاني" في أثر هذه الصور البلاغية على إفهام المستمعين: »قد أجمع الجميع على أن الكناية
أبلغ من الإفصاح والتعريض أوقع من التصريح، وأن للاستعارة مزية وفضلا، وأن المجاز
أبدا أبلغ من الحقيقة. ألا إن ذلك وإن كان معلوما على الجملة فإنه لا تطمئن نفس
العاقل في كل ما يطلب العلم به حتى يبلغ فيه غايته«…(6).
وما إيرادنا لهذا
القول لـ"عبد القاهر الجرجاني" إلا لنبين أثر هذه الظواهر اللغوية
التبليغية وتأثيرها في نفس السامع أو القارئ. والحال كذلك في هذه المسرحية التي
طغت عليها تلك الظواهر، الشيء الذي جعل الافتراضات المسبقة تبدو جلية وواضحة لنا،
وقد أشرنا إلى بعضها في المسرحية مثل: الرداء، الخيوط، الدمى… ولا داعي للإطالة فيها لكي لا نخرج عن موضوعنا.
نشير في الأخير إلى
أننا سنواصل استعراض بعض ما حوته المسرحية من افتراضات مسبقة وأقوال مضمرة،
تساعدنا على الفهم الشامل للمسرحية.
مصطفى: (يمسكه من
قذاله) لا تكشف اللعبة من بدايتها (المشهد الخامس-1-) جاء قول مصطفى هذا حينما لاحظ أن محمودا قد أصابه هلع بسبب رؤيته
"عرقوب" يرتدي رداءه. فيفهم من هذا القول أن هناك حقيقة
"لعبة" ستكون عواقبها وخيمة لأن العرش هو أساس اللعبة.
ولم نكن ندرك أن للملك
زوجة لو لم يدلنا عليها ما قاله "عرقوب" لمحمود.
محمود: والملكة؟
عرقوب: والملكة…مولاتي الملكة بلحمها ودمها كانت تناغيه وتطعمه بيدها….
(المشهد الخامس-4-)
إن
استنتاجات المتكلم (مصطفى) بفعل المعلومات المسبقة الكائنة بحوزته هي التي جعلته
يقول ما قال. كان يعرف أن ذلك ما هو إلا مجرد لعبة، رغم الشكوك التي بدأت تساوره
عند قول محمود ذلك.
بإمكاننا لو وضعنا
أنفسنا مكان الملك أن نستنتج ما يلي:
من الخطأ أن يكون
"أبو عزة" المغفل ملكا (حقيقيا) لأنني أنا الذي وضعته في هذا المكان
لتكون اللعبة أكثر شراسة ومرحا، وبالتالي جاء قول الوزير باطلا وفي غير محله، إن
هذا الذي قصده محمود بالملك ما هو إلا صاحبنا الفاشل والمغفل "أبو عزة".
ولكن لماذا قال محمود ذلك؟ (وهذا ما يفسر انتفاضته).
وقد أدرك محمود تلك
الشكوك التي كانت تساور الملك.
محمود: حقا هذه هي
اللحظة، الشكوك كان تساور مولاي هذا الصباح ولن يصعب إزاحة وزير لم يقتنع أنه
الوزير، أما مولاي فسيظل مولاي… (المشهد الخامس-4-)
إنه مقتنع
بأن وزارته لن تطير من بين يديه، ومقتنع أيضا بأن عدم الاقتناع بالمنصب سيؤدي
بصاحبه إلى اقتلاعه منه (منصب الملك أو الوزير) كما هو الحال بالنسبة
لـ"عرقوب" وكذا الملك الحقيقي.
وكان يقصد أن ثبوته
هذا بجانب الملك هو ثبوت أمام الملك القادر على الحفاظ على عرشه مهما كلفه ذلك،
ومثل هذا الملك يجيد استعمال جميع ما يملك ليمسك بزمام الأمور ولو استعان بأغنياء
المملكة وبرجال دينها.
وقد نتحدث في هذا
المقام عن خرق أحد قوانين الخطاب وهو قانون المشاركة إذ أن الوزير كان يقول للملك أشياء
بقصد الوقوف على استنتاجات غير تلك التي لدى الملك، فحينما كان يقول: أما مولاي
فسيظل مولاي، فإنه كان يقصد "أبا عزة"، وأنه لن يكون وزيرا
له، وهو غير الاستنتاج الذي قد يصل إليه مصطفى إذا نظرنا إلى ذلك من خلال السياق.
فهو سيفهم أن محمودا (الوزير) سيظل دوما وفيا له.
إن هذا الخرق لقانون
المشاركة جاء متعمدا لم يرد الكشف عن نواياه، وهذا ما يفسر استخدام استراتيجيات
الأقوال المضمرة.
ب: مسرحية "أهل
الكهف":
هي مسرحية
جرت أحداثها في نقطة ثابتة من التاريخ وفي مكان محدد من المعمورة. وقد تناولتها الكتب
السماوية حيث جاءت في القرآن الكريم تسمية سورة بأكملها باسم تلك الحادثة. ويمكن
لنا أن نصرح، قبل أن نشرع في دراسة مختلف الافتراضات المسبقة التي احتواها بعض
خطاب شخصيات المسرحية، بأنه إذا كانت مسرحية "الملك هو الملك" تحتوي
افتراضا مسبقا يشير إلى طبيعة الصراع السياسي في المجتمعات التي لا يشكل فيها
الشعب مصدر السلطة وشرعيتها، فإن الافتراض المسبق في مسرحية "أهل الكهف"
ينم عن العلاقة الأبدية للإنسان بعامل الزمن. إذ أن الفتية الثلاثة، وإن لم يغيّر
الزمن من إدراكهم لذواتهم، إذ ظنّوا أنّهم ما لبثوا في الكهف إلا بضع ساعات أو
يزيد، إلا أن الزمن كان قد ساهم في إدراكهم للغير وإدراك الغير لهم وذلك حينما
اكتشفوا أنهم يتحدثون مع أشخاص يشكلون أحفاد أحفاد الأشخاص الذين عاشوا في عصرهم،
فقد اكتشف الراعي "يمليخا" أنه لا أثر لغنمه في المدينة، واكتشف
"مرنوش" بعد بحث طويل وعناء في السؤال أن زوجته وابنه قد توفيا منذ
قرون، وأن ابنه كان قد توفي في سن الستين، بعدما كان بطلا من أبطال الأمة في
محاربته للأعداء أثناء الغزوات، وحتى قبره لا يكاد يرى إذ فعلت فيه السنون ما
فعلت. و"ميشلينا" الذي ظن، مكذبا لصديقيه، أن "بريسكا" لا
زالت حية، اكتشف أن "بريسكا" التي تحدث معها ما هي إلا ابنة ملك حكم
المنطقة ثلاثة قرون بعد وفاة "دقيانوس".
نلاحظ من ناحية أخرى،
وهذا ما أراد "توفيق الحكيم" الوصول إليه، أن الزمن لا يمكن له أن يغير
من الأحاسيس النبيلة للإنسان، حيث لبث "ميشلينا" على حب
"بريسكا" كل تلك القرون، رغم اكتشافه بعد حوار طويل، جرى بينه وبين
"بريسكا" ابنة الملك الحديث، ملؤه الإلحاح والتعنت والإصرار على
اعتبارها حبيبته "بريسكا" ابنة "دقيانوس".
كانت كل الافتراضات
المسبقة لـ"بريسكا" الحديثة تشير إلى أن "ميشلينا" يتحدث مع
شخص غير ذلك الموجود في ذهنه، فقد دعم خطابها ذلك بمعطيات تاريخية علّها ستقنعه
بما قالته، ولكن "ميشلينا" كان مصرا على إلحاحه.
بريسكا: فهمت إني لست "بريسكا" التي تقصدها، يا إلهي كل هذا الذي
قلت لم يكن لي إذن، بل للأخرى(7).
بريسكا: إن
"بريسكا" ابنة "دقيانوس"، خطيبتك التي تهواها ماتت منذ ثلاثمائـة
عام(8).
بريسكا: ألم يخبرك أحد
بقصة العراف الذي جاءوا به ساعة ميلادي لينظر طالعي.
ميشلينا: (كمن يتذكر):
العراف؟
بريسكا: لقد تنبأ بأني
حينما أكبر سأشبه القديسة "بريسكا" ابنة "دقيانوس"، ولهذا
دعوني باسم بريسكا(9).
وتختلط عليه الأمور من
جراء ما جرى بينهما من حوار. فنجده يقول:
بريسكا عزيزتي، تعالي…أنت هي…رباه أنت لستِ
إياها…لست إياها…ومن تكونين إذن؟ أنت؟ أ نائم أنا؟ أحي أنا؟ أ أكون في حلم مضطرب مختلط.
إلهي؟ إلهي؟ أيها المسيح. أيها الإله، أعطني عقلي أرى به، أعطني النور أو أعطني
الموت. اليقظة. النوم. العقل. العقل "مرنوش" أين أنت يا
"مرنوش"؟ أين نحن؟ أين نحن الآن؟ أحلام الكهف؟ أهي أحلام الكهف؟ أ أنا
في الحقيقة؟ أ أنا في الكهف؟ ما هذه الأعمدة؟…إليّ يا "مرنوش" يا "يمليخا"… إنا لا نصلح للحياة…إنا لا نصلح للزمن…ليست لنا عقول لا نصح للحياة…(10).
إن الشيء الوحيد الذي
لم يفعل فيه الزمن فعلته هو إحساسه نحو "بريسكا" ونحو صاحبيه الذين قضى
معهما أكثر من ثلاثة قرون دون أن يشعروا بذلك.
ولم يؤثر طول الزمن في
حب "بريسكا" لـ"ميشلينا"، ويتجلى ذلك حسب ما ذهبت إليه
"بريسكا" انطلاقا من قول العراف بأنه سيكون لـ"بريسكا" نفس
مصير الفتيان الثلاثة، أي دفنها معهم في الكهف وهي حية، وقد دفق ذلك في قلبها نبعا
من الحب تجاهه مثل ذلك الذي كان لـ"بريسكا" ابنة "دقيانوس"
نحوه، وهذا ما يفسر ويؤكد قول العراف، بمعنى إن الزمن سيقتل كل ما في الإنسان من
جسد وعقل، ولكن الشيء الذي لا يقدر عليه هو الحب:
بريسكا: بل عش، عش لي،
لا تمت أني أحبك.
ميشلينا: الز…من.
بريسكا: الزمن؟ لاشيء
يفصلني عنك. إنّ القلب أقوى من الزّمن.
مشلينا: أحلم…آخر…سعيد.
بريسكا: بل حقيقة…حقيقة خالدة يا ميشلينا…أنا بريسكا، وليس يهمني بعد أن أكون إياها أو لا أكون، بل من يدري؟ لعلي هي،
إن الشبه بيننا ليس مصادفة.. ومقابلتنا ليست مصادفة كذلك…مقابلتنا في هذا الجيل…إنك بعثت لي، وبعثت أنا لك، بعثا من نوع آخر، قم واحي وعش…
مشلينا: (يجاهد) نعم
لست أريد…لست أريد الموت…رباه ! أنقذني ها هي ذي السعادة، ها قد قهرنا الزمن…القلب قهر… (تخونه قواه).
بريسكا: (وهي ترفع
رأسه بين ذراعيها) نعم…. نعم القلب قهر الزمن، إني منذ حادثتك أول مرة، كأني
أحبك منذ ثلاثمائة عام…(11).
وقد أراد "توفيق
الحكيم" من خلال خطاب شخصياته أن يثبت حقيقة وهي أن عاطفة الحب هي عاطفة
مقدسة بنفس درجة التقديس الذي يستمد مصدره من الوحي. وهذه العاطفة هي التي جعلت من
"بريسكا" ابنة "دقيانوس" قديسة. والأمر نفسه بالنسبة
لـ"بريسكا" ابنة الملك المسيحي. فالأولى أفنت حياتها في حب
"ميشلينا" ورفضها الزواج من أي شخص آخر ولا حتى أن تحب شخصا آخر. فقد
ماتت دون زواج كإشارة لوفائها لـ"ميشلينا". والثانية اختارت أن تدفن حية
في القبر لتظل بقية حياتها إلى جانبه حتى تعوض تلك الأيام والسنين التي حرمت منها
الأولى. وهو، في نظر "توفيق الحكيم" القداسة بعينها فقداسة المسيح (عليه
السلام) –في نظر المسيحيين- تكمن في تحمله
لذنوب البشرية جمعاء. وهذه القداسة عينها توازي بل تساوي قداسة احترام العاطفة
الإنسانية النبيلة، بل والموت من أجل أن تعيش.
ويعد الحوار الأخير
بينها وبين معلمها "غالياس"، وقد أوردناه منذ البداية، أحسن ما يعكس هذا
الافتراض السالف ذكره، فقد رفضت "بريسكا" أن يقال عنها إنها قديسة ويخلد
اسمها تحت هذا النعت. أراد "توفيق الحكيم"، من خلال خطاب
"بريسكا"، أن تكون عاطفة الحب أقدس من العاطفة الدينية، لأن القداسة في
نظر الناس هي تلك التي تستمد مصدرها من الوحي الديني. وهذا ما يطرح أخيرا على بساط
المناقشة قيمة الذات الإنسانية وعلاقتها بالدين.
جـ: "حلاق
بغداد"(12)
ألفت هذه المسرحية على
نمط القصص الشعبي، وهي بالتالي تعالج قضايا اجتماعية وأخلاقية تتعلق بعمق المجتمع
العربي بكل ما ينطوي عليه من خصوصيات. والحكايتان يدور موضوعهما حول ما تعانيه
المرأة في مجتمع طغت عليه سلطة الرجل وشملت جميع شؤون الحياة. أما الحكاية الأولى فالحديث
فيها يدور حول علاقة الرجل بالمرأة وما يتخلل هذه العلاقة من عراقيل، والحديث في
الحكاية الثانية يدور حول علاقة المرأة بالإدارة. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى حوى
خطاب المسرحية افتراضات مسبقة أخرى أهمها ما للفضول من اثر على العلاقات بين
الأشخاص. إذ أنه سلوك غير محبذ في المجتمع، رغم كون صاحبه تسبب في إنقاذ شخصين
وتزويجهما إلا أنه وكنتيجة لذلك انتزع منه القاضي رخصة الحمّال بعد أن انتزع منه
رخصة الحلاق قبل ذلك. وبما أن الحكايتين ترويان قصة فضولي فإن هذا الأخير يعتمد في
ذلك على ما توفره اللغة وظروف الخطاب من أقوال مضمرة وافتراضات مسبقة ليصل إلى
غايته وهي معرفة كل شيء عن الناس. وهذا ما قد ظفرنا به في هذه المسرحية التي يعتمد
فيها أبو الفضول على حيله الكلامية التي يفك بها الرموز التي احتوتها خطابات
الآخرين. وقد أدرك أن أحسن وسيلة كلامية إخبارية هو التلاعب بالافتراضات المسبقة.
فقد كانت حيله ذكية إلى درجة حملت الطرف الآخر على إخباره عن كل ما في خلده. وقد
ساعدته قوته في الملاحظة على الوصول إلى مآربه. إذ نجده يقول حينما دخل إلى بيت
"يوسف" وهو يحمل بقجة "شفيقة":
أبو الفضول: اسأل عن
عرس. الله ! غريبة؟!
كان يعلم عند حمله
لبقجة "شفيقة" أن هناك شيئا ولكن استنتاجاته لم توصله إلى نتيجة منطقية
لأنه تنقصه عناصر كثيرة. وقد تخفى وراء أجر للبقجة إذ أنه لم يكن راضيًا عن هذا
الأجر، لأن البقجة ثقيلة حسب زعمه، وفي الوقت نفسه لم يرغب في أخذ الأجر ذاته لأنه
كان يعرف أن هناك أمر معينا وعليه يجعل "شفيقة" تدفع أكثر من اللازم.
يوسف: وكل غريبة
صادفتها…وكل حادث وقع
لك… ما الذي استرعى انتباهك هنا في بيتي؟
أبو الفضول: (لا يزال
حذرا) انتباهي؟
شفيقة: لا تتكلم ! لا تجب !
أبو الفضول: انتظري يا
ست ! السيد يحدثني…لا تقطعي رزقي ! الذي أثار انتباهي أن البيت ليس فيه زينات ولا شبل وحط. البيت نظيف نعم… ولكن في الأمر شيء.
أبو الفضول: أنت في مأزق يا سيدي.
ثمّ يحاول
أن يذهب أبعد من ذلك في حمل "يوسف" على الإقرار بالحقيقة، وما كان
لـ"يوسف" إلا أن يتصرف بطريقة تؤكد ما ذهب إليه "أبو الفضول".
حينما همَّ "يوسف" على أذيته قالت شفيقة:
دعه يا "يوسف". في يوم عرسك.
وقد اطمئن
"أبو الفضول" لأنه استطاع أن يقتطع منهما جزءا من الحقيقة فعليه أن
يتحايل أكثر ليعرف كل شيء:
عرس: هاهه يا سيدي…أنا لم أتجنَّ…هنا عرس.
وبما أن الجميع
قد أقرّوا هذه الحقيقة، فسوف يسيرون في حديثهم إلى أبعد من هذه النقطة، وهو ما
أراده "أبو الفضول":
يوسف: (قد تمكّن منه
تماما) ستخرج من هنا إلى السوق..هه؟ يسألك زملاؤك أين كنت…كنت أحمل ثياب العروس…من هي العروس؟ آه. هما في مأزق…ما هو؟ من العريس؟ ما شكله؟ عنوان بيته؟ الجارية قادمة من حي دجلة إلى ما
وراء المسجد… من بيت من؟ ومن هنا لهنا بغداد كلها تلوك حكايتي. لن
تخرج من هنا حيا…
أدرك
"يوسف" ما يدور في ذهن "أبو الفضول" من استنتاجات، نتيجة
لمعرفته بطريقة التفكير في المجتمع.
ورغم الورطة التي تورط
فيها "أبو الفضول"، فإنه ما زال يطرح الأسئلة ليعرف أكثر عن
"يوسف":
شفيقة: احبسه يا يوسف
وسافر أنت…لا تحمل هما.
أبو الفضول: (يقفز)
ستسافر؟ !
ولكن "أبو
الفضول" في هذه الوضعية الخطابية ليس له الحق في طرح الأسئلة لأنه لن يتحصل
على إجابة من جهة، وهو موجود تحت رحمة "يوسف" من جهة أخرى.
فكان "أبو
الفضول" يستغل الافتراضات المسبقة لـ"شفيقة" للمعرفة أكثر وللخروج
من ورطته. وهذا ما فعله حينما قالت لـ"يوسف":
أرسل لك حلاقا يا يوسف.
فقد استغل
هذه الفرصة واقترح على "يوسف" أن يحلق له رأسه وذقنه وقد نجح في ذلك.
ويتقدم "أبو الفضول" قليلا قليلا في استنتاجه حينما دخل إلى غرفة
"يوسف" ليحمل "فوطة"، فرأى ما رأى، وقال في نفسه:
أبو الفضول:….الفراش فراش غرام، والملابس
متستفة في الخزانة وصندوق الأمتعة فارغ كقلب الخلى. والله ولا سفر ولا غيره هنا يا
أبا الفضول سترى بعينيك وتسمع بأذنيك كل شيء، إن لم يكن زواجا سريا فهو وصال
عاشقين سُخنين جدا، ورطة فظيعة وقع فيها الولد.
يكون
"أبو الفضول" هكذا قد عدل من العديد من استنتاجاته، فهو يدرك أنه لا سفر
هناك، وقد لا يكون زواج سري إنما وصال عاشقين سُخنين. وقد تأكد فعلا أن الولد في
ورطة حقا.
ومن بين الحيل
الذكية التي يعتمدها "أبو الفضول" في الحصول على معلومات استخدام
الاحتجاج. فحينما كان يحلق شارب "يوسف" قال له:
أبو
الفضول: الأمر يعتمد على المناسبة يا سيد، هذا سؤال لزوم أحكام الصنعة. آه… فالحلاقة فن. إن كنت ذاهبا لملاقاة أمير أو وزير أو كنت على موعد
مع غانية سمينة لعوب أو كنت مقبل على جلسة تجار لتعقد صفقة…أنفش لك
شاربك، أما أن كنت على موعد مع صبية رقيقة..أخففه لك.
ولكنه لم
ينجح في ذلك لأن "يوسف" كان قد أدرك هذه الحيلة، فلجأ إلى إسداء النصيحة
لعله سيصل إلى معرفة شيء جديد.
عين
الحكمة، فتى في مطلع العمر، لكن الله يكملك بعقلك يا سي يوسف.
ولكنه لم
يفلح أيضا في ذلك.
وعندما رفض
"يوسف" إخباره، التجأ إلى ما قاله الناس في السوق أثناء تجوله فيها حيث
عرف قصة "يوسف" من أولها لآخرها، وقد اخترع لـ"يوسف" قصة
خيالية لعشيقين اكتشفهما الوزير في البستان وقتلهما، ولكن "أبا الفضول"
لم يدرك بعد ماذا يريد أن يفعل "يوسف"، ولذلك اخترع هذه الحكاية.
وقد كان
يستغل المواقف الحرجة للحصول على المعلومات، إذ بعد أن هم "يوسف"
بإيذائه، أخرج له من جعبته قصة اختطاف "يوسف" لفتاة من بيت القاضي. وقد
كان يعترف أن غرضه الوحيد في ذلك هو إشفاء غليله:
أبو
الفضول: (مذعور بحق والموسى على عنقه) شيء في قلبي يأكلني حتى أعرف. لا أهدأ حتى
أعرف.
وعند دخول
القاضي والوزير والخليفة عندما سمعا صراخا في ذلك البيت، سأل الخليفة الوزير عما
جرى فكشف الوزير عن القصة، إلا أن الشيء الذي لم يتمكن "أبو الفضول" من
اكتشافه هو رغبة "يوسف" في الانتحار هو وعشيقته، وقد أذهله ذلك لأنه كان
قد اكتشف أنه سرق الماء المسموم الموجود في الإبريق وعوضه بماء زلال مصبوغ بصبغة
شعر.
بعد
استعراضنا لطبيعة متضمنات القول في النصوص المسرحية الثلاثة، يمكن القول إن بناء
الخطاب المسرحي (بالنسبة للمؤلف) وتأويله (بالنسبة للقارئ-الجمهور) يتوقف على
النقاط التالية:
-الملكة
اللغوية التي تساعد المؤلف على صياغة الافتراضات المسبقة، وقدرة القارئ على
استنباطها.
-أن تتوفر
لدى القارئ المرجعية الثقافية للعمل المسرحي.
4-2- أثر
الاحتجاج في الخطاب المسرحي:
سنحاول في
هذا الإطار أن ندرس الأسلوب أو الأساليب الذي يتجلى فيها الاحتجاج في الخطاب
المسرحي وهو ما يدعم الإطار التلميحي للخطاب المسرحي. ونعمل بذلك على توضيح عملية
الاحتجاج في الخطاب العادي من خلال خطاب الشخصيات المسرحية: لأن المؤلف المسرحي في
هذا السياق، يصعب عليه أن يذهب بعيدا، في صياغته لأسلوب احتجاج شخصياته، عن أسلوبه
هو في الاحتجاج. زد على ذلك، أن الغاية من احتجاجه هي حمل القارئ-الجمهور على
الاقتناع بأفكاره ومقولاته. وسنضيف إلى ذلك، إشارات إلى أساليب الشرح في المسرح
باعتبار الشرح يشكل-كما أشرنا سابقا-نمطا من الاحتجاج.
حينما تكون
الحضارتان متباعدتين، وطرق التفكير فيهما مختلفة، يبدو الاحتجاج أكثر تعقيدا، لأن
الاستنتاج يقوم على معطيات ومقدمات ثابتة زمنيا ومكانيا، ومجرد تغيير العنصرين
يحدث هشاشة في الاحتجاجات، وتضحى العملية التبليغية، انطلاقا من ذلك، مشوشة، الأمر
الذي يثير سوء التفاهم بين المتخاطبين، حتى وإن تظاهر بعضهم بفهمه لاحتجاجات
الآخر. وهو ما حدث للفتية الثلاثة في "أهل الكهف". لقد وجد
"مرنوش" و"يمليخا" و"مشلينا" صعوبات جمة في إقامة
علاقات تبليغية سوية مع أصحاب مدينة "طرطوس"، بسبب اختلاف منطلقاتهم في
الاحتجاج نتيجة اختلاف مرجعياتهم. كان هؤلاء يدركون أن الفتية الثلاثة هم الذين
ذكرهم الناس منذ ثلاثة قرون. فهم يمثلون، في أعينهم، رجالا قديسين، فكانت
مخطاباتهم لهم قائمة على هذا الأساس.
غالياس:
الم أحدثك يا مولاتي فيما حدثتك عن تاريخ عصر الشهداء أن فتية من أشراف الروم هربوا
بدينهم من دقيانوس، ولم يظهروا، ولم يعلم عنهم شيئا، وقد لبث معاصروهم ينتظرون
أوبتهم وينشئون عنهم الأساطير مؤكدين عودتهم؟…. ولقد قرأت كتبا قديمة تتنبأ بيوم يظهرون…
الملك:
أتؤمن إذن بهذا يا غالياس؟
غالياس:
(في حماسة وفرح) كل الإيمان يا مولاي، نعم الآن لا ريب عندي في أنهم هم. ولقد
أظهرهم الله في عصرك السعيد يا مولاي لأنك مسيحي مؤمن بإله واحد ولأن عصرك عصر
المسيحية الزاهرة(13)
إنهم شديدو
الاعتقاد بأن هؤلاء الفتية جاءوا من عصر آخر وإن ظهورهم ذلك جاء على سبيل إثبات
المعجزة الإلهية ليكون الناس أكثر إيمانا بالله وبالمسيح. فقد جاء اعتقادهم ذلك
مصوغا على ما يلي: في العهود الأولى من المسيحية، كان هناك ملك
"دقيانوس" ناقم على هذا الدين فأقام مذابح للمسيحيين، فكان من بينهم
قريبين له، حيث هربوا بدينهم ومعهم راعي وكلبه "قمطير". واختفوا من ذلك
الوقت، والناس من بعدهم كانوا ينتظرون رجوعهم، ولكنهم سيظهرون في عصر نسيهم الناس،
وكنتيجة لذلك سيظهرون في عصر الملك المسيح. وبالتالي فإن خطابات الملك
و"غالياس" وباقي الناس، جاءت مصاغة بالمعطيات السابقة الذكر. الأمر الذي
لم يقتنع به الفتية الثلاثة، إذ اعتقدوا أن ثبوتهم في الكهف لم يدم طويلا:
]قال قائل
منهم كم لبثتم` قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم` [(14).
ميشلينا:
أنا كذلك-لو تعلم-ضيق صدري مثلك، مرنوش كم لبثنا هاهنا؟
مرنوش:
يوما أو بعض يوم.
مشلينا: من
أدراك؟
مرنوش: وهل
ننام أكثر من هذا القدر؟
مشلينا:
صدقت…
فسؤال
مرنوش: "وهل ننام أكثر من هذا القدر"، هو ذو قيمة احتجاجية. فقد أثار في
عقل "مرنوش" استنتاجات جعلته يقتنع بمضمون السؤال: إن طبيعة الإنسان لا
تسمح له أن ينام أكثر من يوم أو بعض يوم، وبالتالي لا يمكن لهم أن يناموا أكثر من
هذه المدة. وقد تحدث "ديكرو" في هذا السياق عن »الجانب
الاحتجاجي الداخلي للسؤال«(15). إن "مرنوش" الذي اقتنع بعدم قدرة الإنسان على
النوم أكثر من يوم، استطاع أن يقنع مشلينا بصحة هذا الاعتقاد.
مرنوش:
ويحك إلى أين؟
مشلينا: أو
تريدني على المبيت هنا ليلة أخرى؟
مرنوش: ليليتين
أو ثلاثا، حتى نأمن على حياتنا من دقيانوس…(16)
نلاحظ أن
سلوك مشلينا جاء مطابقا لاعتقاد مرنوش الذي صاغ احتجاجه على شكل استفهام يراد منه
النفي، أي نفي الاحتجاج الوارد في سؤال مشلينا. وعند دخول الفتية إلى الملك
المسيحي، لم يكد أحدهم يفهم احتجاجات ومقاصد الآخر، خاصة الفتية الذين لم يفهموا
ماذا يحدث لهم، وفي أي زمان أو مكان هم الآن.
الملك:
(يتجلد ويتقدم إليهم، قائلا في صوت متغير بعض الشيء) لقد نزلتم على الرحب أيها
القديسون، إننا قد انتظرناكم طويلا كما انتظركم من قبل أجدادنا وأجداد أجدادنا،
وإنه حقا لشرف عظيم أن…
يمليخا:..انظر
إلى ملابس هذا الملك وهؤلاء الجند، في أي بلد نحن؟ !
الملك:
(يستطرد) نعم أنه لشرف عظيم أن تخصّوني بهذا الفخر وتظهروا في عصري دون عصر أجدادي
المسيحيين.
يمليخا:
(هامسا في دهشة لمرنوش) هذا الملك مسيحي.
مرنوش:
(وهو يسكته) ألم تفهم غير هذه الكلمة؟
الملك:
(للصياد) وأنت أيها الصياد الذي دلنا على مكانهم الكريم… سأكافئك. نعم أيها القديسون إننا كنا ننتظر هذه اللحظة المجيدة،
لحظة ظهوركم منذ أمد طويل كما هو مدون في التاريخ.
مرنوش:
(هامسا وكأنه يخاطب نفسه) هذا الملك مجنون(17).
ينطلق
الملك من خلفيات مرجعية غير تلك التي عند الفتية الثلاثة. وهذا ما جعلهم لا يفهمون
شيئا مما قاله الملك، من جهة، وقد علموا على تكييف احتجاجاتهم، من جهة أخرى ويتجلى
ذلك في قول مرنوش:
مولاي، كم
أحمد الله على هذه المعجزة الحقة، إذ أهلك دقيانوس الظالم في طرفة عين، وأخلفك على
العرش في الحال وكنت أود أن أطنب في شكر الله على توليتكم بين عشية وضحاها-ملكا
على أفئدتنا أجمعين لو لم تكن لي حاجة ملحة لا أستطيع عنها صبرا لحظة واحدة… (الملك يبهت قليلا) أن يأذن لي الملك في الانصراف على الفور، إن
امرأتي وولدي ينتظران أوبتي في قلق منذ أسبوع، وربما أكثر من أسبوع…
ولكن هذه
المحاولة لـ"مرنوش" والتي تبعتها محاولات "ميشلينا"
و"يمليخا" أخلطت الأوراق. فلم يعد الملك يفهم مما يحدث له.
الملك:
(همسا) هؤلاء القديسون مجانين.
غالياس:
(يبهت): مجانين ! اللهم غفرانا ! وأين ذهبوا يا مولاي.
الملك:
ذهبوا…أحدهم إلى بيته.
غالياس:
بيته؟ !
الملك:
هكذا قال ! والثاني إلى غنمه التي
ترعى الكلأ.
غالياس:
والثالث.
الملك:
الثالث راح يحلق (18).
يدرك الملك
أن هؤلاء القديسين جاءوا من عصر آخر، ولكن باعتبارهم قديسين، فمن الضروري أنهم
يدركون وضعيتهم الجديدة هذه، ولكن خطاباتهم تلك لا تشير إلى أي شيء من هذا القبيل.
وهم بالتالي يتصرفون وكأنهم مجانين، وهي النتيجة التي خرج بها الملك من استنتاجه.
ونتيجة
لذلك، انقطعت العملية التبليغية بين طرفي الخطاب. ولكن الأمور بدأت تتضح أكثر
فأكثر بالنسبة لـ"مرنوش" و"يمليخا" أولا، ثمّ
"مشلينا" أخيرا.
كانت
استنتاجاتهما تتحول واعتقاداتهما تتغير بسبب ما اكتشفاه من حقائق: فقد اكتشف
"مرنوش" أن ابنه وزوجته توفيا، وأن ابنه توفي منذ ما يقارب ثلاثة قرون
بعد ما حارب العدو »ومات شهيدا في سن
الستين بعد أن جلب النصر لجيوش الروم«. أما "يمليخا" فقد اكتشف أنه لا أثر لغنمه. كان أول من
اكتشف أنه في عصر غير عصره.
ولكن
مشلينا لم يقتنع بما اقتنع به "مرنوش" و"يمليخا" في اكتشافه
لحقيقة الأمور:
مشلينا:
تريد أن تزعم أنت يا مرنوش ما زعم يمليخا أمس !
مرنوش:
لاشك عندي الآن…
مشلينا:
أيها المسكين ! لقد جننت
مثل يمليخا. هذا كل ما في الأمر.
ثمّ تساور
ميشلينا بعض الشكوك:
مشلينا:
ماذا تريد؟ إما أن كل هذه حقيقة، وإما أن كل هذا خلط وأن ليلة الكهف المخيفة قد
أثرت في عقولنا ! وأغلب ظني أن هذا ليس
حقيقة، فها هي بريسكا موجودة كما فارقتها.
ماذا تقول في
بريسكا يا مرنوش وقد رأيتها مثلي البارحة؟ أعاشت هي كذلك ثلاثمائة عام؟
ولكن
اعتقاده لم يدم طويلا، فقد انحاز إلى اعتقاد مرنوش بعد حوار طويل جرى بينه وبين
بريسكا، تبين له فيه حقيقة ما ذهب إليه صديقاه.
الهوامش:
1-Anne
Ubersfeld, Lire le théatre, Editions sociales, 1981, p. 267.
2-Ibid, p. 267.
-3 توفيق الحكيم، أهل
الكهف، (ط1؛ بيروت: دار الكتاب اللبناني)، ص. 142.
4-سعد
الله ونوس، الملك هو الملك، (ط؛ بيروت:دار بن رشد للطباعة والنشر).
5-D.Maingeneau,
Pragmatique pour le discours
littéraire, Paris : Bordas, p. 78.
*أشار
بن خلدون إلى هذه الظاهرة، وتحدّث عنها مطوّلا في مقدّمته، وأعاد صياغتها الفيلسوف
مالك بن نبي في كتابه "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" و"شروط
النهضة"، (ط4؛ دمشق: دار الفكر، 1987).
6-الجرجاني (عبد القاهر)، دلائل
الإعجاز، (الجزائر: موفم للنشر، 1991)، ص. 82.
7-توفيق
الحكيم، أهل الكهف،ص.93.
8-نفسها،
ص. 94.
9-نفسها،
ص. 96.
10-نفسها،
والصفحة نفسها.
11-أهل
الكهف، ص. 127.
12-ألفريد
فرج، حلاق بغداد، (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب).
13-أهل
الكهف، ص. 38-39.
14-سورة
الكهف، الآية. 19.
15-O.Ducrot
et Anscombre, L’argumentation dans la langue, Bruxelles, Pierre Mardaga
Editeur,
p. 127.
16-أهل
الكهف، ص ص. 5-6.
17-أهل الكهف، ص. 46.
18-أهل
الكهف، ص ص. 46-47.
|
توطئة:
يحاول المبدع السعيد بوطاجين
تأسيس نمط مستحدث للقصة الجزائرية بعيدا عن المعمارية السردية المتعارف عليها قصد
إحداث طفرة من شأنها أن تخرج النص القصصي الحالي من الرتابة وتكرار الأنماط
المستهلكة.
وهذا الهاجس الذي يسكن
القاص نجده مجسدا في هذه القصة التي لا تحتويها قراءة بقدر ما هي فضاء نصي متشعب
ومشبع لا أزعم أني وجدت مفتاح شرحه وإن كان شرح العمل الأدبي شهادة وفاته في
تصوري.
يبدو عنوان القصة
"ما حدث لي غدا" مستفزا، يحمل لغزا يصعب فكه بدون قراءة القصة كاملة
بتبصر وتركيز، فمنظومة هذا النص متمردة على العملية السردية العادية التي نجدها في
القصة التقليدية المكشوفة وفهم العنوان يستدعى تفكيكه إلى عناصره البسيطة فلفظة
"حدث" توحي في العُرف الصرفي المعهود أن القاص يحكي عن أحداث مرت
عليه وانتهى أمرها
ولكنه اقترن الفعل الماضي "حدث" بظرف زماني يفيد المستقبل
"غدا" فأنتج هذا القران بنية نشازية لكنها عميقة الدلالة حيث أن فعل
الحكي مستمر في القصة لا يخضع لأبعاد الزمن، فهو لا يعترف بحدود الأزمنة وعدم
الاكتراث بها مرده استنساخ الحاضر لنفسه وتعطل عجلة التحول والتغيير فالسكونية حلت
محل الحركية والماضي المظلم الباقي يقود الحاضر إلى حتفه فيكرر نفسه باستمرار دون
وعي أو دراية منتجا السآمة والإملال.
إن القاص من خلال هذا
العنوان لا يستشرف المستقبل بحكم أن هذا الأخير منعدم، فيعود بنا إلى الماضي الذي
يعيش بيننا ماضي التعصب والعصبية حيث الفكر القبلي الضيق والبدع والتخلف والرجعية
علاماته: "في الأسابيع
الماضية ستظل جيوبي
محفوفة بالصدى وأبي لهب.." ص49.
يؤكد القاص من خلال
لعبته الهادفة مع الزمن رغبته في إحداث القطيعة مع ما يجره خلفا، لأنه لم يخلق
ليكرر نفسه والشيء نفسه ينطبق على المجتمع فيحتج رافضا المساومة مفضلا حصر وجوده
في عالم الورقة ومخاطبة الذات: "فقد فكرت في عمل ما لتفادي الانتحار، وانتهى
بي الأمر أن اخترت الإبداع" ص48
لقد تعطل الزمن الخطي
ومعه التحول الإيجابي وأصبح كل تغيير مشروعا مآله الرفض المطلق، وكل رجاء جريمة
عارها لا ينمحي إلا بجرة قلم يرفض الموت في فضاء الورقة العذر "... أصبح وجها
حقيقيا للزمان الجثة.." وبين الذكريات والهذيان الرسمي أرسم صورة لنوح وتحتها
أكتب: متهم لأنك أتيت قبل الأوان" ص49. فالمستقبل غير مرسم بفعل انعدام فعل
الحركة والتحول، فهو صورة طبق الأصل للماضي الذي يأبى الدخول في الشرعية، ماض
مستبد، يبث مفازعه ويرهب العقلية المتفتحة التي تقاوم التحجر والانغلاق
الهدام".. ويجب أن لا تصدوني، فأنا كذاب أفاك لا أصلح لحياة ميتة لأني ملتزم
إنما أفضل ميتة حية ظالمة أو مظلومة." ص 50 والقاص في وسط هذا الحضور الشاذ
للماضي البليد المتعفن يعيش نزيفا رهيبا لتطلعاته المشرْوعة التي جسدها في عالم
النص السوي المقابل للواقع الشاذ المنهار، وفيه أعاد الاعتبار للزمن المألوف
وحركيته وأسقط الزمن المزيف غير الشرعي الذي يمارس سلطانه على الحقيقة المروية
والمسموعة لدى الورى والتي لا ينتمي إليها القاص لأنه خارج دائرة التعميم، فهو خاص
بأحلامه، ووعيه المتجاوز ورؤيته الثاقبة، ولا يجد ما يحمل هاجسه المركزي إلا بكاء
القلم وإبطال مفعول الزمن المزيف الجائر الذي تقمص الماضي البالي، فأغرق الواقع في
فوضى وعبثية تكاد تصبح قانونا وضعيا يتحكم في العلاقات البشرية فيتفرد القاص
بتمرده عليه كي لا يموت ونقصد الموت النفسي والفكري لا الجسدي وإن كان هذا الأخير
أهون لأنه منحصر في الفرد لا الجماعة: "... أتأمل عباد الله وهم يدخنون
ويبتسمون.. ويقولون السلام عليكم، وعليكم السلام كيف حالك؟ أنا بخير والحق أني
أحسدهم لأني لا أعرف إن كنت بخير أم لا.." إنه فعل الاندهاش والانفصام من
واقع مزيف نصبه الناس على أنه الشرعي والموجود.
لغة القصة مشحونة
بدلالات الاغتراب، منشطرة، متمردة على القاموس الصرفي المألوف، تريد اختراق
الممنوع في عالم يتحكم في مصيره المعيارية الثابتة (ماض-حاضر-مستقبل)
(رضيع-طفل-شاب-كهل-شيخ) "تناثرت على مقعد خشبي.. قذفت رجلي.. غفرت ذنب نملة..
وعضت يدي الشمالية (لي عدة أيد فائضة عن الحاجة)" ص47 بات من الواضح أن القاص
غمر نصه الغرائبي بسيل من الألفاظ المروضة بحيث تجسد انشطارية الذات.. ذات منفصمة
مع نفسها ومنفصلة مع الواقع، تعيش لحظات العبث في أقصى درجات الضجر، هذا الأخير لا
يقاوم إلا بالعبث ورفض المنظومة الوجودية التي أوجدته فالضبابية في ملة القاص منفذ
حر للتنفيس عن هلجات "الأنا" المقهورة والمضطهدة ولمجابهة لا معنى
الحياة المسكونة بالنفاق والزيف لا بد من تشويه علني ومفضوح للقيم الزائغة التي
يتعامل معها الأنام، وكأنها مصدر الاستقامة والسمو الروحي وقد وجدنا هذا التشويه
الجريء في لغة القصة الموظفة توظيفا محكما لتعبر عن هذه الذات الممزقة التائهة
التي لم تجد من وسيلة تفريغ مآسيها إلا اللفظة الجريئة غير قابلة للشتات، المحركة
للمعنى والدفع بها إلى أقصى دلالاتها، فقد مارس القاص قمعا لغويا كما مارس الواقع
قمعه الخاص عليه.
إن القصة حقل، يحمل في
طياته علامة الاندهاش التي نجدها عند الطفل الكائن الحي الذي لم يبرح القاص بل
استعان به ليفهم ماذا يجري في بيئته لأنه رمز الصراحة المطلقة ومخيلته هي الوحيدة
القادرة على احتواء الواقع وتفسيره، فالوعي في مثل هذه المواقف عاجز على ذلك
والقاص نموذج لذلك، ولذا تقمص ذات الطفل وفي بعض
الأحيان ذات الإنسان البدائي ليتعامل مع المحيط الذي يحاصره لأنه بدائي أو بالأحرى
قاصر: "بالسبابة رسمت على صفحة الهواء دائرة صغيرة... بإعجاب ودهشة رحت أخربش
وأمحو، إنني لعظيم حقا، في القنينة وضعت صفصافة وقمرا..." ص48
إن الواقع صبياني غير
ناضج، لم يعد للبلوغ فيه من الزمن تعطل، تسيره الأهواء الهابطة والرداءة المكشوفة
القاص أمام خيارين: تصويره بمنظار المصلح وفي هذه الحالة النص غير قابل لممارسة
عليه الشذوذ اللفظي أو وصفه برؤية الطفل التي تبيح لنفسها كل شيء حتى تكسير اللغة
ونفي المألوف عنها إلى درجة الهلوسة: "..وأنا أنوي إصلاحك ردد "أنا"
... وفيها دوار موزون ومقفى."، ".. لأقيس بؤس الأرصفة.. أتلذذ بالنهارات
التي تركلني.." ص49 ".. سلاما على الذين يعرقون من أسنانهم."ص53.
إنها عينة من التشكيلات التعبيرية المكونة للمشاهد القصصية والتي أزاحت النمط
التقليدي لبنية اللفظة والجملة وحلت محلها بنية النص المستفز الذي لا يستقر على
الأشكال التعبيرية المستهلكة فهو ملغوم ومكسو بالغموض الفني وعلى القارئ الصاحي أن
يفجر ألغامه بحذر شديد وإلا شطط وتاه.
3- الجد ومقولة الماضي المشرق
لقد ضمن القاص في منظومة
نصه مقطوعة شعرية نفند ما قد نفهمه ونحن نقرأ القصة قراءة سطحية غير واعية فالقاص
وهو محارب للماضي المنتج لنفسه لا يمانع أن يكون وجهه المشرق لا المظلم منارة
نهتدي بها لنعبر بسلام نحو المستقبل الزاهر الحافل بالابتكار والإبداع وإنتاج
المعرفة، فهو يحلم بأن تكون العلاقة بين الماضي والحاضر سوية وصحية بعيدة عن
التعصب والانطوائية المهلكة فالماضي بشقه المشرق المجسد في أعلامه كالجاحظ، ابن
خلدون، ابن رشد نقطة انطلاق يجب تفعيله وبثه، لأنه حافز للسير نحو المستقبل بثبات
وثقة ولهذا فإن الجد الذي يعترف القاص بانتسابه له هو الجاحظ، ابن خلدون، ابن رشد،
فهو من سلالتهم ولابد من إعمار الذاكرة بتفكيرهم المستنير الذي حافظ على عقلانية الأمة. إن
التواصل بين الماضي التليد والحاضر كفيل بأن نعيد للزمن أبعاده التي غيبها الواقع
الذي يستنسخ ماضيه البالي المظلم
حيث الجمود والبدعة
والهزيمة من سماته الأولى فالقاص يتمنى أن يكون امتدادا فكريا لجده وهذا لا يعني
إعادة ما أنتجه من معرفة وإنما طرحه المنهجي والموضوعي للأشياء مع توخي المنطق
والتأمل: "وكان جدي يقول لي:
يا ولدي..
لا تبك فدموع الصغر
تمضي كالحلم مع
الفجر..
فانظر في قلبك ستراني
لن يقوى القيد على
الفكر.." ص 54
وفي الأخير، فإن الجد
رمز الحكي المستمر والدفء ومصدر الحكمة في العرف الإنساني، يأخذ في نظر القاص
مكانة المتبصر والمؤسس للقيم الحقيقية التي ضيعنا بريقها ولكن ليس إلى الأبد،
فالأمل باق مادام يعيش في صدورنا.
تنوي المجلة تخصيص أعدادها القادمة
للمحاور التالية: 1- العولمة: (المفهوم، الثقافة، الاتصال،
التكنولوجيا، الفلسفة، الأخلاق، العلم، التقاليد). 2- فلسفة التاريخ. 3- تجربة الصحافة الجزائرية. 4- الأدب الجزائري المعاصر. 5- الإشكالية اللغوية في الجزائر والعالم
العربي. 6- الخصوصيات الاجتماعية والنفسية للمجتمع
الجزائري. 7- شخصيات تاريخية في الفكر والأدب. فعلى
الزملاء الأساتذة والباحثين الراغبين في المشاركة بعث إسهاماتهم إلى عنوان
التبيين.
![]()
أومقران
حكيم
يتطرق
المقال للمسألة الثقافية في الجزائر من خلال ما طرحته رواية الطاهر وطار
"الشمعة والدهاليز" ويعبر عن قراءة لوضعية المثقف الجزائري في مرحلة
ما بعد الاستقلال وهو ينتقل ما بين الواقع الثقافي والعمل الروائي، ينظر هذا
الأخير باعتباره تعبيرا مباشرا عن هذا الواقع.
المثقف وأزمة الذات في
رواية "الشمعة والدهاليز"
للطاهر وطار
تسعى هذه
الدراسة إلى البحث عن موقف الروائي "الطاهر وطار" في خضم التحولات والتغيرات
الجديدة التي عرفها المجتمع الجزائري الذي كان يعيش تحت النظام الأحادي سياسيا،
ثقافيا وفكريا.
لقد تغيّر
المجتمع الجزائري من الأحادية السياسية التي مارسها نظام الحزب الواحد، إلى
التعددية الحزبية، ومنها تفتحت الجزائر على الاختلاف والتنّوع، باختلاف ثقافة
شعبها، وتنوع ألسنته وأفكاره.
لكن هذا
التفتح، لن يسمح بإحداث القفزة التي أرادها الشعب بعد مطالبته بالتعددية، ولن يعرف
المجتمع التكامل والتناسق والتواصل بين كل الأطراف الجديدة التي ظهرت وتشكلت كفئات
سياسية وسعت للقضاء على فكر النظام الواحد.
تكشف رواية
"الشمعة والدهاليز" عن الواقع الثقافي الجزائري المريض وتحدد مسببات
المرض، في فترة اختلطت واهتزّت فيها كل موازين وقوى المجتمع الجزائري.
كما تأمل
الرواية من خلال صاحبها إلى عودة المثقف الجزائري لتأدية دوره كعنصر فعّال وحي،
متحرّك ومحرّك داخل المجتمع الذي عزل فيه المثقف، وهمش…وقمع…، وأجبر إما على العمل والسير في فكره وفق القالب الذي تضعه السلطة
السياسية الحاكمة، وإما بمراقبته والتشويش على نشاطاته الإبداعية والفكرية،
وبالتالي تغييبه مما يؤدي به إلى الموت موتا بطيئا.
صار المثقف
الجزائري، كونه يعيد النظر في أفكاره وآرائه مجرما، وبالتالي فهو مرفوض أمام تفاهة
السياسيين وبلاهتهم هكذا يعبر الشاعر بطل رواية الشمعة والدهاليز. عن موقفه: "أنا هذا المجرم الذي تتمثل جريمته في فهم
الكون على حقيقته وفي فهم ما يجري حوله، قبل حدوثه، أتحول إلى دهليز مظلم متعدد
السراديب والأغوار، لا يقتحمه مقتحم مهما حاول وهذا عقابا للآخرين على
تفاهتهم"(1).
هذه هي
حالة المثقف الجزائري، حالة مأساوية، عنيفة قاسية. إنه يتحول إلى رمز للظلم،
والظلام في عين المجتمع، لأنه يرفض الخضوع للقالب وللسلطة، لأنه ذو أفق يتجاوز في
نظرته للواقع نظرة أفق سياسي، وهذا ما سنبينه لاحقا بعد تتبع دواعي هذه المأساة
التي يعانيها المثقف.
لا يفصل
الشاعر-البطل، معاناته عن معاناة المثقفين في العالم العربي والعالم الثالث الذي
تعتبر بلاده جزء منه.
فالمحنة
عامة، وتغييرها صعب، كون هذه المجتمعات يصعب عليها إدراك الحقائق وفهم الواقع
ووعيه: "عرف الشاعر أنه لا مطمح لاقتحام هذه الدهاليز والسراديب، ويكفيه أنه
أدرك أن قومه، ومعظم الأقوام الآخرين المحيطين بقومه في ما يسمى بالعالم الثالث أو
النامي أغنام، إن حاولوا اقتحام الدهليز تاهوا إلى أبد الآبدين.
ولأنهم لم
يدركوا هذه الحقيقة، ولا يحاولون إدراكها، فإنه عاقبهم، بأن تحول هو نفسه إلى
دهليز لسراديب لا متناهية العدد والغور (ثم يبرر تحوله هذا) لم لا، ونحن نمتص، كما
أننا قش هشيم وسط زوبعة متواصلة"(2).
يسمي
الشاعر أقوام العالم الثالث والنامي بالأغنام. فهو تعبير يدل على أن هؤلاء القوم
لا عقل لهم، يفتقدونه كلية، لأن حياتهم هي حياة غريزية واندفاعية، ودفاعية،
وغايتها إشباع رغبات الغريزة مثلهم مثل الحيوان.
وهم قوم إن
حاولوا اقتحام الدهليز، لتجاوز محنهم ومأساتهم تاهوا في ظلامه، لا يعرفون له
مخرجا، لسبب قصر وعيهم وعقولهم، وضيق أفق رؤاهم، وقصر إدراكهم للواقع المعيش.
إن ما آلت
إليه النخبة المثقفة بالجزائر، وبالعالم العربي مرجعه أسباب كثيرة ومتنوعة، كما أن
نتائجه متنوعة كذلك. ويعلم الجميع كيف تعامل المثقف الجزائري مع واقعه الجديد
(الاستقلال)، وكيف كانت وضعيته كإنسان مفكر، وواع وهو يواجه تناقضات وصراعات
الطبقة الكادحة.
لم يستطع
المثقف تغيير تلك الأوضاع أو حتى التأثير على من حوله بل راح يعيش حالة انشطار
حادة، أدت به إلى نكران وجوده كمثقف فعال. وجعل الواقع هو المؤثر عليه، بدل أن
يؤثر هو عليه. كانت هذه الحالة بداية أولية لصور الإخفاق الاجتماعي للجزائر
المستقلة. لقد أدت السياسة المتبعة، والحركة الاجتماعية السريعة التي عرفتها
البلاد إلى إحداث خلل في بنية عقل وفكر الإنسان الجزائري. إذ أن الإصلاحات-التي
سعت الدولة إلى تحقيقها فور خروج الاستعمار، كانت تهدف إلى إعادة الحيوية للأمة
الجزائرية وتقويتها. لكن لم يفكر أي من السياسيين في الطريقة المثلى لتحقيق هذه
الأهداف، فكانت التجربة الأجنبية (الاشتراكية): "تقدم نفسها كمثال كامل
وكنموذج يحتذى به: التحرر العقلي يتطلب بناء المدارس الوطنية، والتحرر السياسي
يتطلب تطبيق الدستور وتكوين جمعية تأسيسية أما التنمية الاقتصادية فتفترض تشييد
المصانع والمنشآت الاقتصادية. ولم يفكر أحد في نوعية المدارس أو الدستور أو
الصناعة الضرورية"(3) فتغلب السياسي على المثقف.
إن
الاعتراف بأزمة الثقافة هو الشرط الأول من أجل فهمها ومعالجتها.
فلقد عاشت
الثقافة الجزائرية، كمثيلتها العربية في ثنائية دائمة، فصار الفكر لا يرى نفسه ولا
يعيها إلا من خلال هذه الثنائية المعممة في الوعي والعقل والممارسة: ثنائية الحديث
والقديم، والسلفي والمتجدد، والأصولي والمعاصر، والديني والعلماني، والمعرب
والمفرنس، والمعرب والأمازيغي. ولكل طرف من طرفي هذه الثنائية رأيه في الأزمة
الثقافية المعيشة ومعالجتها.
"يرى
أصحاب المذهب الأصولي أن أسباب هذه الأزمة كامنة في نجاح الغزو الفكري الأجنبي
والغربي بشكل عام بالتغلغل إلى عقول الناشئة سواء لجهل هؤلاء أو لسوء نواياهم
ونوايا الجماعات السياسية والدينية التي تعمل من ورائهم وتتلاعب بهم، ويصبح الحل
الوحيد لحل الأزمة اقتلاع هذا الخراج (..) بانتصار الأصالة على المعاصرة، والحقيقة
على السراب والحق على الباطل"(4).
أما المذهب
الحداثي فيرى أن وراء هذه الأزمة منبع "استمرار التقاليد والبنى والقيم
الذاتية المختلفة التي ارتبطت بالعقل العربي، سواء أكان هذا الارتباط نتيجة للتأخر
ولانحطاط الثقافة العربية، أو لنقائصها الذاتية الأصلية ولطابعها الإقطاعي العميق.
ومن هنا يصبح التحديث تحديث الثقافة والعقل، هو الطريق الوحيد للخروج من عصور
الظلام العقلي أو ظلامية الوعي إلى نور الحضارة أو نورانية العقل"(5).
يربط
المذهب الأصولي أزمة الثقافة بخروج المثقفين عن الأصول والتمغرب الفكري والعقلي،
الذي نتج عنه رفض التراث الحضاري الماضوي شكلا ومضمونا، ويناقض المذهب التحديثي
ذلك بالدعوة إلى استئصال كل ما بذره الفكر التقليدي والماضوي والمحافظ، ودعا إلى التفتح
على إنجازات وأفكار العصر الجديد.
وبين هذين
المذهبين مذهب يعتمد ويحتكم إلى العقل والوعي في معالجة الأزمة الثقافية، دون أن
يلغي طرفا من الأطراف، فيقترح رأيا مخالفا لهما، فيقول: "إنه يستوجب وعيا
ذاتيا، أي وعي طبيعة الأزمة ورهاناتنا، ووعي طبيعة التناقضات، عندئذ، سندرك أن
وراء هذا الشقاق في الوعي، ووراء محنة الثقافة ارتهان الوعي نفسه لحركة واقع
تاريخي، لم يجد حلا، لمشكلاته الكبرى، وأنه بقدر ما ينجح الوعي في الإمساك الواعي
الموضوعي بتناقضات هذا الواقع والسيطرة عليها، ومن ثم تغييرها، أو تحويل وجهتها،
يستطيع أيضا أن يرتفع فوقها، وأن يكون عاملا مستقلا في التغيير، قادرا على إعادة
تركيب هذا الواقع تركيبا منتجا، في الذهن أولا، ثم في الحقيقة والواقع فيما
بعد"(6).
ينطلق
أصحاب هذا الرأي من الواقع الملموس، ويحاولون تشكيل حل الأزمة من جانبها الموضوعي،
وذلك باسترجاع قيمة العقل المغيب ودفع الإنسان للتفكير لإعادة تركيب واقعه،
والسيطرة عليه، وبالتالي تحويله من الثبات إلى الحركية والتغيير.
إذا كانت
الثنائية هي إحدى علل محنة الثقافة بالجزائر، فإن للسياسة كذلك فعلها على المثقف
الجزائري. فلقد عمدت السلطة إلى دمج كل العناصر المثقفة في صفوفها. وصيرتها إلى
منتجين وفق المنوال السياسي/الاشتراكي والعربي الذي تبنته. لذا لم يكن للجزائر،
رغم ما أنشأته من مدارس وجامعات أن توجد فئة أو نخبة مثقفة، ومفكرة، بل أوجدت على
حد تعبير عبد القادر جغلول: "نتف أو سديم ضبابي، يتكون من مجموعة من الأفراد،
بدون أي نسيج فكري وثقافي يربط فيما بينهم"(7) ولم تستطع هذه النخبة تجاوز
النظرة السياسية المملاة عليهم.
يبين
بعدها، عبد القادر جغلول وضعية وتطور عالم المثقفين بالجزائر، اعتمادا على الواقع
الذي نشأت فيه هذه النخبة من أفراد المجتمع الجزائري، فيرى أنه واقع يقع في ثلاث
نقاط أساسية هي:
1-"النقطة
الأولى هي أن هناك لا توازن بين (62-1981) بين عدد المثقفين المكونين ونتاجاتهم.
فخلال عشرين سنة كونت الجزائر عددا من المثقفين يتجاوز ما أظن ما أنتجته في خلال
ثلاثة أو أربعة قرون. كل هؤلاء ستخطفهم أجهزة الدولة، وصاروا يشتغلون غير منتجين.
بل أضحوا بعيدين عن إنتاج مخططات التفكير والسلوك والقيم والممارسات المحددة من
طرف الدولة الوطنية الجديدة.
2-النقطة
الثانية هي أن هذه النخبة المثقفة الجديدة التي كبرت بطريقة سريعة، لا تملك ولا
تستند إلا على تراث فكري وثقافي ضعيف.
3-النقطة
الثالثة، فهي الينابيع والمراجع التاريخية، ففي الجزائر لم توجد أي مؤسسة ثقافية
كجامع القرويين بفاس أو الزيتونة بتونس أي لم يوجد أي مركز جامعي تستطيع
الإنتيلجانسيا للتكون والتواجد فيه"(8). لا جرم إذا قلنا إن المثقف الجزائري
لا يمتلك واقعا فكريا ووسطا اجتماعيا يمكنه من الإنتاج والإبداع، وبالتالي القدرة
على الفعالية وتحقيق عضويتهم* داخل المجتمع، التي لا تتأتى إلا: "بقدرة
المثقفين بإنتاج وإعادة إنتاج معنى اجتماعي أو مجموعات أفكار ذات دلالات اجتماعية
في مقدورها تكوين وتوجيه كل أو جزء من المجتمع المدني الذي توجد فيه هذه الفئة
(المثقفون) أي أنها تساعد على توجيه ممارسة اجتماعية"(9).
إذا كان
الواقع التاريخي والواقع السياسي هو الذي أبطل أو عرقل فعالية المثقف، فإن للمجتمع
أو الواقع الاجتماعي كذلك نصيبه في حمل المثقف على الثبات والسكون، أو أن يتحول
إلى سياسي، ومن هذه العوالم الاجتماعية نذكر:
1-"تراكم
التخلف، ومحدودية الأدوار الاجتماعية التي تؤدي بالمثقف حتما إلى الاتجاه نحو
العمل السياسي، لأنه طريقة للكسب المهني.
2-انشغال
المثقف بالنفوذ (النفوذ الاجتماعي).
3-ما زال
المجتمع المدني غير متطور، لأن المجتمع المدني المنظم يساعد على تطوير العلاقات
بين أفراد المجتمع.
4-دولنة
الحياة الاجتماعية، وهيمنة ميكانيزمات التنظيم الدولي، وجنينية أشكال الوعي، ومرد
ذلك هو تهديم الاستعمار للعلاقات الاجتماعية القديمة، عن طريق إفقادها لوظائفها،
مما تولد عنه وفي مرحلة ما بعد الاستقلال تشكل جماعة حزبية بيروقراطية محدودة
النشاط والوعي"(10).
كل هذه
العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية مجتمعة، ولدت واقعا ثقافيا بالجزائر ذا
صبغة أحادية، هي ثقافة النظام والمؤسسات والطبقات والعائلات الحاكمة. الثقافة التي
رفضت التنوع الثقافي بتنوع طبقاته، وأقلياته، وجماعاته، كما رفضت كل ثقافة مضادة
(ضدية)، خاصة تلك المنبعثة من أوساط المثقفين والمبدعين والمفكرين الثائرين على
النظام السياسي السائد.
إن المجتمع
الجزائري مجتمع تعددي، لذا فوحدته وانسجامه لا يمكن أن يقوم على التشابه أو الأحادية،
بل يقوم على التنوع والاختلاف المتكاملين.
نعني
بالمجتمع التعددي ذلك المجتمع المتوسط لصنفين من المجتمعات وهما المجتمع المتجانس
والمجتمع الفسيفسائي. وكل هذه الأصناف نجد لها أثرا في العالم العربي، وهذا ما
يبينه الشكل التالي:
المجتمع
المتجانس
المجتمع التعددي
المجتمع الفسيفسائي
![]()
مصر الجزائر
لبنان
تونس
المغرب
ليبيا
سوريا
العراق
اليمن
البحرين
1- المجتمع المتجانس
"المجتمع
المدني المتجانس هو مجتمع متكون من جماعة واحدة منصهرة اجتماعيا وثقافيا، فتتوحد
الهوية الخاصة والهوية العامة في هوية واحدة جامعة وتسود في هذا المجتمع عملية
الانصهار، وينشأ فيه نظام سياسي مركزي مهيمن، ويسهل الوصول فيه إلى الإجماع حول
القضايا بسهولة"(11).
إن وحدة
الشعب المصري هي أقدم وحدة تمت لأمة ظهرت على وجه البسيطة.
2- المجتمع الفسيفسائي:
"يتكون
المجتمع الفسيفسائي من عدة جماعات تغلب هويتها الخاصة على الهوية العامة، وتتصف
العلاقات فيما بينها بالتراوح بين عمليتي التعايش والنزاع وعدم القدرة على الاتفاق
حول الأسس، ومما يرسخ الانقسامات ويؤدي بها إلى التنازع السياسي والاقتصادي والمدني، بالإضافة إلى الفروقات في
الهوية"(12).
ويمكن
اعتبار لبنان من أقرب المجتمعات العربية إلى هذا النمط. وكمجتمع فسيفسائي يتصف
لبنان بعدم الاتفاق على الأسس فيما يخص الهوية اللبنانية، وعدم فصل الدين عن
الدولة، والتفاوت الطبقي الحاد، وارتباط القوى اللبنانية المختلفة بقوى خارجية
متنازعة.
3- المجتمع التعددي
"يتكون
المجتمع التعددي من عدة جماعات تحتفظ بهويتها الخاصة ولكنها تمكنت من إيجاد صيغة
تآلف بين هذه الهوية الخاصة والهوية العامة، ومن إقامة دولة مركزية، ومن التفاهم
حول بعض الأسس، ومن التشديد على ضرورات الاندماج(13) إلا أن هذه المجتمعات تعاني
اليوم من أزمات داخلية،بسبب تسلط الدولة المركزية، وبسبب غياب الديمقراطية وإقرار
التنوع.
قلنا إن
وحدة المجتمع الجزائري التعددي تتحقق وتقوم على التنوع المتكامل، أي تقبل الفروقات
اللغوية والثقافية والفكرية تقبلا يسمح ويغذي ديناميكية الوعي والعقل. وينمي
المجتمع ويزيده تمدنا، ويساعد التنوع على السيرورة التاريخية وبالتالي الاندماج
الحضاري. فالتنوع، إذن، هو مصدر غنى وإغناء للجميع. وليس الثقافة ثقافة عنصرية، أو
فئوية، بل هي تآلف حضارات متنوعة تداخلت وتفاعلت عبر التاريخ.
غير أنه،
وبعد مرور أزيد من ثلاثة عقود من التحرر السياسي فإن الجزائر، لم تتحرر كمجتمع،
ولم يرق تحررها إلى مستوى الفعالية التاريخية والحضارية. لذا كانت عملية التحول
والانقلاب التي حدثت في الخامس من أكتوبر عام 1988، نقطة لتخليص المجتمع من
مواجهته المأساوية التي كانت قائمة بين المجتمع وبين نظام الدولة وسلطتها القمعية.
إلا أن هذا التلخيص أرجع المجتمع إلى نقطة الصفر التي عبر عنها الروائي في
افتتاحية روايته، لأن الجزائر خرجت من أزمة من باب ودخلتها من باب آخر.
ب-مظاهر
الأزمة الثقافية وتغييب الذات
تتجاذب
المجتمع الجزائري اليوم، وبعد التفتح السياسي والديمقراطي، صراعات ثقافية حادة،
كشفت عن نفسها علنية، وجند لها أصحابها (المتصارعون) الوسائل المادية والبشرية
لخوض ساحة استقطاب الجماهير، ودفعها لتبني رؤاها وأفكارها وإيديولوجيتها.
لقد عاشت
الجزائر كما أسلفنا الذكر تحت الرؤية الأحادية للأشياء والعالم (أحادية الحزب
والفكر والثقافة…)، وكان الوعي والعقل تحت وطأة الإيديولوجي ذي المنحى العروبي
والإسلامي في دساتيره ومواثيقه، والغربي الأرستقراطي في ممارسته الفردية.
هذه الرؤية
الأحادية، صارت اليوم ماضيا، وتحولت إلى رؤية جديدة تهدف إلى فرض ثقافة التنوع
والاختلاف. وهذا ما تجسد فعلا مع التغير الثقافي بالجزائر بعد التفتح السياسي الذي
أكده وأرساه دستور فبراير 1989.
إلا أنه
وبعد أول تجربة سياسية فعلية، بإقامة انتخابات تعددية، كشفت الأطراف السياسية
المختلفة بالجزائر الديمقراطية على رؤاها الضيقة والمصلحية لا تتعدى حدود تيارها
ومعتنقيها، والتي اجتمعت واتفقت (بطريقة غير رسمية) على فكرة تخليص البلاد من نظام
بال، قد ولى عهده، وبإرساء نظام جديد وفق المعطيات الاجتماعية والثقافية والسياسية
الجديدة. إلا أن هذه الأطراف راحت تكشف عن حقدها للآخر، وتكنّ له الشر، وتدعو إلى
ردعه من قبل الجماهير، وإفشال مشروعه، وإحباط فعاليته أمام المجتمع، وعندئذ تحول الصراع
إلى نزاع (Du combat au
conflit ) وبالتالي وقع المجتمع
الجزائري، وبرمشة عين داخل قوقعة جديدة يعبر عنها الروائي الطاهر وطار في نصه
ويصفها بواقع الدهاليز والسراديب والأغوار. لأنها قوقعة يلتم فيها، ويتجاذبها
بعملية طردية عناصر جزئية، يصعب التحامها واتحادها لتشكل كلا متحدا، كونها عناصر
هي بمثابة الركائز الحضارية والتاريخية والثقافية والدينية المكونة للذات
الجزائرية.
عناصر قلنا
إنها طفت على السطح لتؤكد وجودها، وفعاليتها التاريخية والاجتماعية، واستمراريتها
بعد أن شلتها السلطة الأحادية، القمعية، لكنها تحولت (هذه العناصر) من جديد إلى يد
السياسيين، يمارسون عن طريقها ثقافة الرفض والظلم، وبالتالي تسيست الثقافة بدل أن
تتثقف السياسة.
قبل أن
يخوض الشاعر في صف الظلام والظلم اللذين يحدقان بالمجتمع الجزائري الديمقراطي، راح
يبين الانفصام الموجود بين الجيلين المتصارعين: جيل الثورة، وجيل الاستقلال.
فهما جيلان
لا يربطهما عنصر الزمان، إلا أنهما يشتركان في حالة الانفصام التي يحيونها، هذا
قاسمهم المشترك: "الجميع واثق أن كل ما حدث في هذا البلد، عارض زائف، وأن
الطريق مع ذلك مسدود، أمام تغيير نافع لكن هناك ومضات ضوء خافت، ترسله شمعة ما، في
منارة ما، في دهليز ما"(14).
يخبرنا
الشاعر بأن ما حدث ويحدث بالجزائر، زائف في عمقه، وعارض في واقعه، لأنه لم يحدث
تغييرا نافعا، بل زاد الأمور تأزما وفسادا. إلا أن الشاعر لا يفقد الأمل، فهو
يستدرك آملا أن هناك نورا سيضيء السبيل على أفراد المجتمع للوثوب وتجاوز محنته
وأزمته، وذلك بالعودة إلى النبع، نبع الأزمة، دون خوف من الموت أو الخطر الذي
يداهمهم في كل خطوة يخطونها في رحلتهم تجاه النبع.
يقصد
الشاعر بالنبع جيل الآباء والأجداد. فيدعو الأبناء إلى محاولة تجاوز آبائهم:
"إن رحلة اتجاه النبع الذي ولدنا الأجداد فيه تجري، وإنما لنحاول تجاوز
الأباء"(15). آباء يمتدون من زمن بعيد، لذا يصعب على أي كائن، حسب ما رآه
وعاشه وتعلمه أن يكون جزائريا. فهو: "ولدُ جميع الشياطين، وجميع الملائكة
وجميع الجن. ولد البحر والبر ولد الساحل والسهل والتل والصحراء. البربري، العربي،
الفينيقي، الروماني، الوندالي، الأبيض، الزنجي، الأصفر، ولد الحماقة والحكمة ولد
الوطنية والخيانة، القاتل والمقتول، الجرح والجريح والسيف والجارح كي يكونه أحد،
ينبغي أن تتمكن منه جميع اللعنات"(16).
لعنات أصيب
بها الجزائري ماضيا وحاضرا: يوغرطة الملك الأمازيغي يخدع، الصحابي عقبة بن نافع
فاتح المغرب يقتل. كما أن الجزائري ملعون كإنسان فهو متعدد الولاء الإثني، فيه
البربري والعربي والفينيقي والروماني والوندالي، كما يعرف بصفات هي الخيانة والقتل
والجرح، صفات تعبر عن مأساوية وسلبية هذا الكائن فهو ملعون وحياته لعنة وحرمان وشقاء،
يصعب عليه، حتى الالتفات إلى الوراء، لأنه: "إذا أراد ذات يوم أن يلتفت إلى
الوراء لزمه توقف كامل. فهذا الوراء جبال وكتل من الآلام والجراح والمتاعب، من
البطولات والانخذالات والانكسارات تبلغ أحيانا كثيرة حدا لا يصدق الإنسان أن طاقة
بشرية ما تتحمله"(17).
ولهذه
الأسباب كانت علامة الجزائري (فردا ومجتمعا) بالواقع علاقة سلبية وعفيفة، مما صير
تعامل الجزائري مع واقعه تعاملا عصابيا، صار يصور ذاته بصورة الدونية واحتقار
الذات واستصغار قيمتها، وتجريدها من كل صفاتها الإنسانية، صار الجزائري يسعى إلى
تدمير ذاته.
وتحولت بموجب
ذلك حالته إلى الاضطراب، ويقول الشاعر: "لا يهم أن تكون شرقا أو غربا، ففي
الغرب يوجد شرق، وفي الشرق يوجد غرب إنما من نكون؟ هذه حالة الجزائري بين تولد
اضطراب النفس وإنني لمضطرب"(18). يعود سؤال البحث عن الذات من جديد وبشكل
جديد أيضا، وفي واقع جديد غير ذلك الذي ظهر فيه سابقا. اليوم يسمح لكل جماعة
بالتعبير عن هويتها، وأفكارها:
"قال
الاشتراكيون، كفى إما أن نتمركس وإما أن نترسمل.
قال
الرأسماليون، كفى إما أن تحررونا، وإما أن تقضوا علينا نهائيا
قال
الإسلاميون، إما مساجد وإما خمارات
قال
اللائكيون، كيف تعلّمون أبناءنا أصول الدين في النهار، وتقدمون لهم في الليل
الأفلام الغربية الخليعة.
قال
المدافعون عن العربية، إما عربية وإما فرنسية.
قال
المفرنسون، إما جزائر فرنسية وإلا لا جزائر أصلا، نفقرها نجوّعها، نفككها، نسلمها
للأجنبي"(19).
ثم يتساءل الشاعر،
بعد عرض هوية الجماعات وأفكارها وتصورها للواقع قائلا: "من هم هؤلاء الناس،
الذين يلعبون كالبهلاونيين؟ لما هم كذلك؟ هل فقط لأنهم ليسوا أصلاء؟ أم أنهم
أنانيون إلى حد تقمصهم لكل الفئات والشرائح والأحزاب"(20).
تساؤل يحمل
دلالة الاستغراب لتصرف هؤلاء الناس وتلاعبهم بركائز ومكونات الذات الجزائرية، ثم
كشف لحقيقة هؤلاء الناس فهم يفتقدون إلى المرجعية، (ليسوا أصلاء) فالأصيل مرجعيته
ثابتة لا تتزعزع، ولكن الأنانية وضيق الأفق هو المحرك لهذه الجماعات.
لتجاوز هذه
المحنة يقدم الطاهر وطار في آخر روايته ما قد وقع الاتفاق عليه عند الجميع،
الباحثين والمثقفين والسياسيين وغيرهم: تحكيم العقل لمعالجة تحديات الواقع
المأساوي وخلفياته ومخلفاته.
ينير العقل
بفضل المعرفة والعلم والوعي المتفتح السبيل المظلم الذي زاده ظلاما تحوّل الإنسان
الجزائري، بعد أن فقد كل وسائل الدفاع عن الذات والثقافة والوطن إلى إنسان متوحش
لما يقترفه من إجرام وتقتيل في حق أخيه الإنسان.
لقد توصلنا
في آخر بحثنا إلى نتيجة تحمل من الأهمية ما لا ينكره أحد إذ أن الواقع الراهن يكشف
ويثبت أن الثمن الذي ندفعه اليوم، ولا نزال يعود إلى نكران فاعلية المثقف ودوره
الاجتماعي ممّا تسبب في بؤسنا وضياعنا وتخلفنا. وهذا ما نقَله لنا نص الطاهر وطار
الروائي موضوع دراستنا وغيره. وتتبعنا صورة المثقف وتطور مواقفه ووعيه ورؤيته
للعالم بحسب المراحل التي يمرّ بها وكيف تجلت فعاليته وقدرته على التكيف والتعامل
مع الواقع الجديد لكنه لم يشارك غيره من أفراد مجتمعه، بسبب القوة القمعية
والردعية التي تمارس عليه باسم السلطة أو الدين أو الثقافة أو التاريخ ذات النظرة
الشمولية (Totalitaire) الرافضة للنظرة التعددية وتكون نتيجة القمع والردع وخيمة، وهذا
بوضع حدّ لعقل ووعي ومعرفة المثقف بتهميشه وعزله أو حتى قتله.
بات من
الضروري اليوم، العودة إلى أنفسنا بالاعتماد على قوانا وإدراكنا وإرادتنا
المستقلة، لبناء ذات قوية وبالتالي بناء مجتمع قوي وحضارة قوية، كما نريدها نحن،
لا كما يتصورها غيرنا، وهذا بتوافر إرادة ذاتية قادرة على استيعاب اللحظة
التاريخية والعمل بمقتضاها والاعتراف اللامشروط بالتنوع والاختلاف والعصرنة، وقبول
الآخر، والديمقراطية، ونقاء الإسلام، واستمرارية التاريخ بتجاوز الماضي، وإحياء
دور العقل والمعرفة بإبداعاته وإنتاجياته، إنتاجا يتصف بالجدّة والأصالة.
الهوامش:
1-الطاهر
وطار، الشمعة والدهاليز، ص. 05.
2-المصدر
السابق، ص. 07.
3-برهان
غليون، الوعي الذاتي، (ط1؛ الدار البيضاء: منشورات عيون المقالات، 1987)،
ص. 89.
4-المصدر
السابق، ص. 93.
5-المصدر
السابق، ص. 94.
6-نفسه، ص.
105.
7-محمد بكي،
حوار مع عبد القادر جغلول (أنتلجانسا أو مثقفون)، "مجلة آمال"، العدد62.
وزارة الثقافة والسياحة، الجزائر، 08-14 ماي 1994، ص. 35.
8-نفسه، ص.
57.
*العضوانية:
هي تجاوز المستوى المعرفي إلى المستوى الممارسي.
9-علي الكنز،
حول الأمة (5 دراسات حول الجزائر والعالم العربي)، (الجزائر: دار يوشان
للنشر، 1990)، ص. 15.
10-فلاديمير
ماكسيمينكو، الأنتلجانسيا المغربية (المثقفون أفكار ونزعات)، ت:عبد العزيز
بوباكير)، (الجزائر: دار الحكمة-دار النهضة، 1984)، ص ص. 102-103.
11-حليم
بركات، المجتمع العربي المعاصر، (بحث استطلاعي اجتماعي)، (ط1؛ (بيروت) لبنان: مركز
دراسات الوحدة، 1984)، ص. 16.
12-نفسه، ص
ص. 16-17.
13-حليم
بركات، ص. 17.
14-الطاهر
وطار، الشمعة والدهاليز، ص. 42.
15-المصدر
السابق، ص. 42.
16-نفسه، ص.
26.
17-نفسه، ص.
29.
18-نفسه،
ص50.
19-نفسه،
ص51.
20-نفسه،
ص51.
صـــالح ولعــة
ليست
المدينة معالم وبنايات بقدر ما هي محطات تاريخية وثقافية وحضارية، وهي أيضا
مجال ثري للإبداع، إنها القاعدة المكانية أين يبني الأديب أرضيته لتدور
الأحداث حولها. من هده المدن "العمورية" التي تحمل أنينا
تاريخيا بين أضلعها، فقد تطرق إليها عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم جبرا،
فكانت عمورية منيف تلك المدينة الهادئة والمحافظة. ولما جاء النفط تغيرت
وتغيرت معالمها من خلال نجوى. أما عمورية جبرا فهي داك الحنين الشديد وإلى
الجنون الدي يحمله لها علاء عندما غادرها بالقوة فبقيت لوعة الفراق تلاوعه
للعودة إليها.
المكان ودراما المكان في رواية "عالم بلا خرائط
لجبرا
إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف
توطئة :
إن
الحديث عن المدينة، بقدر ما هو حديث يغري كل باحث، بقدر ما يحمل من الصعوبة التي
قد تصل إلى حد الاستحالة؛ لأن السؤال الذي ينهض أمامنا يتركز حول ما يجب أن نتحدث
عنه، وما يجب أن نتركه .
فالمدينة
ليست حيزا جغرافيا ساكنا، يخلو من نبض الحياة، المدينة هي البشر، وهي الزمان وهي
الحركة، وهي كذلك مجموع العلاقات الإنسانية التي تكتسب صفة المدينية عندما تبدأ في
التعالق والتعقد. والفضاء المديني لا يبلغ مستوى الفضاء الفني إلا عندما يكتسب صفة
المدينية، ويسمو فوق كل الأجزاء الصغيرة المتمايزة، ليشكل الكل العضوي المتعالق
تعالقا ظفائريا. وهذه العلاقات المدينيـة »
ليست نتيجة الرغبة بقدر ما تكون نتيجة التطور في طبيعة الروابط وأسباب المعيشة
والنظرة، إضافة إلى الشعور بالأمن، وهذه كلها تفرض بدورها نمطا جديدا من العلاقات
والسلوك تؤدي إلى صفات تميز الحياة في كل المكان« (1) .
لقد
أولى الكتاب الغربيون اهتماما كبيرا للمدينة؛ لأنهم أدركوا أن المدن هي الذاكرة
وهي التاريخ الحقيقي الصادق الذي لم تلوثه أقلام الساسة ورجال الحرب، فالفنان هو الجدير
بالكتابة عن هذه المدن، هذه الحاضنات التي احتوتنا بصدر دافئ عندما صدتنا ولفظتنا
أماكن طادرة أخرى، والفنان - وهو يكتب عن المدينة : عن حاراتها، ومعالمها،
وشوارعها، ومقاهيها وفنادقها، وحدائقها .. الخ - إنما
هو يؤرخ لتاريخ البشر في زمان معين وفي مكان
محدد، ويتابع مراحل تطور البشر عبر هذه المراحل . إن " لينين " لم يكتشف
روسيا من خلال التقارير والإحصائيات بالمقدار الكافي، فاكتشفها من خلال "
تولستوي "، وساعده تولستوي على هذا الاكتشاف دون ضجة .
أما عندنا نحن العرب، فقد حاول قديما الرحالة
تقديم صورة عن المدن التي زاروها أو مروا بها، صورة عن هواء المدن وبشرها وعاداتهم
وتقاليدهم وثقافتهم ... وكان بإمكان هذا التوجه - لو استمر - أن يكون عندنا تقاليد
مدينية عربية، وبالتالي تترسخ المدينة في ذاكرتنا ووجداننا، وهذا ما لم يتكرس في كتابات
المعاصرين، فلم تجد المدينة الاهتمام والعناية والمتابعة اللازمة، وهذا ما أدى إلى
فقدان ذاكرتنا الحقيقية وتاريخنا الصادق، وهكذا أصبحنا بلا ملامح تميزنا . لقد
حاول بعض الكتاب القلائل أن يجددوا العهد بالمدينة العربية، خاصة من خلال الكتابة
الروائية - كون الرواية نتاج المدينة بالدرجة الأولى - فقدم " نجيب محفوظ
" في الثلاثية صورة المدينة والحارة في مرحلة من المراحل، وتفطن إلى بعض
الأمور التي لم يتفطن إليها الكثيرون من المؤرخين، كذلك فعل " عبد الرحمن
منيف " في الخماسية وجها آخر لتاريخ المدن العربية النفطية، وهذا الوجه
الثاني للتاريخ يأخذ في الحسبان أحوال الناس ومشاعرهم وأفكارهم ونظرتهم للحياة
ومعاناتهم وأحلامهم وتطلعاتهم وخيباتهم أيضا، وهذه المشاعر ما كان للتاريخ الرسمي
أن يقدمها .
وبنفس الطريقة، عاد منيف مجددا ليقدم لنا تاريخ
العراق الفني من خلال ثلاثية " أرض السواد "، تاريخ المدن وشكلها والناس
ومعاناتهم والحكام وظلمهم ... لقد أراد "منيف" أن يعيد رسم التاريخ -
الذاكرة والحلم قبل أن يتلاشى ويغيب، كيف كانت الأماكن والحياة والبشر .
فلو ازداد اهتمام الكتاب العرب بتدوين بعض هذا
الذي عاشوه وعرفوه » لتكونت لدينا - كما يقول منيف - نظرة مدينية، وبالتالي تقاليد
مدينية، لكن يبدو أن مفهوم المدينة بمعناه الحديث، والذي يجب أن يسود، لم يتكون
بعد، فهذا ما يفسر من بعض الجوانب، ندرة الكتابات عن المدن، أي عن الأماكن، بما
يعني أن المدينة لم تترسخ بعد في وجداننا، وبالتالي في ذاكرتنا« (2) .
لقد كانت وما زالت نظرتنا للمدينة ضيقة، وتتوقف
عند السطح، دون الأخذ بعين الاعتبار أن المدينة ليست الحجارة والأرقام، ليست حيزا
جغرافيا يعيش فيه وكفة . » إن المدن كالبشر، فلكي تقوم العلاقة مع
المدينة، أية مدينة يجب أن يحس الإنسان بالطمأنينة، بالألفة بالحب، وهذه تتولد
نتيجة المشاركة والحاجة، وأيضا نتيجة الإحساس أن هذه المدينة تعني له شيئا خاصا،
ولا يمكن أن تستبدل بأية مدينة أخرى، وهذا ما يعطي المدينة طعمها وملامحها« (3) .
أما إذا كانت المدن مجرد أمكنة يتعايش فيها البشر؛
لأنهم مضطرون لذلك، فلا شك أن مدنا من هذا النوع ستكون قبرا يحاصر ساكنيه، ستكون
قاسية ضيقة، وستبقى العلاقة بينها وبين ناسها هشة وخطرة .
يقول عبد الرحمن منيف : » أعتقد أن عنصر الحب هو الجسر الحقيقي الذي
يقيم العلاقة بين البشر والأشياء والمدن؛ ولأن المدينة العربية، بصورة عامة، تضخمت
أكثر مما ينبغي، وتغيرت أسرع من المدن الأخرى، فإنها بحاجة إلى كمّ إنساني كبير من
أجل إعادة صياغتها، لكي تكون مكانا أليفا، ومن أجل أن تكون حضنا حنونا لأبنائها،
ومظلة تقيهم من قسوة المدن الأخرى، والتي ترفضهم وتطاردهم، لذلك أعتقد أن جهدا،
وربما جهدا كبيرا، يجب أن يبذل من أجل أن نقيم المدينة الإنسانية« (4) .
إن جماليات المدينة تقتضي المصالحة الحقيقية مع
التاريخ ومع البشر، فالمدينة هي الفضاء الذي تتشكل فيه عواطفنا وأفكارنا وأحلامنا،
وأيضا هزائمنا وخيباتنا، المدينة هي التي تحدد نظرتنا لما يحيط بنا وللعالم .
إلا أن الحقيقة المرة تقول إننا أخطأنا فهم
المدينة، كانت نظرتنا إلى المدينة على أنها مجرد أبنية وأرقام، وهذا التصور الخاطئ
هو الذي جنى على كل إحساس مديني، وأصبحت المدينة العربية فاقدة لكل جمالية، وأصبح
الحي الواحد خليطا عجيبا من البنايات، الياباني إلى جانب العربي الأصيل، الهندي
إلى جانب ناطحات نيويورك .. وبالتالي، فقد الحي الانسجام والروابط الحية بسكانه،
وهذا ما ولّد الاغتراب والنظرة العدائية للمدينة . » لقد ظلمنا- كما يقول منيف - المدن التي
عشنا فيها، الحاضنات التي استقبلتنا وأعطتنا كل شيء، ولم نعرف كيف نقول لها شكرا«
(5)
.
لقد ساهم الكتاب العرب مساهمة سلبية في تكريس
هذه النظرة العدائية للمدينة، وبالتالي لم يساعدوا على خلق ثقافة مدينية، أي
تقاليد مدينية من شأنها أن تغير من نظرتنا القاسية لمدننا . إن عددا كبيرا من كتاب
الرواية العربية يرسمون في كتاباتهم أحداثا تجري في أماكن مغلقة، أو في أماكن
مختلقة، ولذلك جرد الفضاء من البعد الإنساني الموار، وتحول بذلك إلى كتلة صماء بلا
ملامح وبلا تاريخ . لقد سقط الكثير من الكتاب العرب في تقليد الغرب، فلم يعايشوا
المكان معايشة وجدانية حقيقية، وهذا أدى إلى فقدان الرواية العربية لخصوصيتها،
وبالتالي لهويتها، ولم تعد تمتلك ما يميزها عن غيرها . فلم تحذُ حذو الرواية
اليابانية مثلا، أو الرواية الواقعية السحرية في أمريكا الجنوبية التي تعد بحق خير
معبر عن وجدان تلك المجتمعات وهويتهم وانتمائهم الحضاري .
- دراما المدينة في " عالم بلا خرائط " :
هو عنوان يتكون من كلمة ( عالم ) التي تدل على
مكان غير محدد وكلمة ( لا ) وهي حرف نفي، وكلمة ( خرائط )، وهي جمع لكلمة خريطة،
والخريطة مستند يوضح المعالم الخاصة التي يتميز بها المكان المحدد الدالة عليه .
وهذا العنوان يعني أنه يدل على عالم موجود ليس له خريطة تمكننا من تلمس معالمه،
وتحديد موقعه، يعنون نصا حكائيا كوّن رواية من تجليات مدينة عمورية السياسية
والاجتماعية والاقتصادية مادة النص، وجعل عمورية فضاء له عمورية هو اسم المكان في
" عالم بلا خرائط "، وقد كانت تتميز بالألفة والشجاعة والتآلف، لكنها لم
تستطع المحافظة على هويتها الأصلية، لأنها أرادت أن تتمدن وتتطور، خاصة بعدما
اكتشف الأمريكيون النفط بها وعلموا الناس الخطيئة بل الخطايا السبع، فتغيرت
ملامحها واستعارت ملامح لم تنسجم مع ملامحها الأصلية، مما أدى إلى تشويهها، » فلم تحتفظ بالماضي ولا استطاعت أن تدخل
المستقبل« (6)، وبذلك
بقيت ملامح خاصة تميزها عن غيرها من المدن، وأصبحت بلا هوية، شأنها شأن العنوان
الذي عنون النص الحكائي . فالمكان - حسب هلسا - يوجد عندما نكون شهودا عليه، إذا
ابتعد أو أدار ظهره، اختفى المكان، والذاكرة هي التي تحافظ على المكان، وافتقاد
الذاكرة يعني افتقاد الهوية، وبالتالي الانتماء« (7) .
لقد توسعت عمورية توسعا غريبا، وتغيرت تغيرا
شاسعا، وتفككت العلاقات الاجتماعية العامة وطغى سلطان المال على المجتمع وفقدت
القيم والمثل والمبادئ فعاليتها، وانحدرت أخلاق الناس وتلاشت الروح الإنسانية، فعم
الظلم والفساد في ربوع المدينة . وهكذا راحت البرجوازية العربية تتشكل، وبدأت غولا
صغيرا، ثم ما لبث أن أصبح غولا كبيرا يلتهم كل شيء، خاصة بعد أن أمسكت عمورية
برملها فتحول إلى ذهب، فكان النفط بداية اللعنة والنهاية .
وهذه الملامح التي تتصف بها عمورية، لا تنفرد
بها عن بقية المدن العربية؛ لأنها تنطبق على كل المدن العربية، فالخاص منها ينطبق
على الكل، ودراما عمورية تتسع لتشمل المدن العربية . لقد نظر منيف وجبرا إلى المدن
العربية من خلال مدينة عمورية، وهذه المدينة لا وجود لها على الخريطة؛ لأنها رمز
للعواصم والمدن العربية وفي هذا المعنى يذهب باشلار إلى التأكيد على أنه »
كلما صغرت العالم بمهارة أكبر، امتلكته بشكل أكثر مهارة« (8)، وهذا ما سعى إليه جبرا ومنيف من خلال التركيز على خصائص عمورية
وملامحها التي تنطبق على كل المدن العربية النفطية : » ولكنها بهذا الوجه
المليء بالندوب، بمقدار ما هي واحدة هي الكل أيضا ...« (9) .
عمورية - تاريخيا - مدينة تعرضت لغزو الروم،
واستنجدت بالمعتصم بالله الذي استطاع أن ينقذها من الأعداء، وعمورية في هذا النص
الحكائي هي عمورية الروائي " علاء الدين سلوم " الذي سعى إلى إنقاذها من
وضعها المزري بكتابة الرواية، لكنه لم يستطع أن يحقق شيئا مما صبا إليه، ..
عندما صدرت روايتي الثانية، لم يرض عنها النقاد كثيرا، وقالوا إنها ملأى بالغموض
والتناقض، وادعوا أنها لا تمثل عمورية كما يعرفونها بقدر ما تمثل محاولات مؤلفها
خلق مدينة لا يمكن أن توجد في رقعة معلومة من
الأرض ...« (10) .
- أشكال اقتحام عمورية مجال السرد :
قدمت مدينة عمورية متميزة بكثرة النساء، وذلك
حين طلب " صادق الرمحي " من صديقه " علاء الدين سلوم " أن يكف
عن علاقته المكشوفة مع " نجوى العامري " المتزوجة من " خلدون
"، » عمورية مليئة بالنساء، كل امرأة تتمنى لو تكون لك زوجة أو عشيقة،
ألا ترضيك إلا هذه المرأة « (11) .
إن تقديم عمورية بهذا الشكل جاء منسجما مع بعض
معالم محتوى هذا النص الذي تضمن قصة عشق الراوي علاء الدين سلوم لـ نجوى العامري،
وهذا التقديم رغم أنه يمكّن متلقي النص من تصور ما قد يحصل من نتائج شأن هذه
العلاقة اللامتكافئة في نظر الآخرين، لا يعبر عن جوهر النص تعبيرا مناسبا، ولا
يمكن المتلقي من اختبار العالم الداخلي للمكان؛ لأن هذه العلاقة العاطفية بين علاء
ونجوى لها وظيفة التشويق في الرواية كي يشد القارئ، ويمشي مشوارا طويلا، لكنه ليس
الرواية كلها، » إن موضوع فهم
التاريخ كما يقول منيف والنظرة إليه في هذه الرواية من أهم النواحي فيها .. ثم
انهيار طبقة بكاملها وبداية صعود طبقة جديدة تغير المجتمع، موضوع الحريات العامة
والمدنية ...« (12) .
فجوهر النص الحقيقي ليس العلاقة العاطفية بين
" علاء ونجوى "، لأن واقع عمورية الذي تغير تماما وشمل مختلف مستويات
الحياة هو جوهر النص .
لقد اشترك جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف
في كتابة هذه الرواية المعنونة بـ " عالم بلا خرائط "، وهي تجربة فريدة
حسب علمي في تاريخ كتابة الرواية العربية . إن نجاح هذه التجربة أو إخفاقها لا
يهمنا في هذه الدراسة، لكن لا بد أن نؤكد على تمايز واختلاف المنظور الجمالي
للمكان عند كل من المبدعين، وهذا التباين في الموقف يتجلى بدقة وبعمق في موقف بطل
الكاتبين من مدينة عمورية .
ولكي تكون الدراسة منهجية ودقيقة، ويتمكن
المتلقي من التجاوب مع النص، ومع هذه الدراسة، آثرت أن أميز بين نظرة " علاء
الدين منيف "، و" علاء الدين جبرا " لهذه المدينة (عمورية)
ومنظورهما الجمالي . ذلك » أن الأمكنة في الواقع كالحجارة في المقلع، لا تشكل بناء جماليا إلا عندما
يقطعها المبدع وينقشها بالحلم والرؤيا، ويكحلها بالأزمنة« (13) . وبما أن
الأمكنة هي البشر، والناس هم الزمن، والحركة هي المكان والزمان، ومن هنا أردت أن أتتبع شخصية نجوى العامري
وعلاقتها بدراما المكان من خلال منظور علاء منيف وعلاء جبرا .
- كيف بدت عمورية في نظر علاء منيف ؟ :
يرسم لنا " علاء منيف " عموريته في
قوله :
رأيت عمورية تتسع في ربع القرن الأخير اتساعا
مذهلا، فكأنني كلما تقدمت في السن .. ازدادت المدينة طولا وعرضا وفوضى، من مئة ألف
نسمة في أوائل العشرينات إلى نصف مليون بعد الحرب العالمية الثانية .. إلى قرابة
ثلاثة ملايين نسمة اليوم، كأنما نحن في مرحلة من مراحل تاريخ قادم بالعجائب أو في
نهاية مرحلة نراها تبتعد في أحشاء أفق بعيد، تحت أبصارنا« (14) .
وكأن علاء هنا يصنف عمورية إلى عموريتين،
فعمورية الأولى تمتد حتى الخمسينات تختلف عن عمورية الثانية التي جاءت بعدها؛
الأولى كانت تعجب علاء، وكان ينعم فيها بالراحة على الرغم من أنها ضيعت أفرادها
وأهملتهم إلى أن جعلتهم يتركونها ويهاجرونها إلى الخارج .
»عمورية الآن غير عمورية حين تركتها قبل خمس
وعشرين سنة وسافرت لمواصلة دراستي، ولو أن فيها من الثوابت ما يجعل تغيرها بطيئا
صعبا، ولكن البشر فيها تغيروا بأسرع مما تغيرت الأماكن .
كانت عمورية حين قررت ( أو قرر لي أبي ) في تلك
الظروف أن أغادرها، على درجة كبيرة من الألفة، رغم فقرها والمصاعب الكبيرة التي
كانت تعاني منها وتطحنها. كانت عمورية آنذاك تدرك ما تريد. وهذا ما جعلها أيامئذ
متألقة، مصممة، وشجاعة .
صحيح أن الفترة التي سبقت رحيلي كانت مليئة
بالألم والمعاناة، وكانت مليئة بالصرخات المكتومة أواخر الليل، لكن تلك كانت صرخات
الذين يحاولون شق الطريق، الذين يريدون أن يرفعوا عن صدورهم كابوسا ثقيلا منذ طوال
عشرات السنين السابقة« (15) .
إلا أن لعنة التغيير المفاجئ جثمت على صدر
عمورية، وحولتها فجأة من حال إلى حال أخرى . لقد تغيرت عمورية، أجل تغيرت كثيرا،
فعمورية الأولى التي كان علاء يحس فيها بالألفة والأمان قد اندثرت كالبخار وتلاشت
لتخرج مكانها عمورية أخرى، كانت قاسية وصعبة على أفرادها، مشوشة، تملؤها الفوضى
والغموض » لعلها الآن أكبر مدينة مشوهة في العالم، إنها تشبه كل المدن ولا
تشبه أية مدينة ... عمورية قبل ثلاثين سنة كانت أجمل أو ربما كانت نظرتنا إليها أكثر براءة وبساطة، عمورية الآن
تشبه العروس القروية التي تريد تقليد نساء المدن، ولذلك فهي تضع على وجهها كل
المساحيق وبكميات كبيرة، وتضع على جسدها مجموعة من الخرق الملونة المتنافرة، ثم
تتباهى باستعراضها كل هذا النشاز من الألوان . جاءت الأموال السهلة لتفسدها،
لتشوهها، فلم تحتفظ بالماضي ولا استطاعت أن تدخل المستقبل، وظلت تستعير من الآخرين
وتكدس، ولن يمر وقت طويل حتى تنفجر من التخمة« (16) .
لقد أورد " شاخت " رأيا لميركوف يبرز
فيه أن فقدان الاتجاه هو انهيار في الهيكل الثقافي، يحدث بصفة خاصة حينما يطرأ
انقطاع حاد في التواصل بين الأهداف الثقافية وقدرات أفراد الجماعة .. وهذا الانقطاع
يولد شعورا بالاغتراب والقلق (17) .
لقد صور لنا منيف شخصيات تعاني ألم الضياع
والغربة والخوف على ما آلت إليه عمورية، هذه المدينة النفطية الصاعدة فجأة في
الصحراء العربية، حيث الإيقاع المتسارع، والتحول الذي يتسرب إلى البشر، فتتحول
حياتهم جذريا، فإذا بالجميع يركضون .. لا يعرفون إلى أين ولماذا ؟
لقد أرادت هذه المدن الطارئة أن تواكب الزمن
المتسارع، فتخلت عن أصالتها، ولم تستطع أن تأخذ من الغرب إلا القشور، وبالتالي
يشهد تحول المكان على دراما المدينة العربية وانعكاساتها على الشخصيات المحيطة بها
.
لقد كانت عمورية كالجوهرة ببريقها وعنفوانها،
فتبدل الحب إلى كراهية، وذلك لضجيجها وفوضويتها وازدحامها وجوها الخانق، فقد
أصبحـت مع كـل » ضربة فـأس مـن أرضها
تخنق روحا وتقتل حلما« (18) .
فالسارد يبرئها من المسؤولية، مسؤولية ما يحل
بها وبالبشر، ويحمل حكامها المسؤولية لقد غارت عمورية القديمة في البحر، وقامت
مقامها عمورية الجديدة الكبيرة الثقيلة القاسية، ولعلها باتت أكبر مدينة مشوهة في
العالم، فما الذي جرى ؟
إنه سرطان المدينة العربية، لقد تحول رمل
عمورية إلى ذهب، فكثرت الأموال بطريقة عجيبة، وهذا ما أدى إلى بروز طبقة برجوازية
عربية استولت على كل شيء . ومع صعود البرجوازية المستغلة، راحت عمورية تتغير
وبسرعة مذهلة، وراحت المدينة تتعامل مع الزمن النفطي، سمته الكبرى : العداء،
والتوتر، والخوف، والحقد . فلم تكف عمورية يوما واحدا عن أن تفاجئ نفسها وتفاجئ
الآخرين، حتى غدت مكانا استثنائيا . لقد تفننت الحياة القبلة دون قدرة البديل على
حمل هذه الحياة إلى منظور مستقبلي واضح، وهو الذي ينتج عمورية كئيبة وهشة، بلا شيء
في عمورية ينتظر ويبقى ثابتا لا يتغير، البشر والأشياء وحتى الطبيعة بما فيها من
ماء وهواء تتغير وتتبدل .
لقد تحولت عمورية - بعد اكتشاف النفط - إلى
بؤرة الأحداث الروائية، فهي ملتقى الشركات البترولية والسلطة الجشعة الحاكمة،
والوافدون من كل مكان للاستغلال وجمع المال، وهكذا بدأت تتشكل البرجوازية وبسرعة
مذهلة في عمورية . فالمال أو بالأحرى النفط أفسد كل جميل في عمورية؛ الأخلاق،
الطبيعة، البشر .. لقد كانت عمورية مكانا خصبا لنمو وتطور البرجوازية العربية
المستغلة والمتحالفة مع السلطة، فتحولت - البرجوازية - إلى غول كبير يلتهم كل شيء
.
عمورية الأولى - في الخمسينات - كانت أشبه
بنجوى نفسها كما يقول حسام، لكن شيئا كالدخان أخذ يتصاعد ويشتت الحلم، شيء يجهله
حسام، لكنه كما يبين في موضع آخر من الرواية : المال وتداخل العلاقات الشخصية
والعائلية مع المصالح والاستثمارات الاقتصادية، وصولا إلى صراع التجار وجشع
الطفيليين، ولن ينس »النفط الذي
اكتشفه الأمريكيون وعلموا الناس الخطيئة، بل الخطايا السبع كلها« (20) .
- نجوى منيف :
لقد تبدلت عمورية كما تبدلت نجوى، بات لنجوى
لغتها الجديدة في عالم المشاريع المالية - كما يقول منيف - »
فالمكان في حالات كثيرة ليس حيزا جغرافيا فقط، فهو أيضا البشر، والبشر في زمن
معين، وهكذا نكتشف علاقة جدلية بين عناصر متعددة، متشابكة ومتفاعلة . فالمكان
يكتسب ملامحه من خلال البشر الذين عاشوا فيه، والبشر هم تلخيص للزمن الذي كان، وفي
مكان محدد بالذات ...« (21) .
فقد تبدلت عمورية كما تبدلـت نجـوى »
فجأة أصبحت نجوى خبيرة في قوانين الأراضي والملكية والميراث، وتعرف أضعاف ما يعرفه
مثقف بائس مثلي« (22) .
لهذا السبب لم تعد نجوى نفسها التي تعرف عليها
علاء أول مرة، وكما ازدادت الفجوة اتساعا بين عمورية القديمة وعمورية الحديثة،
كذلك حصل بين علاء ونجوى، فلم يعد يلتقي بها في بيت المجنونة كما كان يفعل في
الماضي، » بدت لي الحياة،
حياتي وحياة الآخرين حولي شديدة الخواء والتفاهة، وبدت المسافة التي تفصلني عنهم
كبيرة إلى درجة لا يمكن ردمها أو تجاوزها« (23) .
لقد فقد علاء رغبة العيش في عمورية، كما فقد
رغبتـه في الاقتـراب من نجـوى، »..
ونجوى، هل فقدتها، فأستردها ؟ ربما لم أفقدها بعد، أم أنني سأسمح لها أن تنزلق من
بين أصابعي، وحياتي لم تمتلئ بها بعد، كما سمحت لعمورية أن تنزلق ؟ آه المدينة،
كانت المدينة هي الشيء الرائع الخارق الذي يجب أن أحتويه، أن أجعل في جزء مني بعضا
من كل جزء منه.. هل كانت نجوى طريقي إلى المدينة، وهي مثلها أحبها وأريد محقها،
أكرهها وأريد أن أتمرغ حتى الجنون في لحمها؟« (24) .
لقد كانت نجوى في نظر علاء منيف رقيقة ولينة،
خجولة خاصة أمام علاء، أما الآن فنجوى لم تعد كذلك بعدما تعرفت على أصلها، وأنها
ليست ابنة محسن سليمان العامري
الرجل الغني، ومع ذلك كانت مصرة على التمتع بميراثه الضخم، لقد تطورت شخصية
نجوى وتحولت من المرأة البسيطة الفاتنة إلى المرأة القوية التي تتحكم بآرائها،
وأصبحت لها لغة خاصة بها بعدما دخلت في مشاريع مالية، فأصبحت قاسية قسوة عمورية،
وقسوة رجال الأعمال، وقسوة البرجوازية العربية الصاعدة . وهنا، وكما اتخذ علاء
منيف موقفا من تغير عمورية، اتخذ الموقف نفسه من تغير نجوى المفاجئ، حتى إنه بدأ
ينفر منها، ويرغب في نسيانها، كما أنها لم تعد مهتمة به كما في السابق، لكنها لم
تنسه ضمن مشاريعها التجارية، قالت بصياح »
علاء سيكون مديرا للمشروع السكني« (25) .
»لم أعرف ولم أكتشف من قبل أن نجوى، نجوى التي أعرفها، تمتلك مثل هذه
الأفكار، وينطوي جسدها الرائع، ورأسها الذي كنت أحب كثيرا أن ينام على صدري وفي
أحضاني، على مثل هذه الأفكار ! أين كنت خلال هذه الفترة كلها ؟ لماذا لم أكتشف ولم أتبين ما يدور
في هذا الرأس الجميل الغامض؟ « (26) .
ويضيف: » نجوى
التي امتلأت بها إلى درجة الوله أصبحت بالنسبة لي مخلوقا جديدا« (27) .
ويضيف: » كانت لطيفة، كانت اهتماماتها مختلفة، كانت
تمزح، تضحك، لا تنظر إلى المادة والمال مثلما تفعل الآن « (28) .
إنه المال أو بالأحرى النفط الذي غير المكان
والبشر والهواء والماء وكل شيء في عمورية . لقد أمسكت عمورية بالرمل، فإذا به
يتحول إلى ذهب، فكان التحول المرعب والمفاجئ، والذي قطع كل صلة بما كانت عمورية
عليه، فصارت أخرى مكانها سمتها الكبرى : العداء والتوتر والجشع والاستغلال، مما
أدى إلى تزعزع القيم والأخلاق والمبادئ وتفككت العلاقات الاجتماعية، وأصبحت سلطة
المال هي العليا .
و"علاء الدين سلوم" الأستاذ الجامعي
والروائي المشهور الذي حكى النص الموسوم بـ "عالم بلا خرائط" أبقى النص
مفتوحا يحمل سؤالا موجها إلى ذاته وإلى كل إنسان في عمورية »ثمة سؤال واضح على كل إنسان أن يطرحه على نفسه
كما أطرحه على نفسي في هذه الأيام الصعبة المخيفة، والعواصف على الأبواب: أين
مكاني من هذا كله ؟ هل سأجده ؟ هل سأكون جديرا بالمستقبل ؟« (29) .
إنه سؤال الإنسان الشريف الذي لم يلوثه المال
ولم يخربه، وبقي شاهدا على عصر ينهار، وقيم تتهاوى، وهذه النهاية المفتوحة تتميز
بقيمة فنية؛ لأنها تدفع المتلقي أكثر فأكثر إلى العالم الداخلي للمكان، بحثا عن
الإجابة على هذه الأسئلة التي طرحها علاء الدين .
- عمورية جبرا إبراهيم جبرا :
إن عمورية جبرا تختلف عن عمورية منيف، فجبرا
ينظر إلى عمورية على »أنها حورية
البحر، مشعة، زاخرة، مليئة بالعنفوان« (30) . وعلى الرغم من أنه هاجرها إلى الخارج، إلا أنه ظل يذكرها » كنت أتذكر شوارعها، شارعا شارعا وأتذكر
المنعطفات والزوايا، لكن أكثر ما أتذكر الناس في عمورية، وحين تشمخ المدينة في
ذاكرتي تعاودني الرغبة في الدفء والاقتراب من الآخرين، وينتابني حالة من الهياج
والنزق لا أعرف إن كان عليّ خنقها أم الامتثال لها، فأحس بحاجة إلى الغناء والبكاء
«
(31) .
لقد حمل علاء معه عمورية وسافر بها إلى إنجلترا
إرضاء لطلب والده، الذي أراد أن يبعده عن " سخافات " السياسة، إلا أن حب
علاء لعمورية كان نارا حارقة، نارا قاتلة، تعذبه وتدفعـه إلى البكـاء وطلب
الغفـران » عمورية قاتلة، عمورية استطاعت أن تقتلني أو أن توقع بي إصابات لا
حصر لها، حتى على ذلك البعد كانت معي أينما ذهبت، كانت تراقبني تنظر إليّ، وتستمع
إلى الهمسات التي كنت أوشوش بها الفتيات اللواتي تعرفـت عليهن «(32) .
إن الذكرى، مهما كانت الصفة التي تعطيها لها،
حالة تجعل الإنسان، أي إنسان، أقرب إلى الاستسلام ومسكونا بالماضي وناسه، وبتلك
اللحظات الجميلة الضاربة في عمق الزمن، وهذا ما يزيد من عذاب الذات، ذلك أن الزمن
يقودها أمامه ببطء مخادع، مثيرا في نفسه الندم والمستحيل .
فالزمن كما يقول منيف »
... هذا السلاح الذي نحاول بواسطته أن تقاوم، لكن هو ذاته يتسرب، يتفتت ويتلاشى،
ولا يبقى سوى الذكرى، ذكرى الأيام التي مرت، والذكرى بمقدار ما هي حارس يحمي
الروح، فإنها الداء الذي ينخرها، بما يخلفه من لوعة التي تزيد يوما بعد آخر .
وإذا استبدت الذكرى بالإنسان تحضنه وتغيره،
يصبح أسيرا لحالة لا يقوى على مقاومتها، ويصعب عليه الاستسلام لها؛ لأنها بمقدار
ما تبدو في لحظات معينة جميلة، فإنها موجعة، وهي تحمل معها هذا الكم الكبير من الشجي على أيام كانت قد مضت إلى
الأبد، كما تجرّ معها أشياء يفترض الإنسان أنها انتهت وأنه تجاوزها، لكن وهي تعود
هكذا حاملة معها الأصوات والإشارات وروائح الأمكنة والأجساد والكلمات، يولد من
جديد المجبول بالأسى والرغبة في أن تعود الأشياء كما كانت في يوم من الأيام « (33) .
لقد تحولت عمورية في نظر علاء إلى قيد يصعب
الفكاك منه، تحولت إلى حلم يقض مضجعه، يولد فيه الحنين الجارف والرغبة المعذبة في
استعادة المكان وامتلاكه . لقد أصبح علاء يحمل معه عمورية أينما ذهب، وتحولت لندن
إلى قبر يحاصره .
علاء جبرا رجل مناضل مطارد من قبل الشرطة،
أوقفته مرات عديدة لاشتراكه في مظاهرات ضد الأحلاف العسكرية، ولهذا السبب بعثه
والده إلى لندن ليبعده عن السخافات »
كان أبي أول الأمر يضحك بسخرية، ويعتبر تلك المهمات التي أقوم بها مضيعة للوقت،
ولا بد أن أتخلى عنها حالما أكبر قليلا أو حين أقع في غرام فتاة ... لكن بدا له الأمر
خطرا في وقت لاحق ...« (34) .
وعلاء جبرا يختلف عن علاء منيف من حيث إنه يبدي حبا لعمورية،
يحن إليها إذا غاب عنها، لم يتركها بمحض إرادته وإنما بأمر من والده، وهو في
المهجر لا يخفي كآبته لوداع عمورية، خاصة عندما يحاصره البرد والعتمة، فتغدو الشمس
حلما ويصبح الدفء أمنية .
»العيش في المدن في المدن الباردة المعتمة يولد
في النفس رغبة غير محدودة في إقامة توازن من نوع ما مع الطبيعة، توازن يواجه
البرودة والعتمة، إذ ما كنت أفتقد عمورية، أو ما كادت عمورية تبتعد، حتى داهمتني
البرودة والعتمة، بدت لي الشمس حلما، وأصبح الدف أمنية ... « (35) .
إن هذا العشق الصوفي بين علاء جبرا وعموريته
يجعلنا نميل إلى التأكيد بأن عمورية ما هي إلا فلسطين الضائعة، فلسطين الحلم
والجرح.
- نجوى جبرا :
كانت نجوى جبرا تسيطر على علاء سيطرة مطلقة،
وذلك لجمالها الذي يثير غرائز الموتى وأنوثتها التي لا تقاوم، حتى ذكرياتها لم تكن
تفارقه .
»..
أما إذا نظرت بتلك الطريقة التي نظرت بها أول مرة، فيجب أن أفعل شيئا مجنونا كان
شيء ينفجر، يتمطى كشيطان، يمد لي لسانا ساخرا، إذا وجدني ساكنا، ودون انتظار
انقذفت كالسهم أحارب، ولشد ما حاربت وخسرت، حتى الخسارة كانت لذيذة معها، كنت
أقامر بكل شيء من أجل أن ترضى، أن تضيء عيناها، خسارتي هي الشيء الوحيد الذي كان
يرضيها ... وأخسر ... وأخسر، لا لم أخسر مرة واحدة، كنت الرابح دون توقف، يدها وهي
تشتعل حول عنقي، صدرها وهو يخنق بذلك الترقيم العجيب، بشرتها البيضاء المزروعة في
ذاكرتي إلى الأبد« (36) .
إن هذا الوصف الباهر يدفعنا إلى التساؤل: أي
نوع من النساء تكون نجوى هذه ؟ هل هي ملاك ساحر ؟ جبار تحارب بجسدها وبنظراتها،
حتى الخسارة معها هي الربح الوحيد، لقد سيطرت نجوى على عقل وقلب علاء، وجعلته
أسيرها الأبدي، لا يقتنع إلا برضاها، ولا يحس بالوجود إلا إذا احتوته وذاب في
كيانها . نجوى لا يمكن أن تكون عند علاء جبرا إلا صورة لفلسطين القوية الصامدة.
»
إذا كان لها أن تموت، فهي قد ماتت، وإذا كان لي أن أكون القاتل، فأنا كنت القاتل
... كان كل شيء يجري، وكأنه قد خطط له منذ زمن بعيد، وها هو الآن ينفذ بشراسة، نعم
بحماقة، نعم . ولكن برضا أيضا ... أنا لم أفهمها قط منذ يوم عرفتها . كنت أتصور
أنني أفهم ما تقول وما تبغي، وما تفعل، وأنا في دخيلتي أعلم أنني أكذب على نفسي
وأكذب عليها، أو أنني لم أكذب عليها، وإنما رضيت، وتمتعت، بأن أتفق مع هواها . ربما
هي التي كانت تكذب على نفسها، وتكذب علي، دون أن تدري، أو ربما كنا كلانا صادقين -
صادقين حتى الموت« (37) .
لقد اعترف علاء بأنه من قتل نجوى، وفي اعترافه
بقتلها نفي للقتل بالمعنى المباشر، بمعنى أنه أطلق الرصاص عليها، وإنما أنه قتلها
لأنه منحها حبا مقدسا سممها به فماتت، نجوى جبرا هي فلسطين، وقد جعلها الكاتب قوية
لأن فلسطين قوية رغم المؤامرات المحاكة حولها؛ إلا أنها ظلت شامخة . وكما انتصرت
نجوى التي أرادت أن تحيا لتعيش حرة، فماتت حرة فهي التي اختارت أن تموت بهذه
الطريقة ما دامت قد اختارت سلوكها وطريقها وحتى موت نجوى انتصار لها ولحريتها؛
لأنها ماتت وهي تنعم بآخر إحساسها باللذة بين أحضان حبيبها علاء . لقد غدت فلسطين
حلما في قلب كل إنسان عربي شريف، حلما لا يمكن أن يموت .
الإحالات والمراجع :
1 - عبد الرحمن منيف، سيرة مدينة، المؤسسة العربية للدراسات
والنشر، ط 1، 1994، ص 253 .
2
- عبد الرحمن منيف، حوار أجرته معه سلوى النعيمي، مجلة الجديد، عدد 12، 1996، ص 10
.
3
- عبد الرحمن منيف، بين الثقافة والسياسة، المركز الثقافي العربي، ط 1، 1998، ص
176.
4
- المصدر نفسه، ص 176 - 177 .
5
- المصدر نفسه، ص 230 .
6
- جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف، عالم بلا خرائط، المؤسسة العربية للدراسات
والنشر، ط 2، 1992، ص 84 .
7
- انظر شاكر النابلسي، جماليات المكان في الرواية العربية، المؤسسة العربية
للدراسات والنشر، ط 1، 1994، ص 161 .
8
- غاستون باشلار، جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، ط 2، 1984، ص 145 – 146.
9
- جبرا إبراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف، عالم بلا خرائط، ص 82 .
10
- المصدر نفسه، ص 29 .
11
- المصدر نفسه، ص 17 .
12 - عبد الرحمن منيف، الكاتب والمنفى (هموم وآفاق الرواية
العربية) تقديم محمد دكروب دار الفكر الجديد، بيروت، ط 1، 1992، ص 171 .
13
- شاكر النابلسي، جماليات المكان في الرواية العربية، ص 59 .
14
- الرواية، ص 79 .
15
- المصدر نفسه، ص 82 .
16
- المصدر نفسه، ص 83 - 84 .
17
- ريتشارد شاخت، الاغتراب، ترجمة يوسف حسين، منشورات المؤسسة العربية للدراسات
والنشر، ط 1، 1980، ص 133 .
18
- الرواية، ص 95 .
19
- المصدر نفسه، ص 93 .
20
- المصدر نفسه، ص 81 .
21
- عبد الرحمن منيف، سيرة مدينة، ص 5 .
22
- الرواية، ص 310 .
23
- المصدر نفسه، ص 312 .
24
- المصدر نفسه، ص 326 .
25
- المصدر نفسه، ص 311 .
26
- المصدر نفسه، ص 311 .
27
- المصدر نفسه، ص 311 .
28
- المصدر نفسه، ص 354 .
29
- المصدر نفسه، ص 383 .
30
- المصدر نفسه، ص 85 .
31
- المصدر نفسه، ص 85 .
32
- المصدر نفسه، ص 86 .
33
- عبد الرحمن منيف، سيرة مدينة، ص8- 7 .
34
- المصدر نفسه، ص 85 .
35
- المصدر نفسه، ص 87 .
36
- المصدر نفسه، ص 15 .
37
- المصدر نفسه، ص 12 .
نصوص مترجمة
بين خطـاب السلطة والنقد الاجتماعي
بقلم:
دبي كوكس*
يُعتبر
الطاهر وطار من بين أهم وأشهر الروائيين وكتاب القصة القصيرة باللغة العربية في
الجزائر، وعسى أن يكون أشهر كاتب
جزائري ناطق بالعربية على مستوى العالم العربي. كما تعتبر
الروايتان اللتان أصدرهما المؤلف في سنة 1974 من بين المحاولات الروائية الرائدة في جزائر ما بعد الاستقلال،
حيث تلت هاتان الروايتان مباشرة صدور رواية "ريح الجنوب" لعبد الحميد بن
هدوقة في سنة 1972 والتي تعتبر أول رواية عربية في الجزائر تحقق نجاحا معتبرا
وتنال إعجاب النقاد وتقديرهم. وفي سنة 1975 ينهي الطاهر وطار روايته الثالثة
"عرس بغل" التي صدرت في أول الأمر في بيروت في سنة 1978 ثم أعيد طبعها
في الجزائر في سنة 1980. ويقوم وطار
بعد ذلك بنشر أربعة روايات أخرى،
كما يُصدر عدة نشرات ومجلات أدبية من بينها مجلة مزدوجة اللغة بعنوان
"التبيين". كما عُيّن
الكاتب أيضا مديرا للبرمجة بالإذاعة الوطنية كما أن له اهتمامات بالمسرح. ولكن الطاهر وطار تحول في الآونة الأخيرة
إلى شخصية مثيرة للجدل بسبب انتقاداته العلنية لبعض الكتاب الفرنكفونيين وموقفه
الغامض والمتناقض من الاعتداءات التي طالت بعض المثقفين والتي نفذتها الجماعات
الإسلامية المسلحة.
ويعتبر
عنوان هذه الدراسة بمثابة نقطة الانطلاق للبحث في طبيعة ارتباط أعمال أدبية معينة
كتبت باللغة العربية بالإيديولوجية السياسية التي تبنتها الدولة الجزائرية في
السبعينات. والذي لاشك
فيه أن أعمال وطار هي ذات طابع إيديولوجي حيث تضمنت خطاب الثورة الثقافية ووصاية
الدولة على النشر، ومن هذه
الزاوية يمكن القول أنها بمثابة استجابة للخطاب السياسي للنظام. ولكن
المتأمل لأعمال وطار سيكتشف، في مقابل هذا التضمين الإيديولوجي عناصر من الواقع
الاجتماعي تتعارض مع الخطاب السياسي للدولة وكل ما يسير في اتجاهه. غير أن تحديد
درجة النقد الاجتماعي في أعمال وطار أثار مجموعة من التساؤلات حول هذا التناقض
الموجود بين هذا النقد للسلطة ونشر تلك الأعمال باعتبار أن الفترة التي تم فيها
النشر تميزت بسيطرة الدولة على هذا القطاع. ولعل الإجابة على هذا السؤال تكمن في
دراسة العلاقة بين أعمال وطار والسياق التاريخي والسياسي الذي أحاط بتأليفها
ونشرها. كما أن إعادة النظر في هذه الأعمال الآن، وقد تغير الوضع السياسي، سيفضي
لا محالة إلى نتائج وتأويلات جديدة تختلف عن تلك التي تزامنت مع صدور تلك الأعمال.
لقد تميزت مرحلة ما
بعد الاستقلال في الجزائر كما في باقي الدول التي حصلت على استقلالها بتركيز
الدولة على إحكام قبضتها على الحياة الاجتماعية والسياسية وما إلى ذلك. وبأخذ مجموعة
من المعطيات بعين الاعتبار، مثل الانقسامات التي حدثت في صفوف الحركات الوطنية،
فإن اهتمام الدول انصب بالدرجة الأولى على تقوية أجهزتها وتدعيم الوحدة الوطنية
وإرساء الاستقرار وبسط سيطرتها على مناحي الحياة المختلفة. وكانت النتيجة الحتمية
لذلك بروز دولة ديكتاتورية تقوم على مركزية القرار ونبذ التعددية والاستحواذ على
جميع أشكال النشاط السياسي. وإذا كانت
شرعية هذا النظام قد قامت على مشروع التنمية السريعة للبلاد فإنها، من جهة أخرى، قامت أيضا – وما تزال تقوم– على مكتسبات
الثورة والقيم التي ساهمت في توحيد الشعب الجزائري وتعبئته أثناء الحرب
التحريرية. ويقول "روجر أون Roger Owen" في معرض حديثه عن دول المشرق : "لقد أعطت سيطرة الدولة
على التعليم والإعلام القدرة على تأسيس وحدة إيديولوجية على مستوى خطاب شمولي وسكوني
مبني على المفاهيم الوطنية والاشتراكية العربية والشعبوية التي أبعدت أوكتمت نفس
المفاهيم السياسية البديلة كما وضعت لأي نقاش أوحوار ".
وإذا كان الوضع في الجزائر لا يختلف عنه
في البلدان الحديثة الاستقلال فإن ما ينفرد به يكمن في البعد اللغوي الذي احتل
حيزا كبيرا في الإيديولوجية السياسية بحيث كان التركيز كبيرا على قضايا الثقافة
والهوية. وهكذا كانت " الثورة
الثقافية " أداة لاسترجاع الهوية والكرامة التي فقدت أثناء الاستعمار
الفرنسي. وقد كان الإسلام، إلى جانب
اللغة العربية، يشكل جوهر هذه
الهوية التي جمعت شمل الجزائريين أثناء الحرب التحريرية باعتبار أن هذين العنصرين
كانا يشكلان عنصر فصل وتمييز بين الأهالي والمستعمر الفرنسي. أما في فترة ما بعد
الاستقلال فإن هذا العنصر أصبح يشكل همزة الوصل بين النظام السياسي الحاكم والشعب
كما يشكل أيضا عامل توحيد وتماسك للمجتمع. أما المحرك الآخر للثورة الثقافية فقد
تمثل على الخصوص في مشروع التعريب. ولابد من التنويه في هذا المضمار بأن التعريب
كان أيضا من الوسائل التي استعملتها الدولة من أجل الحفاظ على الاستقرار والوحدة
الوطنية. والواقع أن مشروع التعريب كما تبنيه الدولة لم يكن مشروعا واضح
الأفق، بمعنى أن الغاية منه لم تكن
واضحة ومحددة، على عكس ما كان عليه
الوضع إبان الاستعمار حيث ساهمت نخبة عربية الثقافة في قولبة وتشكيل تلك الغاية
عندما أحست بالخطر الذي أصبحت تمثله اللغة الفرنسية. وإذا كانت اللغة العربية قد
تحولت إلى رمز للهوية وللانتماء إلى تاريخ مجيد وحافل بالانتصارات وإلى وسيلة لحفظ
القيم الإسلامية من الشوائب وهوما أدى إلى ربط هذين العنصرين ربطا لا فكاك فيه،
فإن ذلك قد تم في ظروف تميزت بالصراع بين هذا المشروع والثقافة الوطنية التي كان
النظام يدعولها. وكمصدر للشرعية فقد تم إعلان اللغة العربية لغة وطنية. وعلى هذا
الأساس تحولت اللغة العربية إلى مرآة عاكسة لوجهة النظر الرسمية للدولة. ويذهب
الكاتب واسيني الأعرج في هذا السياق إلى أن التقديس الديني للغة العربية قد تبعه
تقديس رسمي لها. كما يعلق " برينوإيتيان Bruno
Etienne " قائلا: " في
مشروع للتحديث والتطوير والعقلنة، اختار النظام السياسي في الجزائر التأميم والوعظ
والإرشاد". وفي هذا الإطار أُريد للأدب، المكتوب باللغة العربية على الخصوص،
أن يتمثل الخطاب السياسي الرسمي من وجهة نظر ثقافية وفكرية. وقد أدى هذا الوضع،
يُضاف إليه وصاية الدولة على النشر، إلى الاعتقاد بأن الأدب المكتوب باللغة
العربية في الجزائر قد سُخر لخدمة الإيديولوجية السياسية للنظام. ومن أمثلة الذين
ذهبوا إلى هذا نجد " ج. ب.
أنتليس J. P. Entelis " الذي كتب في سنة 1986 :" لقد حصل معظم المثقفين ذوي
المواهب الفنية والأدبية على مناصب مرموقة في الوزارات أين طُلب منهم توظيف الماضي
المجيد ورسم صورة الشعب البطل أثناء الحرب التحريرية بطريقة رومنطقية في القصص
والأشعار والسيناريوهات. كما أن تشجيع الدولة للكتابة حول الثورة الاشتراكية أدى
إلى بروز كتابات إيديولوجية مملة ولكنها عقيمة اتخذت من وصف الرقي الاجتماعي
والازدهار الاقتصادي هدفا لها. أما القضايا التي كانت تمس المجتمع الجزائري في
العمق مثل الوعي الاجتماعي والتضامن الإنساني الذي يتخطى الحدود المحلية وكذا وضع
المرأة في المجتمع بعد الاستقلال فقد عبّر عنها كلّها باللغة الفرنسية ".
غير أن رسم الواقع الثقافي في الجزائر على هذا النحويحمل
في ثناياه، إلى حد ما، تبسيطا مبالغا فيه لقضية تمثل الأدب لإيديولوجية سياسية
معينة. كما أن المقارنة التي أُجريت بين الأدب الناطق بالعربية نظيره المكتوب
باللغة الفرنسية تحمل في ثناياه مغالطات نقدية لأنها صادرة عن نقاد يفضلون الأدب
الناطق بالفرنسية في الجزائر. كما تعتبر هذه المقارنة خاطئة لأن السياق مختلف ولا
يمكن الحكم على العمل الأدبي بمعزل عن البيئة الاجتماعية والثقافية التي أنتجته.
وكنتيجة لذلك فإن هذه المقارنة تتجنب موضوع تناول الكتاب لقضايا مجتمعهم من خلال
الخطاب السياسي الرسمي الذي تتم مناقشته أومعارضته. كما أنها تتجنب أيضا حقيقة أن
بعض الكتاب لهم القدرة على نقد الخطاب الرسمي من الداخل بغرض الوصول إلى هدفين
هما:إنتاج عمل أدبي نقدي اجتماعي من جهة، ومن جهة ثانية، تجنب الوقوع في شرك الرقابة. وهذه المسألة
بالضبط هي ما تحاول هذه الدراسة التعرض له بالتحليل والبحث في إمكانية وجود أدب
نقدي اجتماعي وحدود ذلك.
ومن وجهة نظر عامة فإن الإنتاج
الأدبي يتخذ من الخطاب السياسي الرسمي إطارا له. ولكن السلطة التي تروج لذلك
الخطاب ليست وحدة متراصة وبالتالي فإن ذلك الخطاب يصبح موضع تجاذب واختلاف بين
الفصائل المختلفة لذلك النظام بسبب تعارض المصالح. وعلى هذا الأساس فإنه يمكن
للنقد الأدبي أن يستثمر تلك الثغرات والفجوات الموجودة في الخطاب السياسي لدراسة
الأعمال الأدبية على ضوئها. والواقع أن هذا الخطاب لا يعرقل الإبداع الأدبي فحسب
بل أنه يؤدي به أحيانا إلى الثورة عليه. وهنا تظهر قدرة النظام الحاكم على الحفاظ
على وحدته وانسجامه الإيديولوجي. وعادة ما ينجح في هذا المسعى عن طريق طرح البدائل
السياسية، كما يذهب إلى ذلك " سطوري Storey "، والذي يضيف قائلا:" تدفع بنا النظرية الشمولية إلى
النظر إلى الثقافة على أنها خليط من النوايا والنوايا المضادة التي تأتي من فوق
كما قد تأتي من القاعدة لتخلق بذلك توازنا بين المعارضة أوالرفض والاندماج"(ص
122).
وقبل تعرضنا إلى
الأعمال الأدبية المراد دراستها ارتأينا أن نتناول بكثير من الاختصار بعض الموضوعات
الإيديولوجية التي قد يصبح الأدب أسيرا لها. وأود أن أشير هنا إلى دراسة "شارل بون Charles
Bonn "حول الروايات
المكتوبة باللغة الفرنسية والتي نُشرت من طرف مؤسسات عمومية في الجزائر. لقد كان
يُنتظر من الأدب ليس فقط أن يُحافظ على الوحدة الوطنية بل أن يتغنى بها أيضا. ولكن
هذه الوحدة كانت محل نزاع وتجاذب. في حين تم إقرار الذاتية والشفافية كدليل على
الأصالة، وأُفرغ التاريخ من محتواه ليتحول إلى مجرد أداة لتثبيت الوحدة
والتلاحم. أما الأدب فقد تحولت
وظيفته إلى تكريس محتوى وبنى الخطاب الإيديولوجي.
ويحتل موضوع المرأة
أهمية كبيرة في تشكيل بنية الخطاب وفي مسألة الهوية الوطنية. ويرى "مقدم Moghadam " أن تمثيل المرأة له أبعاد سياسية في مرحلة الصراع أوالبناء
والتشييد، كما أنه يستمد أهميته من كونه موضع خلاف بين الجماعات السياسية بما في
ذلك الحركات المعارضة( 1-2). بينما يرى "وودهول Woodhull " من جهة أخرى أن حرية المرأة قد تم دفعها ثمنا للوحدة
الوطنية من خلال خطاب إيديولوجي يحث المرأة على الحفاظ على القيم الأخلاقية
للمجتمع ". وهنا تم تكريس الدور الأخلاقي للغة العربية في ذات الخطاب.
وتتخذ رواية الطاهر
وطار " اللاّز " من أحداث 1958 إبان الثورة التحريرية خلفية تاريخية
لها. وبغرض التأكيد على ما قلته في السابق من أن الخطاب السياسي لا يلعب دور
المعرقل فحسب بل يكون أحيانا مناسبة لعرض وجهات النظر المخالفة، فإنني سأتوقف
قليلا عند الإهداء الذي تضمنته رواية " اللاّز ":" إلى جميع الشهداء
". وبطبيعة الحال أن معظم
الناس قد يمرون مرور الكرام على هذه العبارة باعتبارها جاءت في سياق الحديث عن
الحرب التحريرية التي هي موضوع الرواية. غير أن ما يثير الانتباه في ذلك كلمة
" جميع" التي وردت في هذه العبارة بالبند العريض. وفي رأينا أن هذه
الكلمة تحيل الى فكرتين تتمثل الأولى في أن إحياء ذكرى شهداء الثورة قد تم على
نحوانتقائي ومن هنا جاءت هذه العبارة لتصحح هذا الوضع وذلك بالتأكيد على أن
التخليد لابد أن يشمل جميع الشهداء وليس بعضهم فقط. أما الفكرة الثانية فتتمثل في
أن المؤلف بهذه العبارة يكون قد وضع روايته في إطار النقد الاجتماعي الذي يستهدف
الخطاب الإيديولوجي الرسمي الذي عمل، في المقابل، على تكريس فكرة الانتقاء في
التعامل مع موضوع شهداء الثورة. ويمكن القول أن هذا النقد جاء من الداخل باعتبار
أن صياغته جاءت في سياق عبارة يكرّسها الخطاب الرسمي كثيرا. وعلى خلاف كثير من
الكتاب والمثقفين فان الطاهر وطار بهذا الأسلوب ينطلق من فكرة أن العارضة لا تأتي
بالضرورة من خارج الجهاز بل قد تأتي من الداخل لتمثل وجهة نظر شخص ما أوجماعة
معينة قد تم إقصاؤها.
وقد يذهب البعض إلى أن
وطار يكون قد وضع في الحسبان قراءات متعددة لهذا التقديم مع أنه لم يبد اعتراضه
على التاريخ الرسمي للجزائر. ولكن هذا الخطاب يمثل من زاوية أخرى عبئا على الرواية
لأن مجرد توجيه النقد له لا يكفي للتدليل على استقلالية الرواية، لأنه، من جهة
أخرى، قد يُفسّر على أنه مظهر من مظاهر الدعاية التي تلجأ أحيانا إلى العبارات
الجاهزة، وهكذا يصبح هذا التقديم لرواية "اللاّز" مجرد إعادة صياغة
للخطاب الرسمي وأدبيّات الثورة الثقافية. وبهذا تكون هذه الرواية نموذجا للأدب
الوطني، من وجهة نظر رسمية، الذي يُؤازر السلطة من خلال نقده لها.
في بداية رواية
"اللاز" يوشي أحد المتعاملين مع الاستعمار، وهوبعطوش، باثنين من
المجاهدين هما قدور واللاّز. ويتمكن
اللاّز من إنذار رفيقه قدور الذي يفرّ إلى الجبال وذلك قبل أن يقع هونفسه في قبضة
العدوالفرنسي. ويفاجأ قدور بتصريح الجندي الذي يرشده إلى مكان وحدات جيش التحرير
عندما يصرّح له بأنه أصبح أسيرا لديه يفعل به ما يشاء. فهويستطيع أن يقتله بتهمة
الخيانة بالرغم من أن هذه التهمة غير صحيحة، كما أنه يستطيع أن يوصله إلى شاطـئ
الأمـان (الـرواية، ص 32 ). وهنا يتفتح وعي قدور على حقيقة الثورة التي تستطيع أن
تصنع تاريخها بنفسها كما تستطيع أن تصنع أبطالها وأعدائها. ولكن هذا قاد قدور في
النهاية إلى الاستنتاج بأن الثورة لا يمكن أن يُنظر إليها بمعزل عن الشكل الذي
ظهرت به في الواقع والإطار الذي وُضعت فيه. ومن هذه الزاوية تنطلق الرواية ليس من
مجرد سرد الأحداث التاريخية المتعلقة بالثورة بل من منظور إعادة كتابة ذلك التاريخ
بما يتضمنه ذلك من
محاولة ربط تلك الأحداث بالمستقبل السياسي للجزائر.
ومن هذه الزاوية ترفض
رواية " اللاّز " الخضوع للرواية الرسمية في كتابة تاريخ الثورة وتركز،
في مقابل ذلك، على الجوانب الخفية
منها في محاولة لتقديم سرد حقيقي وواقعي لما حدث بالفعل. وتتخذ الرواية شكل المقابلة بين الأحداث
كما وقعت فعلا والأحداث كما هي موظفة في الرواية الرسمية أوخطاب السلطة. وبعيدا عن
الإشادة بالوحدة الوطنية والدعوة إلى توحيد الجبهة تركز الرواية على مواطن
الاختلاف في صفوف جبهة التحرير الوطني إبان الثورة والثمن الذي تم دفعه من أجل
تدعيم تلك الوحدة. فالرواية إذن تركز على عناصر ذلك الخطاب الإيديولوجي الذي تبنته
السلطة والمتمثلة بصفة خاصة في عنصر الوحدة والهوية الوطنية والدين والتاريخ، وهي
عناصر اعتبرتها السلطة أمرا طبيعيا ومحتما على الجزائريين التمسك بها.
تتخذ الرواية من قرية
صغيرة مجهولة الاسم مكانا ومن منتصف الحرب التحريرية زمنا لها. وتركز الرواية من
البداية على العلاقة التي تربط بين اللاّز، الطفل غير الشرعي الذي يتحول مع مرور
الأيام إلى شخص مشاغب وصعب المراس، وزيدان المناضل الشيوعي والذي يقود وحدة من جيش جبهة التحرير الوطني متمركزة
بالقرب من القرية. وعندما يتم إلقاء القبض على اللاّز بفعل الخيانة فأن أهل القرية
لا يكترثون إلى مصيره. لقد كانوا يعتبرونه وصمة عار على جبين القرية بسبب ما تسم
به سلوكه من انحراف كاستهلاك الكحول والمخدرات ولعب القمار والاشتغال في الدعارة. والحقيقة أن الاسم الذي يتخذه
البطل (اللاّز) يشير مجازيا إلى معنين متناقضين:الدلالة على سوء الطالع والدلالة
أيضا على البطولة. وينطبق هذا التناقض في المعنى تماما مع الدور الذي يقوم به.
فهومن جهة يعتبر بمثابة سوء طالع في نظر سكان القرية، ولكنه من جهة أخرى، يتخذ من
هذه السمعة السيّئة وسيلة للتستر على نشاطه الثوري المتمثل في مساعدة المجنّدين
الجزائريين على الفرار من الثكنات العسكرية الفرنسية بفضل علاقته الوطيدة بالجنود
الفرنسيين الذين كان يتعامل معهم في أعمال الدعارة. وسرعان ما يشعر اللاّز بحاجة
ملحّة للالتحاق بصفوف جيش التحرير ليتخلص من عقدة الأصل التي ظلّت تلاحقه فتقرّب
من المناضل زيدان واقترح عليه قتل النقيب الفرنسي. ويغتنم زيدان هذه الفرصة لترشيد
اللآز في ميدان الكفاح المنظّم من جهة، ومن جهة ثانية ليبوح له بسر كان يحتفظ به
وهوأن اللآز، في الواقع كان ابنه، وقد حملت به إبنة عمّة زيدان التي تزوّج بها ثم
فرّا خارج القرية تجنبا لهجمة انتقامية لقوات الاحتلال. إن هذا الاكتشاف للأب
وللثورة معا هوالذي أحدث تغييرا عميقا في شخصية اللآز فتحول انحرافه وعنفه
التدميري إلى الكفاح المنظّم في صفوف الثورة. والواقع أن اللاّز وجد في شحص زيدان
الأب ومرشد الثورة، ويرمز اللآز من
هذه الزاوية إلى كل المحرومين (الرواية ص53 ) في حين يرمز زيدان إلى ضمير الثورة
ومرشدها إلى الخلاص.
وتتأكد هذه العلاقة الرمزية بين
اللاّز وزيدان من خلال المونولوج الذي يأتي على لسان هذا الأخير. إن اللاّز، وهوالابن غير الشرعي، يمثّل في الحقيقة إبن الشعب وإبن الفترة
التي عاش فيها. إنه ينتمي إلى جزائر الماضي بكل نقائصها وسلبياتها، ولكنه، في نفس الوقت، يحمل أيضا بذرة الغضب
والثورة التي جاءت نتيجة للإقصاء والتهميش والبؤس والأصل المشبوه.
وتظهر لنا ثورة اللاّز
كرد فعل ميكانيكي وطبيعي لوضعه الاجتماعي المزري على خلاف ثورة زيدان المثقف التي
جاءت ثمرة لسنوات من الدراسة والتكوين السياسي الشيوعي في فرنسا. وعوض أن
تكتفي بتمجيد بطولات اللاّز
وانخراطه في الثورة، تذهب الرواية إلى أبعد من ذلك عندما تلح على ضرورة وجود طاقات
سياسية قادرة على إحداث التغيير الحقيقي والفعال الذي يتجاوز الأفق الضيق المتمثل
في تحرير البلاد من الاستعمار. فعندما يفر اللاّز من الثكنات ليلتحق بزيدان كان
هذا الأخير بصدد تلقين تكوين ابنه سياسيا كما اعتاد المناضلون السياسيون أن يفعلوا
مع جميع أفراد الشعب. ولكن المفاجأة هي أن زيدان نفسه أصبح رهن تحقيق تقوم به جبهة
التحرير الوطني بدعوى انتمائه إلى الحزب الشيوعي الذي تعتبره خطرا على وحدة الجبهة
الثورية. ويُعدم زيدان، رفقة خمسة من المناضلين الشيوعيين الفرنسيين في صفوف جيش
التحرير، بتهمة الخيانة. لقد صُعق اللاّز وهويرى بأم عينيه أباه المناضل وقد أُعدم
فيصاب بالجنون وينسى كل شيء إلا عبارة ضلّ يرددها بين أصدقائه:
"ما يبقى في الوادي غير حجاره
"
إن زيدان ليس مجرد مثقف ثوري وأن
موته يرمز في الحقيقة إلى فقدان الثورة لرشدها ومسارها. لقد كان التأكيد على
الوحدة الوطنية على حساب حرية التعبير. لقد ناضل زيدان من أجل القضية الوطنية، لكن
انتماءاته الإيديولوجية تتجاوز الحدود الضيقة لبلد واحد. فثقافته كانت في الأصل
مزيج من العربية والفرنسية والروسية كما أن رفقاءه ينتمون إلى جنسيات مختلفة،
جزائرية وفرنسية وإسبانية، كما تدل تأملاته في كتاب " تيريز ديسكيروThérèse
Desqueyroux " لـ " مورياك
Mauriac " ومناقشته لرواية " همنغواي " " لمن تقرع
الأجراس " مع النقيب الإسباني وانضمامه إليه في غناء جماعي للاشتراكية
العالمية قبل موته، يدل كل ذلك على نزعته الاشتراكية العالمية. كما أن الإشارة إلى
الحرب الأهلية الإسبانية في الرواية تقوض في الواقع التأكيد الساذج على الوحدة
الوطنية وتطرح التساؤل حول الصراع الطبقي والإيديولوجي في الوطن الواحد.
وصفة أخرى تتميز بها
هذه الرواية هي الصورة التي قدّمت بها الدين الرسمي واستعمال اللغة الدينية كوسيلة
في الحرب التحريرية. لقد دلّت دعوة قائد الولاية للمتطوّعين الأوروبيين للدخول في
الإسلام على حاجة الثورة إلى شرعية دينية رغم تعارض ذلك مع تصوّرهم الخاص لهذه
الثورة. ونلمس هذا التعرض بين المفهومين عند زيدان الذي يستعمل لفظة " الثوار
" بدلا من لفظة " مجاهدين " كما أنه يستعمل تعبير " الرفيق
" بدلا من تعبير " آخ ". والأكثر من ذلك فأنه يقبل على شرب الخمر
وتناول السجائر ( التي منعتها جبهة التحرير أثناء الثورة ) في غير تردد مع رفقائه
الأوروبيين عندما جلبها له اللاّز أثناء تواجدهم في المغارة. إن تضحية زيدان من
أجل وطنه لا غبار عليها لكنه يرفض أن تُربط تلك التضحية بالدين. كما تبدوهذه
الرؤية النقدية للإطار الديني والأخلاقي الذي وُضع فيه الكفاح المسلّح من خلال ما
تجسّده الشخصيات الرئيسية في الرواية من مظاهر الخروج على الأعراف الاجتماعية.
فزيدان له ولد غير شرعي، كما أن حمّوأيضا أقبل على القضاء على ابنه للحفاظ على
علاقاته. أما قدور فهويزور خطيبته
سرا مغتنما فرصة نوم والديها أوسفرهما، ناهيك عن اللاّز الذي خرج عن جميع الأعراف.
والإشكال هنا أن هؤلاء الأبطال خدموا الثورة بطريقة ناجعة بعيدا عن اعتقادهم
الديني أوالتزامهم بالأعراف الاجتماعية.
والحقيقة أن الصراع
الذي صوّرته الرواية هوذلك الذي حدث بين إيديولوجية حزب الطليعة الاشتراكية، وهوالحزب الشيوعي السابق، وبين
إيديولوجية السلطة الحاكمة. وهكذا تشرح الرواية كيف أن ما قُدم على أنه شيء طبيعي
كان في الواقع شيئا مركبا. ومع ذلك فإن العلاقة بين الإيديولوجيتين لم تُصوّر على
أنها في تصادم مستمر بل أن الرواية تناولت هذه العلاقة برؤية نقدية في إطار
التأكيد على القضية الوطنية. والواقع أن تضحيات زيدان ورفقائه جاءت لتشكل أجزاء
اللوحة الكبيرة التي ترسمها الرواية للوطن من خلال مجموعة كبيرة من الرموز
والاستعارات التي يحاول من خلالها زيدان أن يؤكد على انتمائه كشيوعي. ومن خلال
واحدة من تلك الصور المجازية يشبّه زيدان الجزائر بسبخة ( مستنقع مالح ) في حالة
تغيّر مستمر عبر الزمن بسبب الأزهار التي تنمووتموت على سطحها من أجل أن تتمكّن
يوما من أن تصبح صالحة للحياة. أما زيدان ورفقاؤه فهم يمثّلون الأزهار التي تنموثم
تموت على سطح تلك السبخة. ولكن مع مرور الوقت يُؤدّي تحلّل تلك الأزهار الميّتة
إلى تغيُّر حال السبخة فتصبح تربتها صالحة فتمد بذلك الأرض الخصبة إلى الطفل ( هنا
رمز إلى الشعب أوالوطن ) لكي يتربى ويلعب وينمو. إن الصورة الرمزية للطفل الذي خرج
عن الحالة الجنينية تمتزج مع صورة السبخة ( الرواية ص109 ). ويعي زيدان نمووتطور
الأمة الجزائرية من خلال الصورة المجازية لآلام الطفل المتجدّدة؛إنه على الطفل أن
يرث جميع الخلايا، بيضاء، حمراء، أوحتى سوداء، إنها الأرومة الأصيلة التي تغذّت
بحليب الأم وليس من مادة اصطناعية ( الرواية، ص 109 ). والمعنى المتضمّن هنا هوأن
البلد المتخلف لا يستطيع أن يحقق تلك القفزة من حالته الراهنة إلى حالة المجتمع
الاشتراكي دون المرور بحقبة طويلة من الانتقال والتطور، كما أنه لا يستطيع أن
يتبنى قالبا ليس من تصميمه الخاص. وفي محاولتها لأن تصبح دولة حديثة فإن الجزائر
لا تستطيع أن تتنكر لماضيها، وبالتالي عليها أن تحمل ماضيها معها وتشق طريقها
الخاص في معركة التنمية. وبهذا ظهر
واضحا أن إلغاء الشيوعية شرط ضروري لاستكمال مسار التنمية الشاملة للبلد.
والرواية من هذه الزاوية لا تعطي
الأولوية للأمة فحسب بل أنها تؤكد على الخطاب الرسمي المتعلق بالهوية الوطنية
والعلاقة الأبوية بين الوطن والشعب. فالعلاقة الرئيسية في الرواية هي علاقة زيدان
باللاّز، أي علاقة الوالد بولده، وهي علاقة كفيلة بأن تحمل بذرة الأمل للوطن
والهوية والمستقبل. وفي نفس السياق، ولوأن النتيجة كانت معاكسة، يفقد حمّو الابن
الذي أنجبه في السرّ، ويرجع ذلك أساسا إلى القهر الذي كان يعانيه بسبب الفقر وسطوة
التقاليد والأعراف الاجتماعية. وواضح أن الرواية أعطت الأولوية للعلاقة الأبوية،
أي بين الابن وأبيه، على حساب علاقة الابن بأمه. وقد هُمّشت هذه العلاقة الأخيرة
عن طريق وفاة والدة اللاّز مريم في اللحظة التي يلتقي فيها الابن بوالده
زيدان. لقد فقدت مريم أومريانا
اسمها الحقيقي لأنها حملت بطفل غير شرعي وقد أخرسها النص الروائي فلم يرد أي
كلام على لسانها ولم تتفوه بكلمة
حتى في اللحظة التي قُتلت فيها. لقد صوّرت الرواية المرأة على أنها مصدر للعار
والشقاء: فلقد قتلت زينب نفسها بعدما اعتدى عليها أحد الخونة المتعاملين مع
الاستعمار. ونفس الشيء فعلته حيزية التي اعتدى عليها بعطوش بأمر من النقيب
الفرنسي. والواقع أن المرأة كانت تشكل دائما موضع اهتمام من طرف المجتمع باعتبارها
حاملة للهوية العرقية للوطن. فهي الوحيدة القادرة على ضمان أصالة المجتمع. وإذا
كان اللاّز يمثل الشعب والوطن فلأن أمه جزائرية الأصل بالرغم من أن ولادته كانت
غير شرعية في مرحلة الاستعمار، ولكن، رغم ذلك، فإن اللاّز نفسه يعتبر في نفس الوقت
خطرا على أصالة المجتمع، كما يذهب إلى ذلك "وود هول Woodhull " ( ص11 ). وبالرغم من أن النص الروائي يقدم بديلا آخر
للمرأة متمثلة بصفة خاصة في خليلة زيدان الفرنسية سوزان، فإن المرأة الجزائرية هي
التي أُسندت إليها مهمة المساهمة في معركة التحرير.
ومن خلال تبنّيها وتأكيدها على
القضية الوطنية فإن الرواية تقترح أيضا ربط ذلك التاريخ الذي صنعته الأمة في
الماضي بالحاضر. وتشير الرواية بطريقة ضمنية إلى أن تحرير الوطن ما هوإلا خطوة
صغيرة في طريق التغيير الحقيقي والجذري. وعلى هذا الأساس فإن تصوير الرواية للفساد
والانحراف الذي وقع بعد الاستقلال، حيث تحول الخونة والمتعاملين مع العدوإلى أبطال
في الوقت الذي تحول فيه الأبطال الحقيقيون إلى خونة وتم إعدامهم، وحيث بقي الفقير
فقيرا والمحروم محروما، لا يعني إلغاء مكسب الاستقلال ومعركة التحرير بل هودعوة
إلى تصحيح مسارها عن طريق إعادة كتابة للتاريخ. لقد فقد اللاّز عقله ولكنه بقي على
قيد الحياة وبهذا تبقى الإمكانية قائمة في أن يسترجع عقله باسترجاع حقيقة ماضيه
وأن يستعيد، ولوعلى مستوى الذاكرة، علاقته بأبيه وبالثورة التي اعتنقها. فالرواية
تؤكد على أن فهم التاريخ على الوجه الصحيح هومفتاح المستقبل، ولكن هذا الفهم
يتعارض مع ما ذهب إليه الرئيس بومدين من أن لحظة كتابة تاريخ الجزائر القريب لم
تحن بعد.
في مقدمته لرواية اللاّز ينوه وطار
بالحاجة إلى كتابة عمل يشيد بالانجازات التى حققتها بلاده بعد الاستقلال ووعد بأن
تكون روايته المقبلة حول موضوعات الثورة الجزائرية كما هي محققة في الميدان ( ص8
). وتسجل رواية "الزلزال
" فصول الثورة الزراعية من خلال شخصية أحد الملاّك الكبار الذي أصبح همه
الوحيد تجنب تبعات هذه الثورة والحفاظ على ممتلكاته وثروته. يأتي هذا الشخص، واسمه عبد المجيد بولرواح، إلى قسنطينة
بحثا عن أقربائه الذين لم يرهم منذ فترة ما قبل الثورة التحريرية بغرض تسجيل
ممتلكاته العقارية على أسمائهم وبالتالي إنقاذها من الوقوع في فخ التأميم. لقد كان
بولرواح، في الواقع، مدفوعا بالجشع والمصلحة الشخصية. وتظهر الرواية معاملة
بولرواح السيّئة لأقربائه الفقراء من خلال رفضه إقراضهم من ماله وشتمهم والاستيلاء
على أراضيهم. كما تظهر الرواية أيضا، من خلال تيار وعي بولرواح، حقد هذا الأخير
على الطبقات المحرومة من مجتمعه كما يتضح ذلك من سخطه على نزوح سكان الأرياف
بأعداد كبيرة إلى مدينة قسنطينة، وهي المدينة التي قضى فيها سنوات شبابه. إن
قسنطينة التي أصبح بولرواح ينعى تحوّلاتها هي تلك المدينة التي كانت النخبة
الجزائرية تتجول عبر مطاعمها وفنادقها الفخمة بصحبة أسيادهم من الفرنسيين. وهكذا
يبدولنا على المستوى السطحي أن بولرواح، الذي ينتمي إلى عائلة متعاملة مع
الاستعمار، أصبح يمثل الطبقة الإقطاعية المعادية للمصلحة الوطنية والتي استهدفتها
الثورة الزراعية.
لكن بولرواح كان يمثل أيضا نخبة
علماء الدين حيث كان يشغل منصب مدير مدرسة إضافة إلى كونه عالما من علماء الدين
كما يدل على ذلك ارتباطه بحركة ابن باديس الإصلاحية. عندما يتجول بولرواح في وسط المدينة فإن الكلمات التي تلتقطها
أذناه والخطبة التي يسمعها في المسجد حول يوم القيامة تثير في مخيلته أحداث زلزال
يقتلع الصخرة التي تقوم عليها مدينة قسنطينة فتغوص في قاع الوادى الكبير. كان بولرواح يتمنى وينتظر اليوم الذي
يُقضى فيه على تلك " الجماعات الفاسقة " التي استولت على المدينة.
والواقع أن النقد هنا موجه إلى
الطريقة التي أستُغل بها الدين من جانب نخبة محددة من أجل خدمة مصالحها وللحيلولة
دون أي تطور أوتغيير. ولكن الدين، الذين كان يتكئ عليه بولرواح في نقده
للمجتمع، قد وضعه، هونفسه، أمام الأمر الواقع حيث لم يخل ماضيه من
إثم وظلم في حق الناس، وكان على علم
بأن يوم الحساب لا بد آت لا محالة.
لقد كان بولرواح يخوض هوالآخر تجربة الزلزال عندما انقلبت حساباته رأسا على
عقب. وتوجه هذه الرواية نقدا أكثر
مباشرة للنخبة الدينية بالمقارنة مع رواية " اللاز ". فقد صيغ هذا النقد باللغة التي يستعملها
بولرواح نفسه، وهي لغة القرآن الفصيحة، بغرض قطع العلاقة بين هذه اللغة وتلك
النخبة الدينية.
وعلى غرار رواية "
اللاّز " تنتقد رواية " الزلزال " خطاب الوحدة القومية الذي تتبناه
السلطة نظرا لتعارضه مع الاختلافات الموجودة في التركيبة الاجتماعية للشعب كما
يتضح ذلك في واقع الحياة الاجتماعية التي يعيشها أهل المدينة، وهي المدينة التي يعيش فيها بولرواح. كما يتم التعبير عن هذه الاختلافات أيضا
من خلال الرؤى والأفكار التي تضطرب في وعي بولرواح عندما يكون متجولا في شوارع
المدينة. وهنا لا نلمس صدى لتلك الوحدة أوذلك المشروع المتعلق بالهوية أوأيّ أفق
آخر، ولكننا نسمع مجموعة متنوعة من
الأصوات تشكل الجوانب المتعلّقة بالواقع.
ويصطدم بولرواح بقضية الصراع الطبقي، لقد استشهد أخوزوجته الذي كان يشتغل حلاقاً، في حرب التحرير، كما أصبح أحد أقاربه ضابطاً في الجيش
بعدما خاض حرب التحرير الوطنية،
وهناك آخر ترك نشاطه الديني ليتحوّل إلى مناضل في نقابة العمال. لقد قضت التحوّلات التي جاءت بها الثورة
على آمال بولرواح في تحقيق مشاريعه لأنها منحت أقاربه ما يستحقونه من النفوذ
والنجاح، هؤلاء الأقارب الذين كان
بولرواح أنهم مدينون له بالجميل.
وتمضي الرّواية في
نقدها للنظام من خلال عرض الجوانب السلبية للحياة اليومية في المدينة والتي يرصدها
الكاتب من خلال تيار وعي البطل بولرواح.
فالقول أنّ بولرواح عدوالنظام يخفي في الحقيقة، حقيقة أنّ الواقع الجديد، بعد الاستقلال،
بدأ يظهر التناقضات والظواهر السلبية من تفشي الفقر في الأوساط الشعبية
وتنامي السوق السوداء والدعارة وغير ذلك مما يحجب مظاهر ذلك النحوالمطرد الذي
تتكلم عنه السلطة والمتمثل بصفة خاصة في بناء المدارس والمصانع. ومن وجهة أخرى، ترى في شوارع المدينة إشاعات عن حركة
القمع المنظم وتجاوزات موظفي الحكومة.
ولعل السؤال الجوهري الذي أصبح الناس يطرحونه هولماذا يسجن الاشتراكيون في
دولة الاشتراكية، ولماذ فرض على
النقابيين انتهاج السريّة في العمل.
ولكن وجهة نظر بولرواح تبيّن أيضاً كراهية وتوّجس النخبة في المدينة من
طبقة الكادحين في الأرياف، ومن هذه
الزاوية، فإنّ " عرس بغل
" من خلال غموض الرؤية فيها،
فتحت باب التأويلات والاجتهادات على مصراعيه، متجاوزة بذلك رواية " اللاز " في هذا المنحى.
لقد كان بولرواح يحاول دائماً إقامة
علاقات جديدة لسبب بسيط وهو أنه لم يكن له وريث من صلبه. لقد كان عقمه من هذه الناحية يرمز في
الواقع إلى زوال نفوذه وسطوته، لقد
كان هذا يدل أيضاً على أنّه ينتمي إلى الماضي الذي يجب دفنه، وهويمثل في الحقيقة زوال الطبقة
الاجتماعية التي ينتمي إليها ككل.
وتتقاطع هذه الصورة الرمزية لعقم بولرواح مع خطاب السلطة الذي كان يركز
كثيراً على الفحولة الذكرية وثقافة الإخصاب أين يكمن دور النساء بالدرجة الأولى في
الحفاظ على النسل الذكوري. ففي
الرّواية تظهر كضحايا السخط وغضب بولرواح بسبب عجزهن عن إنجاب الذكور. وتشير الرّواية إلى الوضعية المأساوية
للمرأة والظلم الاجتماعي الذي تعانيه،
ويبلغ ذلك أوجه من خلال الجرائم التي ارتكبها بولرواح في حقهن، وفي المقابل، فإنّ رد الفعل النسوي كان يتسم بالضعف بحيث جاء ذلك في شكل
تأنيب الضمير الذي يعاني منه بولرواح والذي يقود في الأخير إلى نهايته. ولعلّ أهم خاصيّة تتميّز بها الرّواية
أنّها أظهرت ضرباً من رهاب الاحتجاز ( أوهوالخوف المرضي من الأماكن المغلقة بحيث
يتم كل شيئ في جدرات البيوت والبنايات.
فالأحداث تتم روايتها من خلال حوار الأشخاص في شوارع المدينة، والمشاهد يتم تصويرها في معظم الأحيان بصورة خاطفة
وسريعة. وهذه العناصر متضافرة مع
تلاوة بولرواح المسخرة للقرآن الكريم،
زادت من غموض الرؤية الرّوائية وهوما فتح المجال لتأويلات عديدة لطبيعة
الصراع في هذه الرّواية.
وفي روايته الثالثة "عرس بغل"
يتناول الطاهر وطار مرةً أخرى موضوع تصادم الظاهري بالحقيقي. وتتخذ الرّواية من إحدى المواخير مسرحاً
لها، ومن عشية الاستقلال إطاراً
زمنياً، ومن العلاقات التي تربط بين
رئيسة الماخور وسماسرة الدعارة.
ويحيل عنوان الرّواية "عرس بغل" على الحفلة التي نظمت بمناسبة
توطيد العلاقة بين رئيسة الماخور،
العنابية، وأحد السماسرة
الشباب يدعى "خاتم".
والواقع أنّ ذلك الاحتفال الذي دام أسبوعاً كاملاً كان الهدف منه أن تتمكن
العنابية من جمع تبرعات وأموال تكفيها لإرضاء رغبات "خاتم" الكثيرة
ولتأمين علاقتها به. غير أنّ المومسات
الأخريات العاملات في الماخور كنّ يعتقدنّ أنّ خاتم يتضاهر بحبّه للعنابية بغرض
نهب ثروتها والأموال التي تحصل عليها من تبرعات الحفلة. وبالرغم من ذلك،
لم تستطع تعكير صفوالاستعدادات التي كانت جارية لإقامة الاحتفال. وفي غضون ذلك يتراجع حاج كيان، عشيق العنابية منذ الشباب، والذي كان يزور الماخور بانتظام في آخر
كل أسبوع، بعد خروجه من سجن كيان Cayanne
المعروف أين قضى ثلاثين سنة
سجناً، يتراجع عن مواجهة
"خاتم"، مؤثراً الانزواء
في إحدى المقابر التي كان غالباً ما يقضي فيها نهاية الأسبوع وحيداً يدخن الحشيش. وعندما بدأ حفل الزواج، أقدم "خاتم" بالفعل على خيانة
العنابية، ولكن كيان الذي كان يهيئ
نفسه للمواجهة، يتدخل في الوقت
المناسب ليؤثر على مجريات الأمور.
ولكن مجرد القراءة السطحية للقضية
لا تكشف في الحقيقة عن مغزى هذه الهوية – لقد عبّرت هذه
الرّواية عن الموضوعات والقضايا التي أرادت أن تثيرها من خلال الفصول والاستعارات
والمجازيات المختلفة، ومن خلال
استثمار التاريخ يتم استرجاعه من خلال هلوسة كيان نتيجة إدمانه. وهكذا تقدم لنا كل عنصر من عناصر
الرّواية جانباً خاصاً، لتشكل هذه
العناصر في مجموعها تشكيلاً درامياً ينفتح على تأويلات عديدة. فعنوان الرّواية " عرس بغل "
يشير إلى البون الموجود بين المظاهر والحقيقة، لأنّ العمل الخيري الذي قامت على أساسه الحفلة لم يكن سوى
ذريعة للعنابية للارتباط بخاتم، هذا
الارتباط الذي كان هوالآخر ارتباطاً مزيّفاً. لقد كان الزواج بالعنابية وخاتم مجرّد خدعة، أوهوزواج المغفلين. والواقع أنّ عنصر المظاهر والحقيقة الذي
يشير إليه عنوان الرّواية يمكن أن ينسحب على تاريخ الجزائر إبان الاستعمار بحيث
اصطبغ هذا التاريخ بالزيف والخداع الذي خصّت به المؤسسة الاستعمارية لكنه، من جهة أخرى، قد يشير أيضاً من زاوية فكرية فلسفية، إلى تعارض الظاهري والحقيقي فيما يخص
التاريخ، ومن جهة ثانية، تدخل حاج كيان بهلوسته، تقدم الرّواية تحليلاً نقدياً للواقع
المعاصر أكثر رحابة في الزمان والمكان من مجرّد الإطار الخارجي للقصة الذي وضع في
الحقبة الاستعمارية. وتقدّم
الرّواية بطريقة رمزية نقداً إلى المجتمع الجزائري، بل وإلى العلاقات الأساسية التي تحكم أيّ مجتمع حديث، مع ما يتضمنه ذلك من مسائل، مثل إعادة إنتاج التاريخ وقضية
الهويّة.
وتفتح هذه الرؤية، في الواقع، أفقاً أوسع للنقد الاجتماعي من خلال تركيزها على مظاهر
التهميش، مثل الدعارة، وتعاطي المخدرات، وأيضاً من خلال تناولها للتاريخ الإسلامي
في علاقته المضطربة بالحركات الثورية.
وهي بهذا بعيدة كل البعد عن تمجيد الماضي الحافل بالإيجابيات. وهذه العناصر المختلفة والمتداخلة في
الرّواية هي الكفيلة، مجتمعة، بإعطاء الحقيقة الكاملة للمجتمع
الجزائري. لقد حملت هذه العناصر في
الرّواية نقداً اجتماعياً تعلّق بعضه بوضعية المرأة الجزائرية والتناقضات
الاجتماعية والنفاق الاجتماعي،
تعلّق بعضه الآخر بوضعية الشعب الذي قُلّص دوره إلى مستوى البضاعة في مجتمع
محكوم بقانون السوق وكذا القلق الاجتماعي الذي تسببه نظام ديكتاتوري صارم فرض
مزيداً من القيود كما رفض أي نوع من أنواع الاستقلالية في التفكير وما إلى
ذلك. ولكن الأهم من ذلك كله أنّ
الرّواية تطمح من وراء ذلك إلى الإلمام بموضوع مركزي هوالصدام بين المثالية
والواقعية، النزعة الروحية والنزعة
الدنيوية، في عالم تحدّه النظم
الأخلاقية الإنسانية. وقد تناول
المؤلف هذا الموضوع من خلال تجربة الحاج كيان وأيضاً من خلال التاريخ الإسلامي
وتاريخ الأدب العربي عن طريق توظيف شخصية المتنبي وحمدان قرمط وأحداث ثورة
القرامطة على الخلافة العباسية ،
وخطابهم السياسي الذي طالبوفيه بالمساواة وأيضاً ثورة الزنج.
والواقع أنّ اضطراب أسلوب
الكتابة الرّوائية في هذا العمل وتجاوزه لأحادية الزمن والفضاء من خلال هلوسة بعض
الشخصيات ساهم في حدّ ذاته في التأكيد على التحدي الذي تشكله تلك الفصول التاريخية
للجزائر بالنسبة لأيّ فكر سياسي وحدوي.
لقد كان التركيز في هذه
الرّواية على مقتطفات من التاريخ ترجح ظاهرة الانقطاع وانعدام التواصل أكثر من
الوحدة والانسجام، والتجزؤ أكثر من
التكامل. وبناء الرّواية نفسه يتسم
بلا انقطاع والتجزؤ حيث يتراوح بين مشاهد داخل الماخور ومشاهد أخرى من خلال رحلة
الحاج كيان في المكان والزمان. كما
تعتبر هذه الرّواية من خلال غموضها وتعقيدها – عن رفضها لمبدأ
لأحادية الواقع والحقيقة. ويتضح هذا
الطرح أيضاً طرح غياب التواصل، من
خلال الصورة الكاريكاتورية التي يرسمها المؤلف لشخصية الحاج كيان الذي يجمع بين
المتناقضات. فهوإلى جانب تخرجه من
جامع الزيتونة وتكوينه التقليدي،
يقضي هذا العالم ثلاثين سنة من الأعمال الشاقة في سجن كيان Cayanne بتهمة القتل، وهي تهمة ملفقة، وأيضاً فإنّ الاسم الذي يحمله (كيان )
يحيل على معنى الكون والوجود، وتسمع
فيه صدى هلوسته بفعل المخدر ونقده للعلاقات المادية. والواقع أنّ أسلوب الرّواية الساخر كان من هذا المنظور، موجهاً
لخدمة هذا الغرض المتمثل في تعويض النظرة الأحادية والشمولية لأنها نابعة في
الغالب من عوامل الانفصال وغياب القيم.
لقد ذهب وطار، في عرس بغل
بعيداً عن حدود الخطاب الإيديولوجي للسلطة،
ومع ذلك، فإنّ هذه الرّواية
تعبر عن وجهة نظر مستقلة للكاتب باتخاذ موقف يهدف إلى إيجاد تسوية للنزاع بين
الخطاب الرسمي للدولة والطروحات
الراديكالية بحيث تعمل هذه الطروحات في حدود ذلك الخطاب.
ففي حين تقدم هذه الرّوايات
عناصر من الإيديولوجيات السياسية للسلطة كبدائل ممكنة، أوعلى الأقل، أنها تحتمل
قراءة تتماشى مع الخطاب الرسمي، إلا أنها،
في الوقت نفسه، تحمل نقداً
لتلك الإيديولوجيات من حيث انغلاقها على نفسها ونزوعها إلى الانسداد من جهة، ومن جهة ثانية وجود فجوة هائلة بين
أهدافها التي تسعى إلى تحقيقها وواقع الشعب المزري. وإذا نحن أردنا التخصص أكثر حول مضمون هذه الرّوايات فإننا نرى
أنّ رواية " اللاز" تحاول أن
تقف إلى جانب الثورة والوطن،
بينما تتكئ رواية " الزلزال" على غموض السرد فيها لطرح وجهة نظر
شخصية معادية للنظام بغرض تعويض المشروع الإيجابي الذي نلمسه من خلال دعم الثورة
الزراعية في حين رواية " عرس بغل " حكاية رمزية تنفتح على قراءات متعددة والتي تحمل
في نفس الوقت نقداً اجتماعياً
ضمنياً وتتجاوز أيضاً حدود الزمان والمكان ولا تبتعد عن الواقع في حدّ
ذاته.
ولعل هذا المخطط التفصيلي يطرح السؤال
الجوهري حول الأسباب التي أدّت إلى قبول نشر هذه الرّوايات مع ما تحمله من نظرة
نقدية للإيديولوجيا الرسمية. ويبدوأنّ هناك عوامل عديدة لذلك. ولعلّ أولى تلك العوامل
أنّ هذه الرّوايات نشرت في الفترة التي أعقبت الثورة الزراعية. وعلى هذا الأساس
فقد منح هواري بومدين حرية أكثر للمنظمات والجماعات اليسارية التي تساند النظام وذلك لمواجهة معارضي الثورة
الزراعية داخل النظام وخارجه، وفي
هذا المضمار، تحالف حزب الطليعة
الاشتراكية مع النظام أودعم الإصلاحات الاقتصادية باعتبار أنّ هذه الأخيرة كانت
تشكل دائماً المشروع المركزي لهذا الحزب اليساري الذي يسعى لمناهضة الإمبريالية
ودعم الإصلاحات الاجتماعية. لقد
كانت فترة التعبئة هذه بما منحته من حرية نسبية في التعبير بالنسبة لمناضلي اليسار
بمثابة الفرصة السانحة للكاتب الرّوائية كما هي ممثلة في كاتبين اثنين الطاهر
والطار وبن هدوقة، وأيضاً بمثابة
برهنة على الطريقة التي تنموبها حرية التعبير في خضم الصراعات داخل النظام السياسي
والمجتمع ككل. لقد جاءت رواية اللاّز، من هذه الرّواية، لتظهر الخلافات
الموجودة في تلك الفترة من خلال طرحها لإمكانية التعبير الحر في تقديم قراءة نقدية
لتاريخ الثورة التحريرية، وفي نفس
الوقت، للمساهمة في إرساء المصالحة
على أرضية الوفاق الوطني ومعاداة الإمبريالية التي تشكل المشروع الأساسي للنظام
الحاكم. ويؤكد وطار في إحدى
حواراته، أن قضى الأسبوع الذي تلى
نشر هذه الرّواية وهويتوقع، طول
الليل، الضرب على الباب، وصرّح بأنه لم يكن يصدّق أنّ عمله
التوفيقي أصاب الهدف. وإذا كانت في
تصريحاته هذه بعض المبالغة في تضخيم الأخطار التي تعرّض لها بغرض تلميع
صورته، فإنّ المؤكد هوأنّ عمله
الرّوائي تضمن بالفعل عنصر المصالحة كما تضمن، إلى جانب ذلك النقد الاجتماعي.
ويمكن قراءة أعمال
وطار أيضاً على أنها استجابة لحاجة الدولة إلى إنتاج ثقافي يمنح الشرعية لمشاريعها
الثقافية ويؤكد نجاح التعريب.
والواقع أنّ الدولة كانت بحاجة إلى دليل مادي ملموس على التزامها بالثقافة
الوطنية بغرض دعم مشروعها الإيديولوجي والسياسي. وفي هذا المضمار يمكن النظر إلى الرّوايات – وخاصة منها تلك
التي يصفق لها النقاد العرب – على أنّها نماذج
للأدب الوطني، وهي وجهة النظر
الرسمية التي عبّرت عنها السلطة عن طريق النقد الأدبي ووسائل الإعلام. لقد نظر الإعلام والنقد الأدبي إلى تلك
الرّوايات على أنها تسجيل لكفاح الجزائر البطولي وتضحياتها في الحرب، أوإشادة بالثورة الزراعية. لقد جاءت رواية "عرس بغل" لترد
على هذا التبسيط بالذات وترفض الانتماء إلى ذلك الشبه الغريب بين موقف وطار الخاص
وموقف زعيم القرامطة الذي كان مناسبة لسرد مفاخر ومحاسن البلاط. إنّ اندماج هذه النصوص في تلك السلطة
يضعف خاصيتها النقدية، ولكن، في الوقت ذاته، يمكن القول أنّ مجرّد تصنيف هذه النصوص
في خانة النقد الاجتماعي وأنها نشرت،
يمكن أن ينظر إليه على أنّه دليل إلى قبول السلطة للنقد بغرض تمكين نفسها
من انتزاع الشرعية من تلك النصوص التي تتبنى مواقف سياسية معارضة لها.
لقد كان لإدماج السلطة
للأعمال الرّوائية انعكاس على تلقيها وتقييمها من الناحية النقدية. فالعلاقة القائمة بين مضمون هذه
الرّوايات والمشروع السياسي في فترة محدّدة كان له انعكاس علىمقروئية هذه الرّوايات
وبالتالي حدّ ذلك من دورها كقوة محركة من أجل التغيير. ولا غرابة فإنّ قراءة هذه الرّوايات كان ينحصر في النخبة
المتعلمة التي كانت لها مصالح حيوية ويد في السلطة، على عكس الشرائح الأخرى التي حرّمت من تلك الامتيازات. وقد قاد هذا النقاد الشباب إلى التأكيد على أنّ روايات وطار لم تغيّر شيئاً
من الوضع القائم بل كل ما فعلته أنها ساعدت القراء على إفراغ إحباطاتهم السياسية في ظل نظام
ديكتاتوري. وفي مقال له بعنوان : "هل
يمكن دفن الطاهر وطار؟ " يقدّم وجهة نظره بالقول إنّه في فترة نهاية
الثمانينات التي تميّزت بحرية كبيرة في التعبير يقدّم لنا وطار – روايات مبالغة في
محاولة تأسيسها لأدب إيديولوجي، وفي
تبنيها للاشتراكية والالتزام التقدمي،
ومبالغة أيضاً في تقمصها لرداء واقعية إيجابية تقليدية تجاوزها الزمن.
والواقع أنه لا يمكن في هذه
العجالة، الغوص في تفاصيل القيمة النقدية لهذه الأعمال، ولكن يمكن وضع بعض النقاط على الحروف.
وأولى تلك النقاط أن الترحيب الذي لعبته تلك الرّوايات في الوطن العربي يضع حدا
لأي محاولة تستهدف إلغاء قيمتها الأدبية.
لقد أُعتُبر وطار مجددا في الكتابة الروائية في ضوء النقد الأدبي ذي الاتجاه
اللبرالي الإنساني. ويرى الناقد حافظ صبري أن روايات الطاهر وطار تصب، من منظور واقعي مادي، في اتجاه الإلحاح
على أهمية الإنتاج الأدبي العربي التقدمي في مسار ينأى بنفسه عن مرجعيات النصوص
الطليعية. وما يجب التنويه به هنا
أن هذه الروايات لم تكن ثمرة معارضة أومناقشة لخطاب السلطة فقط، لأن هذا الخطاب لا يشكل، في واقع
الأمر، سوى عنصرا من مجموعة عناصر
مشكلة للنتاج الأدبي. ومن بين تلك العناصر نجد السياق التاريخي العربي والدولي،
وحضور تمارسه إيديولوجيات تابعة لجماعات أخرى فاعلة في الساحة السياسية وخارجة عن
مؤسسة السلطة مثل الأحزاب الإسلامية المعارضة. وهكذا يتكشف لنا أن ما يمكن اعتباره اندماجا في خطاب السلطة في
السياق الجزائري لا يعدوأن يكون رفضا للإمبريالية والمد الرأسمالي في السياق
الدولي. وهنا يرى أحمد حجاز
أن رفض بعض النقاد لرؤية وطار
الاشتراكية والقومية في سياق مثل هذا كانت في الحقيقة نتيجة الانحصار أوفشل
المشروع الاشتراكي في العالم الثالث وتراجع الإيديولوجيات التي صاحبت ذلك
المشروع.
وحول السؤال الذي
طرحناه منذ البداية، فيما إذا كانت
أعمال وطار تتضمن نقداً اجتماعياً أم تعبيراً عن وجهة نظر السلطة، فإننا نميل إلى الاعتقاد بأن هذه الأعمال
تضمنت العنصرين معاً وذلك تعبيراً عن الظروف التاريخية التي أنتجتها، التي تميّزت
بتوفير حرية نسبية في التعبير، كما
عبّرت أيضاً عن طبيعة التلقي التي كانت محكومة بها. لقد مكن تبني وطار للقضية الوطنية ولمفهوم خاص للقومية والهوية
الوطنية من تقديم رؤية نقدية اجتماعية أو وجهة نظر لامست وجهة نظر السلطة، فجاء نقده الاجتماعي يتسم بالتصدع. ويبدوأن التحليل الذي قدّمه أحمد حجاز
لكتابات وطار السياسية الصريحة أحسن تقييم لتلك الأعمال وأوفى شرح للسياق التاريخي
الذي أنتجتها، عندما يقول :
"في رأيي أنّ الكتابة السياسية لا تعني دائماً المعارضة، بل تعني أحياناً التضامن، وأنّ ما يثير الجدل أكثر ليس التنديد
بالمستبدين والإشادة، في مقابل
ذلك، يقيم علاقة أخلاقية عامة، بل أنّ الصعوبة تكمن في تبني وتطبيق مبدأ
معين يصب في مسار التضامن مع جماعات من الأفراد تتسم بالتصدع والبطولـة (الملحمية)
والتي هي فاعلة في ذلك التاريخ، من
موقف اجتماعي أو سياسي محدّد.
الملــــف
الجزائر – مقر الجاحظية : 22-24 جويلية 2000
علي ملاحي
حاول
الباحث "علي ملاحي" تقديم قراءة نقدية للمفاهيم النقدية الجديدة التي
تسعى إلى اكتشاف عالم النص الأدبي وقوانينه التي تحركه. ثم ينتقل للحديث عن ظهور
هذه المفاهيم النقدية وتداولها للتأكد من الحقيقة الاصطلاحية لها.
ويعاين
الباحث الواقع النقدي العربي، اعتمادا على توجيهات الدكتور والناقد صالح فضل،
لدراسة تلك القراءات النقدية العربية للنص الأدبي (بكل أنواعه وأشكاله) ساعيا إلى
تبيان مدى استثمار واستيعاب النقد العربي للمفاهيم النقدية الجديدة بكل مناهجها.
هذه التقاليد النقدية
تحولات المفهوم النقدي:
"العملية النقدية ليست تطبيقا آليا لمنهج مرسوم، ولا تنظيما عقليا
لمقدمات تحددت نتائجها سلفا، ولا تبريرا مزينا لأحكام تعسفية، وإنما هي مغامرة
محسوبة، ومحاولة منظمة لاكتشاف عالم النص الأدبي والقوانين التي تحكم حركته…"(1).
بهذا
المفهوم النقدي العميق وجهنا الدكتور صلاح فضل نحو رؤية نقدية جديدة، هدفها تعطيل
الآلية النقدية القائمة على الأحكام المعيارية والتقييمات ووجهات النظر والمزايدات
النظرية المشبوهة منها والمغلوطة والمسلطة على النص الأدبي بناء على افتراضات أو
إسقاطات خارجة عن مكوناته الفعلية…وهي رؤية سليمة ولها
مبرراتها النقدية التي تتوافق مع التطور المعرفي الذي تشهده العلوم التجريبية
والعلوم الإنسانية على حد سواء…في تعاملها مع مادتها
العملية الخام تقنيا وتنظيميا وتعبيريا.
هكذا تهيأت
الأسباب العلمية والأدبية لمجموعة من المفاهيم النقدية الجديدة أن تأخذ حيزا ضمن
الخريطة الكبرى لعلم الأدب. وصارت الساحة النقدية تتداول هذه المفاهيم تداولا
اصطلاحيا محدد الهدف، مؤسسا على مدلول نقدي. من هنا تبدأ الحاجة النقدية إلى
التعرف على الحقيقة الاصطلاحية لكثير من المفاهيم التي تواجهنا في مختلف معاملاتنا
النقدية وتحليلاتنا الأدبية. إن عدم الإلمام بالمعنى الفعلي لمصطلح نقدي يعني عدم
فهم واستيعاب المناهج والنظريات النقدية الجديدة المعاصرة. ويعرض الدارس لانزلاق
خطير، قد يمس بطبيعة المادة النقدية من جهة والمادة الإبداعية من جهة ثانية
وبالمنهج في عمقه(2) وأبعاده الأصيلة.
إن ما
تشهده الساحة النقدية من تحولات جذرية على مستوى التعامل مع النص الإبداعي يطرح
عمليا أسئلة معقدة متشابكة تنطلق من صميم البنية الأدبية المقروءة أو
الخاضعة-بمعنى أصح- إلى عملية اختبار نقدي متعدد الجوانب، إننا نعيش هذا التحول
العميق في المفهوم النقدي على أقل تقدير منذ أن بشر الألسني العالمي فرديناند دي
سوسير:
(DESAUSSURE) بنبوءته العلمية في مطلع هذا القرن والتي تضمنها كتابه الشهير:
"دروس في الألسنية العامة" محملا بمفاهيم بالغة الأهمية –نتعرف
عليها فيما بعد- والتي كان لها الأثر الفاعل في تغيير مجريات النقد الأدبي مثلما
كان لها أثر فاعل في تغيير مجريات علوم أخرى لها صلة بعلم اللغة على وجه الخصوص.
ويمكن القول أن ألسنية دي سوسير قد أحدثت شرخا بعيد المدى في تقاليدنا النقدية
التي كانت على تواصل-بطريقة أو بأخرى- مع التيارات النقدية الغربية التي استجابت
معرفيا لنظرية دي سوسير الألسنية، استجابة أثمرت جل المناهج والتحليلات الجارية
على قدم وساق في الفكر الإنساني النقدي الأدبي الأوروبي على وجه الخصوص، ويمثل
التحليل البنيوي قطبا مهما في ذلك. إلى جانب تحليلات منهجية أخرى تكمل النقد
البنيوي أو تدعمه أساسا، من ذلك ما يعرف بالتشريحية والشعرية، والتأويلية
والتفكيكية ونظرية القراءة، ونظرية النص من جهة. وكذا الأسلوبية والسيمائية وهما
العلمان اللذان يسعيان إلى تأسيس رؤية منهجية خاصة بهما، رغم أن المنطلق العميق
لكل منهما يغرف من صلب التحليل البنيوي.
تعددت
الأسئلة الموجهة إلى النص…وكان في كل خطوة يحضر
دي سوسير بمفاهيمه الحية، إلى جانب محفزات مدرسية نقدية أخرى ساهمت بقسط وفير أيضا
في كل هذه التحولات النقدية وعلى رأسها الجهد النقدي الخطير للمدرسة الشكلانية ومن
بعدها حلقة براغ وقد كانت كل هذه النظرات حافزا لإعادة النظر في الكيفيات التي
تمكننا من دخول عوالم النص المفتوحة المساحة، الممتدة إلى أسئلة حساسة تتصل جوهريا
بطبيعة المادة الخام التي يصاغ منها النص صياغة واحدة… لكنها مشحونة بقيم متعددة قابلة للتأويل والتفسير والمعاينة
والاختبار لمكوناتها المتحولة دوما على مستويات مختلفة.
الفرضيات المسبقة…وعملية القراءة:
لم تكن
المفاهيم النقدية التراثية والحداثية على حد سواء قادرة على تثمين وجودها…بعيدا عن
النص الإبداعي…ولذلك اضطرت جملة
المفاهيم التقليدية أو المستأنسة بهذه المفاهيم إلى الدخول في الهامش النقدي لعدم
قدرتها على مجاراة الدّقة المنهجية النقدية الجديدة. صارت بموجب ذلك مجرد تراث
نقدي مستهلك الأدوات…والأسس، رتيبا في
حركيته، غير فاعل في قيمه وخطوطه العريضة نظرا لكثرة تداوله، ونظرا لعدم قدرته على
تأسيس مفاهيم نقدية جديدة قابلة للأخذ والعطاء.
لقد كان
النقد الأدبي إلى حين غرة نوعا من المجادلة الحامية من طرف واحد، يجد فيها النص
الأدبي نفسه عاجزا عن البوح والاعتراف بمكنونه، نتيجة سلطة القارئ الناقد الذي
يمارس وفق إسقاطات مسبقة كل المسؤولية على النص، فيقدمه في طبق من ذهب إن شاء وفي
غربال مخروم إن أراد. لم يكن النص الأدبي بكل اندفاعه وقيمه حاضرا بالفعل، ولكن
حضوره كان مشوبا بفرضيات مشبوهة، يقوم قارئ النص بإعدادها على النحو الذي يريد
ويكون له الحق في إضفاء هذه الفرضيات على الأثر النصي، مكملا كل زوايا النص…القادرة
على البوح بأشياء لا تحصى.
هكذا كان
الانطباعيون وهكذا كان المؤرخون الأدبيون والنفسانيون والاجتماعيون والجماليون
والواقعيون حتى يتعاملون مع النص طبق ما يمتلكونه من معطيات مسبقة عن العمل الأدبي
الذي يسعون إلى تحليله ودراسته…انطلاقا من هذه
النظرات النقدية المعيارية الجاهزة كنا نقرأ كوميديا دانتي أو رسالة الغفران بنفس
المواصفات التي نقرأ بها أي نص رديء، ونطبق مقاييس النقد الشعري على إلياذة
هوميروس أو معلقة من المعلقات، أو رائعة من روائع البحتري وابن زيدون، مثلما نطبق
هذه المقاييس على أي شاعر آخر دخل عالم الشعرية من باب: "حديث صحيح"
وبجرة قلم كان يمكن إلغاء نص إبداعي وربما لمبدع واحد…وإعلاء شأن
آخر في رمشة عين، وقد وجدنا في نقدنا العربي نماذج بالغة الخطورة من هذا النمط
النقدي الذي يساوم النص من بعيد… بل يمكن القول أن ساحتنا النقدية تفيض بهذا الغثاء النقدي
الذي يفسد على القارئ ما يلذ له أن يقرأ… ولأن الزمن لا يستر العورات المفضوحة فقد ظل النص الرديء رديئا،
والجيد جيدا، وظلت المعرفة نوعا من الخليط النقدي وتحت مسميات مختلفة…ولم يكن
بوسع الممارسين لهذا النوع من النقد أن يقدموا لنا نمط الرداءة القائمة فيه ولا
نمط الجودة…كان النص يقرأ دفعة واحدة ويصدر في حقه حكم
نهائي بجدوى الحياة أو ضرورة الفناء. لم يكن بوسع العناصر الفاعلة في نص ما أن
تستثمر نقديا في ظل هذه الأحكام المعيارية التي كان بوسعها أن تقول عن شاعر أنه
مصاب بعقدة أوديب أو الانفصام في الشخصية، أو أنه رجعي أو معقد أو نرجسي.. كما كان
بوسعها أن تقول إن هذا النص رديء لأنه لا يتماشى مع المجتمع أو لا يعبر عنه، وتقول
عكس ذلك عن نص رديء إنه نص جماهيري لأنه يقدم نفسه بلغة العوام ويطرح مشكلات
المجتمع، مكرسة الفعل الإبداعي –معياريا- في الحقل
الأدبي… الذي يطمح دائما
إلى الخلق والتجديد… والغريب أن ينساق في هذا المضمار بعض المتحمسين لما يسمى
"البنيوية التكوينية" ويقرّون بهذا المعيار، وسنرى ذلك عندما نتطرق
لبنائية التوالد في اجتماعية الأدب عند غولدمان. لقد قدر لنصوص وصفت –نقديا-
بناء على مفهوم إديولوجي محض- بالجماهيرية أن تخرج مدحورة إلى الهامش الأدبي بفعل
عملية التلقي التي تحسن في كثير من الحالات تصفية النصوص التي تأخذ بعين الاعتبار
القارئ… على اختلاف
مستوياته الفكرية. وكان من نتيجة ذلك أن تتخذ قصائد وروايات وقصص ومسرحيات مأخذ
الهزل، لعدم تجانس مادتها اللغوية أولا وأخيرا…مع هذا
المتلقي، الذي لم يدخر جهدا في استقبال نصوص أخرى من نفس النمط الفكري لكنها تنبني
على قيم أدبية محكمة…
وأكبر دليل
على ذلك ما تمتلكه الجريمة والعقاب لدوستويفسكي لغوركي مثلا أو الأم لغوركي
(مكسيم) من تأثير وقبول، إن النص القادر على مواجهة القارئ هو ذلك النص الذي يحسن
صناعة مادته الخام بغض النظر عن المنحى الفكري الذي يعبر عنه بنحو أو بآخر…إن المعاني
الفكرية في النص ليست هي كل شيء في النص بل ربما كانت تحصيل حاصل…إنها
بمفهوم الجاحظ معان مطروحة في الطريق وبوسع أي كان اكتسابها…إن الكيفية
التي نقدم بها هذه المادة كفيلة بأن تزين لنا شيئا كان يبدو لنا تافها أو رتيبا.
اللغة الفاعلة … وبوسعها أن تسحرنا فيما تنسج لنا من سبل أدائية هدفها تحقيق
الوظيفة الأدبية على أكثر من مستوى.
عبر هذا
الامتداد النقدي كانت هناك فعاليات رائدة حملت على عاتقها مهمة إرساء مفهوم نقدي
جاد، محاولة أن تنفتح على الإبداع الأدبي على محور من المحاور مركزة على عضو من
أعضائه. فكان الناقد في كثير من الأحيان يلامس النص أو يكاد، ثم يغرق في تفصيلات
جنس النص أو في حياة صاحب الأثر وقراءة النص بعد ذلك في ضوء تلك المعطيات الجاهزة
سلفا. كانت تلك الجهود النقدية فذة وحصيفة وموسوعية إلى حد كبير…ما قدمته
جماعة الديوان مثلا من طروحات نقدية…نموذج نقدي كان قوامه…فعالا في
الكتابة النقدية الحديثة…ولكنه أصبح بالنسبة
لنا –على قمة وفعالية مادته- تراثا نقديا مستهلكا ورتيبا…وصار محتما
علينا أن نقرأ النصوص التي تناولها العقاد وشكري والمازني وفق رؤية منهجية جديدة
تأخذ النص بعين ثابتة….لا تخرج عنه إلى إسقاطات أو افتراضات خارجة عنه…وسيحملنا
الموقف النقدي أن نكتشف هذه النصوص من جديد استنادا إلى القيم التركيبية والدلالية
والصوتية التي تتضافر لتجعل منها مادة أدبية…قابلة
للقراءة والتفسير…إن تقييم نص أدبي يعني
انتهاك حرمته…يعني إلغاء عناصر فيه، إلغاء قسريا لا يضع في
الحسبان طبيعته البنيوية الشمولية وقيمه الأسلوبية المتضافرة ونظامه السيميائي
المشحون بهذا الإحساس العميق في تجاوز الذات ومن ثم تجاوز الأزمنة والأمكنة، تجاوز
التصورات الفكرية والإديولوجية. وبالتالي تجاوز الدلالات المرجعية الأحادية التي
ليست شيمة من شيم النص الإبداعي الخلاق المتوهج بالأدبية. المصاغ صياغة أبدية…المفتوح
على كل التأويلات…المتجه إلى دلالات غير
محددة. إننا لا نستطيع مع ذلك كله…التقليل من شأن سجلنا
النقدي العارم والذي لا يمكن للحقل الأدبي الإبداعي منه أو النقدي أن يتجاهله أو
ينكر فضله. ناقش طه حسين "في الشعر الجاهلي"(3) مادة أدبية لم يعش
محتواها إلا من خلال مركبات النص الذي قرأه على نحو رآه هو اعتمادا على مفاهيم
منهجية اعتقدَ أنها سليمة وأنها أفكار جديدة… واعترض الدارسون على ما دعا إليه طه حسين الدكتور في هذا الكتاب
الذي مثّل آنذاك قمة نقدية صنعت ضجة، وتجاوز الزمن هذا الكتاب كمعطى نقدي ليصبح
شيئا من التراث النقدي، ويأتي بعد سنوات طويلة باحث فذ مثل الدكتور كمال أبو ديب
ليقدم لنا المادة الشعرية الجاهلية بوجه آخر، قراءة لا تحكم…ولا تقدم
قرائن جماليات هذا الشعر استنادا إلى براهين وحجج ونصوص وشواهد…بل تسعى
إلى اكتشاف تلك المادة الشعرية الجاهزة كبنية شمولية ضمن بنية شمولية أوسع مركزة
أولا وأخيرا على البنية النصية الواحدة ثم مجموع البنيات الشعرية الجاهلية، طبق
منهج بنيوي…محددا الإطار الزماني والمكاني الذي يسمح له
بالقراءة.
وهكذا
استطاع الدكتور كمال أبو ديب في كتابه العلمي المثمر "الرؤى المقنعة"،
نحو منهج بنيوي في دراسة الشعر الجاهلي(4). أن يمسح محاكمة طه حسين للنص الشعري
الجاهلي التي أقامها دون دلائل فعلية مرجعية مكتشفة من النص نفسه أو بناء على
مصادر نقدية أو تاريخية موثقة توثيقا سليما. وكان لهذا السبب بحث الرؤى المقنعة
مشروعا نقديا مبررا بدلائل نصية ينطوي عليها المتن الشعري الجاهلي الزاخر في
مستوياته التعبيرية الدالة وما توصل إليه الباحث الناقد من نتائج باهرة تهم الدارس
النقدي المعاصر، وتؤكد المشروعية التراثية العميقة للمادة الشعرية الجاهلية بما
تحمله من معان ثقافية وفكرية وأسطورية. الأمر الذي أوقع المفهوم النقدي الذي قدمه
طه حسين في حرج بعيد المدى وأثبت أن نظرة طه حسين النقدية كانت مجرد شبهة نقدية لا
أكثر بكيفية أو بأخرى، وهو ما يثبته البحث علميا في الملحق المتصل بالكتاب حين
يقول: "أشرت في أكثر من موضع إلى ضمور العمل التحليلي في دراسة الشعر الجاهلي
ومحدودية المادة التي تستند إليها الأحكام التي أطلقت عليه منذ بن قتيبة حتى اليوم
الحاضر… كما اقترحت أن
التصور الشائع لطغيان الأطلال في الشعر الجاهلي لا أساس له من الصحة وأنه يقوم على
تقبل الفكر الموروث أكثر مما يقوم على نتائج الدراسة التحليلية…وليس ثمة
من دراسة واحدة للمجموعات الشعرية التي احتفظت لنا بالنصوص الأساسية منه. ونحن ما
نزال نكرر أحكاما قاصرة ورثناها عن دارسين ورثوها بدورهم في صيغتها القاصرة عن
أسلاف لهم. "(5) ويضيف الدكتور كمال أبوديب في هدوء علمي رزين" وكانت
لهذه الخطوة المنهجية نتائج حاسمة الأهمية تسمح لنا للمرة الأولى في تصوري بتجاوز
الأحكام التقليدية التي تعبت من مادة محدودة جدا لا تتجاوز في كثير من الأحيان
المعلقات وعددا من القصائد المشهورة للشعراء البارزين,,,"(6)
إن ما قدمه
الدكتور طه حسين ليس جريمة أدبية بقدر ما يمثل نقلة نقدية جريئة في نطاق رؤية
منهجية ديكارتية قادت المفهوم النقدي لدى طه حسين إلى إثارة جدل اعتقد آنذاك أنها
صلب العلمية في الأدب, وهو ما نلمسه عنده أيضا في دراسته عن أبي العلاء المعري
والذي تتجلى فيه هذه النرجسية الزائدة التي يغدق بموجبها كل جميل على الشاعر، دون
أن يحقق برؤيته تلك مفهوما نقديا ولم يرس منهجا علميا يؤهل المعري لأن يكون مفهوما
ومقبولا.. على مستوى عملية التلقي.. إلى درجة أن النص الشعري ظل عائما في فضاء
هلامي من الكلمات غير المؤسسة نقديا.
كان
علماؤنا- كما نرى على سعة علمهم وموسوعية فكرهم يتقمصون شخصيات فكرية ونقدية في
عمق سلوكهم المعرفي.. مما جعل قراءتهم النقدية للنصوص جاهزة ومستهلكة لنص جاهز
الأدوات، شامل الرؤية، قائم البنية، مكتمل المعاني. أدت تلك القراءة إلى أن يصبح
النص بموجب ذلك مقطوع الصلة بكينونته،
منكسر الإرادة في تقديم مادته الأولية إلى القارئ. كان مجرد افتراضات تفتقر
إلى اليقين العلمي والتحليل الشمولي المنطلق من النص.. مادة الاختبار. الأمر الذي
ساهم في تقطع الصلة بين القارئ والمقروء.
الفكر النقدي حلقة
متواصلة :
إن
الأوروبيين على الرغم من كل ما حدث من تحول في عمق الفكر الأوروبي لا يزالون في
سريرتهم يدينون بالولاء العميق لأعلامهم , لا يزال سانت بيف وتين وبرونتيير ومدام
دي ستال وشاتوبريان وغيرهم من النقاد المحدثين حاضرين في الفكر النقدي ولا تزال
الممارسة النقدية تتخذ من مطارحاتهم النقدية مادة ثقافية في التعامل المنهجي مع
الظواهر الأدبية المختلفة…على الرغم من التطور
الإجرائي الحاصل في الممارسة النقدية المعاصرة عندهم…وهو تطور
رافق التحولات الثقافية والعلمية والاقتصادية الجارية في العالم الأوروبي على وجه
الخصوص…إلى جانب ما يحدث في العالم الأمريكي والآسيوي من تطور هائل
في مختلف النظرات العلمية والإنسانية…
إن العملية
النقدية تنبني على التواصل والتحول، ولكي يحدث التفاعل بين القارئ والمقروء فلابد
من الأخذ بعين الاعتبار متطلبات الواقع الفكري وتحولاته العميقة… ولهذا لا يجب أن نحس بعقدة نقص نقدي تسعى إلى تجاوز الطروحات
النقدية الحداثية لجيل طه حسين والعقاد وشكري والمازني ونازك الملائكة ومحمد مندور
وغالي شكري وعبد الواحد لؤلؤة وأنيس المقدسي وغنيمي هلال وعبد القادر القط وغيرهم
من الأسماء النقدية التي كتب لها أن تقرأ إلى حين، مع ما تفتقر إليه من قدرة على
إضاءة الجوانب الأدائية الفاعلة في النصوص الأدبية التي كانت تسميها عادة باسم
"الأعمال الأدبية". إننا نكن لهذا الجيل كل التقدير النقدي ولكن الحقيقة
النقدية لابد أن تتجلى بصورة أعمق مما هي عليه… وقد صار من الواجب أن يتعرف الباحثون والطلبة على أسماء نقدية
جديدة تحمل في مفكرتها النقدية هذا التحول القائم في الفكر النقدي العالمي…
إن طلبتنا
يجهلون –مع الأسف- باحثين على أعلى مستوى من أمثال الدكتور صلاح فضل
والدكتور عبد السلام المسدي والدكتور جابر عصفور والدكتور رجاء عيد والدكتور عاطف
جودة نصر والدكتور أحمد فتوح أحمد والدكتور مصطفى ناصف والدكتور محمد الهادي
الطرابلسي والدكتور محمد بنّيس والدكتور كمال أبو ديب والدكتور عبده الراجحي
والدكتور تمام حسان والدكتورة اعتدال عثمان والدكتور عبد الله الغذامي والدكتور
سعد مصلوح وغيرهم من أعلام النقد المعاصر ممن يعملون بعمق على تطور المفهوم النقدي
العربي بما يمتلكونه من إمكانات وفيرة علميا وأدبيا… ولما لهم من صلات ثقافية مع الثقافة النقدية العالمية… والتي يمكنها أن تعمق وعينا الحضاري ومفهومنا النقدي… ودورهم الثقافي المنهجي لا يقل عمليا عما يقدمه الأعلام الغربيون
والأمريكيون والآسيويون في تنوير الفكر الإنساني وتحديد الهوية العلمية للمصطلح
النقدي الذي يمكن أن يتحد عالميا تماما مثل الذي تقوم عليه العلوم الفيزيائية
والرياضية والطبية.
إن المصطلح
النقدي مفهوم يمكن أن يتلاقى في النظام الفكري العالمي… ولا يعطي لهذه الإمكانية حضورها إلا مثل هؤلاء الأعلام… ومساهمتنا النقدية جديرة بالحضور الفعلي الذي منحه لنا قبل قرون
أعلام مثل بن خلدون والفارابي وبن سينا والكندي وبن قتيبة والمرزباني وعبد القاهر
الجرجاني وحازم القرطاجني وبن رشد وأبو هلال العسكري وبن فارس والجاحظ وبن رشيق
وبن جني….إلخ.
عمل
الحداثيون من نقادنا على تكريس الأصول الثقافية النقدية المعيارية، ودعوا عبر
مدارس نقدية مختلفة في وجهاتها إلى فلسفة نقدية تعليمية الهدف والمنطلق فكانت كفاءتهم
النقدية قسرية على النص الإبداعي الذي ظل مغلقا على نفسه، جاءت هذه التحليلات التي
ظلت قاعدية إلى حد بعيد متوافقة مع طبيعة المرحلة الفكرية والحضارية وكان الزاد
النقدي فيها يتطلب ذلك أيضا.
إن
الثقافية السائدة في مرحلة من مراحل الفكر النقدي لها دورها البالغ في تحديد
الوجهة النقدية دون شك. ولهذا لا نستطيع أن نضرب عرض الحائط بيحي حقي مثلا لاتجاهه
التأثري ولا بطه حسين لاتجاهه التاريخي أو موقفه الديكارتي(7) أو قراءاته
النرجسية(*) ولا نستطيع إلغاء لويس عوض أو أمين العالم لرؤيتهما النقدية
الإيديولوجية ولا نستطيع عزل المفهوم النقدي الأدونيسي على موسوعيته لأنه يتضمن
رؤية نقدية توغل في التفسير الهدمي(8) ولا نستطيع أيضا نكران الزيات ولا الرافعي
للتقليدية البعيدة في كتاباتهم النقدية التي تكرس المفهوم البلاغي القديم في صورته
التي تعمل على تحنيط العمل بشكل يكون فيه النص علبة كبريت محسوبة، يمكنها أن تحترق
ببساطة. كما أننا لا نستطيع أن نحنط أو نشك في الرؤى الفكرية والفلسفية واللغوية
والبلاغية والنقدية التي تشكل قالب المفهوم النقدي التراثي، ومن حقهم علينا أن
نؤازرهم في كل منتوجهم الفكري حرصا على هويتنا الثقافية واستئناسا بمجهوداتهم التي
لا تخلو من فائدة علمية…مهما اتسع نطاق التحول
الفكري والعلمي في المجال النقدي.
على أنه لا
يجب أن تتحول هذه المؤازرة إلى عامل محبط مثبط للعزائم.. في عمق التحول الثقافي
المتماشي مع المتغيرات العلمية السريعة…. المرافقة لتحولات الفكر في مختلف نشاطاته الإنسانية.
إن العالم
الإنساني لم يتناس بدوره ما قدمه أفلاطون ولا أرسطو ولا هيغل، لم ينس بابلونيرودا
ولا فرويد، ويحتضن اليوم بكل قوة العلم والإخلاص الإنساني ما قدمه أو يقدمه أعلام
جدد من أمثال رولان بارت وغريماس وشارل بالي ولوتمان وجوليا كريستيفا وجان كوهن
وغولدمان وتودوروف ريفاتير… لم يتناس الفكر الغربي عبقرياته النقدية الفذة ولم يتجاهل الذين
فسحوا المجال لعلم النقد أن يتحرك بجدارة وعمق من أمثال دي سوسير وجاكبسون، بل
يمكن القول أن احتضانه لمجهودات هذين العالمين كانت سر تطور المصطلح النقدي وقد
كان دي سوسير وجاكبسون بارعين علميا في عملية تحريك المفهوم النقدي وانحساره عن
الوجهة التقييمية المعيارية إلى وجهة تعتمد بعمق عنصر المعاينة الدقيقة وتحليل
ودراسة الأثر الأدبي فيما يختزنه من قيم تركيبية وصوتية ودلالية مولدة طبقا
لمستويات نقدية وأدائية وتعبيرية ولغوية.. ساهمت بكيفية ما في صنعة النص وخلقه… فكانت الممارسة النقدية بذلك فعلا خلاقا آزر فعل الكتابة…بل صار له
الأهمية القصوى في الفعل الإبداعي….أهّل الخطاب الأدبي أن يمتلك كيانه المستقل وجعله ثمينا في ذاته… في قيمه المتضافرة المتبلورة في سياق يجسد بنية شمولية، قابلة
للقراءة والتأويل.
قوة الإبداع… ترفض قوة
الوصاية:
إن التحليل
النقدي لأي أثر أدبي…يتضمن إجابات متعددة
تنطوي خلف المركب النصي، ولعل أهم سؤال حيوي دقيق يتبادر إلينا للوهلة الأولى هو:
كيف جاء هذا المولود النص الأدبي إلى هذا الوجود؟ إن من طبيعة النقد التقليدي أن
يحمل الجواب على هذا السؤال إلى عوامل نفسية تبعا للظروف النفسية التي عايشها صاحب
الأثر ولذلك سيطبق إجراءات المنهج النفسي مضيفا على المادة التعبيرية للنص مادة
صماء من خارجها…يسقطها دون مراعاة
كرامة النص المأثور المستقل الوجود…. وقد يحيل الجواب إلى ظروف اجتماعية أو واقعية أو ذوقية… وفي كل مرة يمارس عملية إسقاطية على هذا المولود المتكامل في
أعضائه البنائية…القادر على ممارسة
التأثير والتواصل وتحقيق التلقي لدى قراء…يستوعبون
مادته المركبة بصور مختلفة، وفوق كل اعتبارات الأسئلة التقليدية النقدية…فإن
الإجابة على مثل هذا السؤال تبدو في ظل الإجراءات النقدية الجديدة البنيوية
والأسلوبية والسيميولوجية مفعمة بكثير من العطاء النقدي الذي ينجم دون شك عن
انفتاح هذه المناهج بصورة طبيعية على طبيعة الأثر الأدبي كمادة طبيعية قابلة
للتحليل والتفسير من جهة وكمادة ثابتة مكتملة الرؤية متناسقة البنية، متعددة
الدلالة.
من هذا
المنطلق يبدو أن الناقد التقليدي بأحكامه المعيارية وإجراءاته المستهلكة السابقة
لميلاد النص غير قادر على طرح مثل هذا السؤال النقدي، لأنه ليس في متناوله ولأنه
ببساطة لا يستطيع دخول عوالم النص. ولذلك لا يستطيع تقديم جواب فاعل لسؤال ميلاد
النص… إنه عاجز عن الفعل النقدي لأنه يتخذ
موقعا خارجيا معرفيا-عادة- مربطا للقراءة، ولذلك ينتج نوعا من النص المناهض أو
المدعم لميلاد النص…لا المحلل له… وهكذا يخضع النص-مجبرا- إلى قراءة (بروتوكولية) تعتمد على
المساومة للمركب النصي، يميز بموجبها النص ويوضع في خانة من الخانات تنطبق مع جنسه
(قد يكون ذكرا وقد يكون أنثى)…متخذا من هذا الموقف
مسوغا لإضفاء هوية على هذا النص بالاعتماد على معطيات تهيأ له أنها من صلب الأثر،
وهي في حقيقتها لا تنتمي إلى زمرته اللغوية الثابتة كبناء كلي شمولي متكامل القدرات
والوظائف.
إن التحليل
النقدي التقليدي-إن صح لنا أن نسميه تحليلا- كان في عمق مادته مستهلكا تتجاذبه
المادة التعليمية على أوسع المستويات، تمارس فيه الوصاية على النصوص الإبداعية،
وصاية تبلغ حد التلقين والتوجيه إلى حد مطالبة صاحب الأثر بأنه كان عليه أن يقول (كذا)
ولا يقول (كذا)…متجاهلة بذلك أسباب
وحيثيات خلق النص الإبداعي الشعري منه والنثري…وظروف
إنتاجه القصوى التي لا تقبل كلحظة خلق عميقة عمليات الوصاية مهما كانت طبيعتها
وقوتها وملابساتها.
والمختصون
في التحليل النفسي –مع الأسف أو حسن
المصادفة- يمتلكون القرائن المعرفية في هذا المضمار(9) ولكنهم لا يترددون في تقديم
أنفسهم أوصياء على المنبع الإبداعي. ويصنع الواقعيون والاجتماعيون الفعل نفسه،
منطلقين من الضرورة التي تقول إن النص مرآة المجتمع(10) يفسرون النص في ضوء هذه
الحيثية، فإذا لم يكن يتماشى مع هذه الرؤية الاجتماعية المبنية على ما يعرف بنظرية
الانعكاس، وجهوا إليه أسئلة كثيرة مرتابة، واستنطقوا صاحبه أولا وأخيرا. وطالبوه
أن يكون على هذا النحو، مع أنهم هم أول العارفين أن الإبداع أعمق من أن يوضع في
زجاجة مغلقة…إن النص الإبداعي بحيويته وثرائه قابل للتجدد
والتحول ومن ثم فإن عملية قراءته تقتضي أن تتماشى مع تحولاته هذه… بل تقتضي أعمق من ذلك وهو أن يفسر النص نفسه بنفسه- كما سنرى فيما
بعد في ضوء النظرات النقدية التي تتجسد في مناهج النقد الأدبي المعاصر-في خضم
تحولات الموقع الثقافي التاريخي الوجداني الاجتماعي والنص الخالد هو القادر على
تجاوز الأزمنة والأمكنة المفتوح على الأمزجة بمادته التعبيرية المتعددة الوظائف من
شعرية وإشارية".
من هذه
الزاوية كانت الطروحات النقدية الجديدة من بنيوية وأسلوبية وسيميولوجية بما تستند
إليه من قيم معرفية منهجية عميقة في مفهومها الذي تتعامل من خلاله مع النص المبدع
والذي تتطلب قراءته الحيطة كل الحيطة في تجنب كل حكم ما قبلي خصوصا… وتجنب فكرة الموضوعية على الطريقة الماركسية أو على طريقة موضوعية
برونتيير(11) والتي تعتمد في صلبها على رغبة عارمة في امتلاك النص….ووصفه بمقياسها…مما يعني إفقار النص
في مردوده…
وتكميم
فضائه… إن النص بما
يمتلكه من إرادة، جدير بأن يخلق لنفسه أسباب حياته، ويأخذ قوامه المشهود ويحرره من
ربقة المناهج التقليدية التي أصبحت على عمق ما قدمته-قاصرة ومهزوزة، بل صارت
مضحكة.. في سلوكها القرائي للنصوص الأدبية. ولن يتأتى لهذه الدراسات الأدبية التقاليدية
أن تتموقع بمظهرها البالي في الخريطة النقدية المعاصرة، لأن النقد قد تجاوز كونه
مجرد رأي يقال أو حكم يصدر في حق نسيج إبداعي معين. إن نقدا مثل الذي يرسم معالمه
الدكتور أحمد كمال زكي في قوله: النقد هو حكم على الأعمال الأدبية بمقدار ما في
صياغتها من فن ومقدار ما في مضمونها من قيم…"(2) هو تفسير فيه إصرار واضح على تجزيء النص وفق النظرية
التقليدية القائمة على فكرة الشكل والمضمون.
لقد كان
هذا المنطلق وغيره من وجهات النظر النقدية القائمة على القيم المنهجية لاتجاهات
نقدية اصطلح عليها الدارسون في النقد الحديث واختزلها ناقد مثل الدكتور أحمد كمال
زكي بوقار علمي وأدبي في اتجاهات أربع هي التكاملي والنفسي والاجتماعي والصحفي(13)
وقد كان لهذه الاتجاهات الأثر الكبير في تفسير نصوص ظلت على حالها… محافظة على طبيعتها الأدائية اللغوية منتصبة غير عابئة بجعجعة هي
أصلا دخيلة على الفطرة السليمة للنص المتوثب بالقيم الفكرية والإبداعية المتواترة.
وكان ما قدمه الدكتور مصطفى سويف العالم الفاضل، والدكتور عز الدين إسماعيل أستاذ
جيل من المثقفين في مصر من تحليل نفسي للأدب غاية في الأهمية من وجهة كون هذا
التحليل أعطى معلومات معرفية للقارئ لكنه بالمقابل لم يسع كلية إلى التعامل مع
الوحدات النصية في انتظامها وتآلفها كعناصر فاعلة متفاعلة تماما مثلما كان يفعل
البلاغيون في وقفتهم عند استعارة في نص شعري أو نثري دون تقديم التبريرات الصوتية
والتركيبية والدلالية لاستعمالها على هذا النحو. وفي هذا الموقع من النص بلغت هذه
النظرة التلقينية درجة بالغة الخطورة في المعاملات النقدية الأدبية، اختزلها باحث
موسوعي مثل الدكتور شكري فيصل(14) في خطوط منهجية أدبية حددها في مجموعة من
النظريات بدل المناهج أو الاتجاهات هي النظرية المدرسية، ونظرية الفنون الأدبية
ونظرية الجنس ونظرية الثقافات، ونظرية المذاهب الفنية والنظرية الإقليمية وهو
تقسيم لا يعرف عن النص إلا الاسم أو هكذا يمكن أن يلاحظ المتتبع…لأنه لا
يأخذ المادة النصية الأدبية في الحسبان إلا من زاوية صاحبه الذي تختزل حياته في
لفظة أو لفظتين (ترعرع وتتلمذ….) بالاعتماد على الموقع الجغرافي والزمني الذي وجد فيه النص. وقد
سعى مع كل ذلك إلى تقديم رؤية منهجية جديدة هدفها التعرف على أدق الخصائص الفردية
لكاتب أو شاعر، إلى الخصائص المشتركة التي تربط بين جماعة من الأدباء والشعراء
وطبيعة هذه الدراسة-كما يضيف-هي الاتجاه نحو اكتشاف التوحد الفني في مجموعات
الأدباء وراء هذه الكثرة المتكثرة في حياة أديب.
يقدم لنا
الدكتور شكري فيصل انطلاقا من هذا التصور النقدي البطيء في فعله النقدي وفي روح
النص الذي يؤلف المادة النقدية-المنهج الصحيح الذي يهدف أساسا إلى تحقيق المدارس
الأدبية في الأدب العربي والذي يعتقد أنه يمكن تلخيصه بأنه وحدة في الهدف وكثرة في
الوسائل…بمعنى أنه لابد من الإفادة في المناهج السابقة من نتائجها
التي بلغتها وحقائقها التي توصلت إليها… يدعو إلى تعاونها وتضامنها تعاونا مثمرا وتضامنا منتجا دون أن
يكون ذلك مبررا للخلط بين هذه المناهج المختلفة التي سبق عرضها…المنهج
الجديد حسب الدكتور شكري لا ينشد طريقة انتخابية ساذجة ولا يريد مزجا ضالا خابطا
ولا يعني هذا الإبقاء على المناهج السابقة بما هي عليه وإلا لاختلط الأمر وضاعت
الحدود وأمحت المعالم…ولكنما يبقى عليها مخالفا عن أصلها الذي كان لها
وعن مفهومها الذي عرفت به في الأدب العربي حتى اليوم. إنه لن يجعل منها غاية في
ذاتها ولكنها ستكون عنده أشياء يمر بها إلى الغاية الأصلية التي يهدف إليها….(15).
إن نمطا من
هذه الدراسة التقعيدية التي لا تقوى على شد مرادفاتها النقدية والتي تتجاهل النص
في بنيته الشمولية، لا تمتلك مسوغات الدخول إلى عوالم النص الأدبي لذلك تظل عقيمة
النتائج، رتيبة الخطوات…غير قادرة على تحقيق
فعل القراءة…ولا تمتلك الأدوات التي تؤهلها لذلك الفعل…إن المنهج
الذي تسعى إليه مثل هذه الدراسات الأدبية الكثيرة في سجلنا النقدي العربي الحديث
هو إيجاد مبررات تفسيرية انطلاقا من معطيات مسبقة عن النص أو جملة النصوص المقروءة
بطريقة مضلة غير قائمة على استراتيجية محددة أثناء عملية التفسير والتأويل. إن
النص لا يمكن بأي حال أن يكون زخرفة عمياء..لا تقبل المحاورة والمناورة أثناء
التدرج في عملية القراءة على مستويات متعددة تركيبية وصوتية ودلالية…إن النص
متوحش ولا يمكن دخول عوالمه بهذه السهولة التي يمتطي فيها التحليل (خارج النص)
محورا أساسيا فاعلا لتفسير "داخل النص".
إن النص في
ضوء هذه القراءة يمثل قراءة مجردة القيمة مبتورة النتائج لأنه يجعل النص في موقع مساومة
سلبية في كل الحالات يكون فيها الناقد هو القارئ الأول والنهائي للنص مما يعمق
وصايته إلى حد تأسيس نقد يشبه عملية المزايدة التي تجري في سوق الخضر، مما يزيد في
غربة الأثر، وانكسار أدبية الأدب فيه.. ويحيلها إلى هامش يحفظها ولا يمس
مكوناتها..التي تحتفظ لنفسها بالحق في الحياة…ولهذا كنا
نجد نصوصا تختفي إلى حين ثم لا تلبث أن تتحرك في المحيط الثقافي بفعل تجانس مادتها…وقدرتها
على مواجهة الأزمنة والمفاهيم… وهو ما يحفز الدراسات النقدية المعاصرة إلى الفعل النقدي الجديد
الذي يعمل على نطاق واسع لإقامة جسر حميم بينه وبين النصوص التي تمتلك لنفسها
كيانها وصفاءها.
أصبح
المفهوم النقدي في خضم المعطيات المعرفية الواسعة في مختلف المجالات في حاجة ماسة
إلى تجاوز مادته المأثورة المحوصلة في سؤال يؤرق الطلاب عادة والمتحمسين لفعل
القراءة. وهذا السؤال هو:ما المراد من النقد وهل نقيم ما نقرأ أم نفسره، أم نقيم
ونفسر في الوقت نفسه؟
إن
الدراسات النقدية الجديدة قد تجاوزت هذا السؤال دون إخطار من يمثل مثل هذا السؤال،
لا لشيء إلا لأنها أدركت أن المفهوم النقدي حيوي ولا يمكنه أن يقف مكتوف الأفق بل
وجد الدارس الأدبي نفسه في حاجة إلى دخول المعترك العلمي المعرفي بكل قدراته…وكان لابد
أن يتجاوز هذا المنحى النقدي الذي وضعه نقاد مثل ت.س إليوت في كتابه فائدة الشعر
وفائدة النقد، وإلى تجاوز دعوة نور ثروب فراي إلى علمية النقد في كتابه البالغ
الأهمية تشريح النقد(16) والدافع إلى تجاوز هذا التصور النقدي وذاك هو اعتدادها
بالفعل النقدي وتسليطه على النص.
إن خطأ
المفهوم النقدي التقليدي على اختلاف وجهاته يعود إلى تعامله وفق هذه الرؤية
المسبقة مع النص أو مجموعة النصوص المقروءة. إن قراءتنا لأرض محمود درويش لا يجب
أن تختلف عن قراءتنا لأرض ت.س. إليوت انطلاقا من موقع كل منهما جغرافيا أو أدبيا،
وإنما يجب أن تكون منطلقة من جزئيات كل نص على حدة. وهو ما يمثل الشغل الشاغل
للدراسات النقدية المعاصرة والتي تسعى إلى تأسيس مفهوم نقدي قادر على مواجهة هذا
الركام النصي اعتمادا على ما في هذه النصوص من قيم أدبية، تمثل في صلبها بنية متماسكة،
تؤدي وظيفة لا بالشكل الاعتباطي، إنما انطلاقا من كون هذه المادة الخام أصبحت فعلا
أدبيا، ساهمت في انسجامه جملة من الآداءات الوظيفية ليصبح في نهاية المطاف على هذا
النحو المهيأ للقراءة والتفسير والتأويل، وليس بوسع الناقد أن يؤطر هذا النص في
وظيفة ما…
قبل أن يكتشف صورته البسيطة المتحولة من فعل معجمي بسيط إلى فعل خلاق مبدع…إننا في
مواجهة حامية مع العلوم المختلفة وعلى رأسها العلوم الطبيعية التي أبت أن يدخل
الإنسانيون فردوسها، فكان علم اللغة منفذا مهما في إحداث هذا الجسر بين النص
المبدع والعلوم التجريبية عموما…لأنه مادة حية زاخرة
بالقيم القابلة للتحليل والتجريب انطلاقا من مكونات اللغة التي تخضع للقياس
التجريبي العلمي خصوصا ما يتعلق بمظهرها الألسني البحث..إلى جانب ما يختفي خلف
الظلال الأدبية من دلالات، هي كفيلة بأن ترشدنا إلى ما نحتاجه في حياتنا الطبيعية…من أسرار
تتصل بصلب وجودنا…إننا نقر الآن اعتمادا
على ما قدمته العلوم الألسنية من دلائل. إن النص لم يعد مجرد كلام وأن النقد لم
يعد كلاما عن الكلام(17)…أصبح النص الأدبي
ظاهرة مشرعة الأبواب، ويمكن دخولها على النحو المنهجي الذي يخدم المفهوم النقدي
المتواتر مع طبيعة النص الذي ينطوي على قابليته للدراسة علميا انطلاقا من الطابع
اللساني الذي ينبني وفقه في كل صورته الصوتية الكاملة، وهو ما يفسح المجال للعلوم
المختلفة أن تتعامل معه من الزاوية التي تعطيه يقينا علميا، في تحقيق غاية علمية
محددة من وراء تحليل المادة اللغوية المركبة لهذا النص ابتداء بالتعرّف على هوية
الزمرة الدموية للنص ومن ثم معرفة قوانين وجوده التي اعتمدها وما يؤديه من وظائف
وما يستند إليه من وسائل تبليغية بغاية التأثير والتعبير والتواصل محققا من خلال
ذلك أسباب هذا التكامل والتضافر والتلاقح العلمي بين وحدات النص الصوتية الدالة
على اختلاف طبيعتها، وبين النص الأدبي من جهة ثانية والعلوم الإنسانية وبين النص
الأدبي والعلوم التجريبية من طبيعية وفيزيائية ورياضية من جهة أخرى… إن النص ثقافة متشابكة في قيمها المعرفية، إنسانية في روحها…ثقافة
مرهفة…تتجاوب مع المشاعر الإنسانية ومع الآلية العلمية في
انتظامها وصيرورتها.
إن النص
الأدبي الذي يخضع طرديا لعملية التواصل يجبرنا أن نتعرف عليه بشتى السبل، وقد كانت
التقاليد النقدية الموروثة مادة تدفعنا إلى تحقيق هذا التواصل بطرق نفسر بموجبها
النص تفسيرا نفسيا أو انطباعيا أو تاريخيا أو اجتماعيا أو جماليا أو واقعيا ونضطر
فيها مقتنعين أن النص صورة فعلية لإسقاطات محددة نفسر بموجبها النص، كأن نفسره
انطلاقا من حياة صاحب النص ونطرح حوله كل الشبهات والأسئلة في صورة ترعرع فلان
ودرس على يد فلان وأكل وشرب "ومشى في الأسواق…فكان نصه
صورة لحياته النفسية أو صورة لحياته الاجتماعية…وهكذا….
من هذا
المنظور كان لابد لهذا النص…أن يتحرر من الأسئلة
الغيبية والعينية المأثورة أبا عن جد…يتحرر من مضايقات
النقد القياسي تحررا يتوافق مع طبيعته وخصوصيته ونمط أسلوبه، إن النص الأدبي
الناجم عن جملة إجراءات أدبية محضة هو الذي يدفعنا إلى تمييزه بنائيا وأسلوبيا
وسيميولوجيا، ولا يسمح لنا البته بالخضوع لقاعدة ما قبلية…إنها إرادة
النص التي تقودنا إلى التجانس مع النص بالشكل الذي يجعله جزيرتنا العجيبة…الساحرة..المفتوحة
على العوالم المتعددة، تجذبنا إليها عبر خيط دافىء هو هذه الدفقة الممتعة في هذه
الأنساق المتلاحمة على مستويات متعددة دلالية وتركيبية وصوتية منتظمة قابلة
للتحول، قادرة على الإضاءة وتجاوز الذات بالتالي، معبأة بمكنون اللغة العامرة
بالقيم الدلالية والمعاني الخالدة.
إننا نسعى
إلى اكتشاف النصوص، عبر قراءات متعددة نعتمدها في عملية التحليل والوصف والمعاينة،
جملة خطوات عملية هدفها إشعار النص بوجودها. تشكل هذه الخطوات في عمقها صبغة
منهجية حتى لا نسميها بداية منهجا…تاركين الأمر إلى
أوانه… إننا نقدم هذه
اللفتة النقدية من خلال ما نمتلكه من مادة مرجعية، محاولين الإلمام بالنظرات النقدية
التي تشكل صلب مادة النقد المعاصر…عاملين على تقديم
المفهوم النقدي وملابسات تأسيسه…نقدم الرؤية المنهجية
الجديدة كما قدمها أصحابها…مع شرح ما يحتاج إلى
شرح، دون أن نزعم أنها خطوة نهائية في عملية قراءة النص… ونحن إذ نركز أكثر على المادة النظرية فإننا نعد طلابنا وزملاءنا
بتقديم مادة تطبيقية نشرح فيها كل مفهوم نقدي استنادا إلى نص أو نصوص بعينها بشكل
أعمق. إننا على قناعة أن النص في بنيته الشمولية متوثب وحيوي وكفيل بأن يصنع لنفسه
النطاق الحركي المتعدد المفتوح.. ولهذا كان النص في حركيته الإبداعية موفورا في دلالاته،
متناسقا في وحداته الصوتية…متلاحما في إيقاعه….وكلما كانت هذه الحركية فيه على مستوى بالغ من الخلق والاكتشاف
لبنيات جديدة ذات شبكة علاقاتية جديدة بين الوحدات اللغوية التي يتركب منها النص
كلما كان هذا النص ثريا…وكلما اتسع نطاق
تفسيره وتأويله، كلما تجلت خطوة منهجية جديدة تتوافق مع إفرازات النص…تطرح أمامه
أسئلة وتعطيه قوامه الفعلي.. من خلال فعل نقدي متوثب يأخذ النص منطلقا كاملا
لمشروعه النقدي.
الهوامش:
1-أنظر:
صلاح فضل، إنتاج الدلالة الأدبية، ص. 33.
2-أنظر في هذا الشأن: مجلة فصول في عددها الرائع، قضايا المصطلح
الأدبي. العدد3/4. المجلد السابع. أبريل/سبتمبر 1987. أنظر على وجه الخصوص بحث
الدكتور حسان: المصطلح البلاغي القديم في ضوء البلاغة الحديثة، ص.
21-36.
3-في كتابه: في الشعر الجاهلي أثار الدكتور طه حسين جدلا
واسعا بسبب موقفه الاستشراقي من الشعر الجاهلي وكان تأثره بالمنهج الفلسفي
الديكارتي أحد أسباب الرؤية الشكية عنده. أنظر في هذا الشأن: المرايا المتجاره
دراسة في نقد طه حسين،(القاهرة، 1983)، ص. 251 وما بعدها.
4-د/كمال أبو ديب، الرؤى المقنعة. نحو منهج بنيوي في
دراسة الشعر الجاهلي،(الهيئة المصرية العامة 1986): لم يناقش هذا الكتاب طه
حسين تبعا للمنهج النقدي المطبق ولكنه تناول بالتحليل المادة الشعرية النصية
بالتحليل والوصف وهو ما يؤكده في مقدمة الكتاب: يتنامى هذا البحث في سياق تصوريٍ
مغايرٍ جذريا للسياق الذي تمت فيه دراسات الشعر الجاهلي حتى الآن…ويحاول البحث أن يموضع دراسة الشعر الجاهلي على
مستوى من التحليل يرتفع عن المستويات التاريخية والتعليقية والتوثيقية واللغوية
والبلاغية والانطباعية التي تتم عليها معظم الدراسات له الآن. "أنظر ص. 5.
ولكن الكتاب بموقعه العلمي يثبت خطأ طه حسين العلمي في كتابه "في الشعر
الجاهلي".
5-نفسه، أنظر ملحق الكتاب. ص. 670.
6-نفسه، ص. 670.
7-أنظر مجلة الفصول. العدد الرابع. المجلد الثالث يوليو
أغسطس سبتمبر 1983 الجزء الثاني الخاص بالأدب المقارن من خلال موضوع: طه حسين
وديكارت: عبد الرشيد الصادق محمودي والذي يناقش الشك المنهجي عند طه حسين مناقشة
جد جادة ومستوعبة. ص. 104-113.
-أنظر تجديد ذكرى أبي العلاء. المجلد الأول من الأعمال
الكاملة. تتجلى هذه الرؤية النرجسية لدى طه حسين وتبدو في سياقه النقدي مساومة
للشاعر ومحاولة لتقمص شعره بشكل أو بآخر.
8-ما يقدمه أدونيس من تصورات نقدية في الثابت والمتحول واجهت
موقفا يحمل على التساؤل رغم ثراء مادته النقدية، وقد كانت كتابته الشعرية سببا في
تعميق هذا التساؤل الذي يصف الشاعر الناقد بالهدمية. ويأتي كتابه: فاتحة
لنهايات القرن،(ط1؛ بيروت:دار العودة، 1980). محملا بدعوة إلى كتابة شعرية
جديدة يتهم فيها الشعر في تطوره بأنه بقي سطحيا..لذلك يدعو إلى تثوير الكتابة
الشعرية أنظر: ص. 280. الموقف قابل للنقاش.
9-د.مصطفى سويف: أنظر بحثه القيم: النقد الأدبي: ماذا يمكن
أن يفيد من العلوم النفسية الحديثة. مجلة فصول
ع/1/ج4/أكتوبر/نوفمبر/ديسمبر/1983/الهيئة العامة للكتاب القاهرة/ص. 19-34. أنظر
أيضا بحث الدكتور يحي الرضاوي: مقدمة عن إشكالية العلوم النفسية والنقد الأدبي ص.
35-57. أنظر: د.عز الدين إسماعيل، التفسير النفسي للأدب، (القاهرة:
دار المعارف). يناقش الفكرة على أوجه متعددة تدل على عدم قابلية الإبداع للوصاية
القسرية أثناء الإبداع. أنظر: محي الدين صبحي مراجعة د/حسام الخطيب، نظرية الأدب
رنييه ويليك وأوستن وارين، (ط3؛ المؤسسة العربية للدراسات والنثر، 1985)، ص.
88-89.
10-أنظر فصول ع/1/ج4/1983 وبحث الدكتور محمد حافظ دياب.
النقد الأدبي وعلم الاجتماع. مقدمة نظرية، ص. 59-76. أنظر:
د/صلاح فضل، منهج الواقعية في الإبداع الأدبي، ومناقشته لفكرة
نظرية الانعكاس الموضعي،(ط2؛ دار المعارف،1980)، ص. 11-138. انظر: نظرية
الأدب، ووصفه للأدب بأنه مؤسسات اجتماعية، ص. 97.
11-انظر: منهج الواقعية في الإبداع الأدبي، ص ص.
34-69-118.
12-د.أحمد كمال زكي، النقد الأدبي الحديث، ص. 107.
13-نفسه.
14-أنظر شكري فيصل، في تحديده للنظريات النقدية وفق منظور
مدرسي بحث، مناهج الدراسة الأدبية، (ط5؛ دار العلم للملايين، 1982).
الكتاب تنظيري…يحمل
مضمونا تربويا أكثر منه تكوين ذهنية علمية وتأسيس رؤية منهجية.
15-نفسه، ص. 224.
16-"الأدب يعرف باستقلالية خطابه مما يجعله متعارضا مع
اللغة النفعية" هذه هي الفكرة التي أكد عليها نور ثروب فراي في إجابته على
سؤال ما هو الأدب؟ من خلال كتابه الشهير: تشريح النقد الصادر عام 1957 وهي الخطوة
النقدية التي عبر عنها ت.س.إليوت في كتابه فائدة الشعر وفائدة النقد. ويعبر كل من
فراي وإليوت على هذه الفكرة التي يسوقها تودوروف على لسان فراي: عندما يؤول ناقد
فإنه يتكلم عن شاعر وعندما يقوم فهو يتكلم عن نفسه، أو في أفضل الحالات عن نفسه
كممثل لزمنه"
أنظر: تودوروف. ترجمة سامي سويدان،نقد النقد، (ط1؛
بغداد: دار الشؤون الثقافية، 1986).
ويعيب تودوروف على فراي أنه كانت تعوزه المنهجية في التعامل
مع داخل النص، ص. 92.
أنظر أيضا الفصل: المعرفة والالتزام، ص. 89-102.
17-"ليس النص مجرد كلام وليس النقد مجرد كلام عن
الكلام". وما توصلت إليه المعرفة الألسنية يؤكد هذه الحقيقة العلمية. أنظر
جورج مونان، ترجمة:الطيب البكوش، مفاتيح الألسنية،(تونس: منشورات سعيدان،
1994)، ص. 37-38.
أنظر
أيضا: في أصول الخطاب النقدي لمجموعة من المؤلفين منهم تودوروف في دراسته، علاقة
الكلام بالأدب، ترجمة أحمد المديني، (1؛ بغداد: دار الشؤون الثقافية،
1987)، ص. 33.
محمد
نجيب العمامي
يعالج الدارس في مقالته هذه ما
يسميه بـ "الرواية الجديدة" في تونس، وقد أرخ لظهورها بـ1983 على
وجه التحديد، وذلك بصدور رواية "ن" لهشام القروي و"الموت
والبحر والحيرة" و"النفير والقيامة" لفرج الحوار (1985)
و"مدونة الاعترافـات والأسرار" لصلاح الدين بوجـاه (1985). ومرد
إطلاقه صفة الجدة ههنا إلى خصائص الآثار الروائية على صعيد السرد والبناء
العام، فضلا عن مشارب أصحابها الفنية المختلفة.
الرواية الجديدة في تونس
نطلق
مصطلح الرواية الجديدة على تلك الروايات التي ظهرت بتونس في النصف الأول من
ثمانينيات هذا القرن وهي أساسا "ن" لهشام القروي (1983) والموت والبحر
والجرذ والنفير والقيامة لفرج الحوار (1985) ومدونة الاعتـرافات والأسرار لصلاح
الدين بوجـاه (1985). وقد أطلق
الدارسون على هذه النصوص تسميات مختلفة منها الرواية الباحثة والرواية التجريبية
وردها بعضهم إلى الرواية الجديدة الفرنسية واعتبر بعضهم الآخر أن روايات الحوار
وبوجاه تنتمي إلى مدرسة أسماها "مدرسة المسعدي" إذ وجد بينها وبين ما
كتب هذا الأديب قواسم مشتركة كالاهتمام باللغة وتوظيف تراث العرب السردي لتأصيل
الجنس الروائي في أدبنا. وليست الرواية الجديدة بتونس في نظرنا، مدرسة بقدر ما هي
تيار عام يجمع بين أصحابه أكثر من رابط فهم جميعا شباب تعلموا في مدارس تونس
المستقلة ونهلوا من الثقافتين العربية والغربية واطلعوا على ما أنتج فيهما من
أعمال روائية بل فيهم من درس السرد ودرسه في معاهد تونس وكلياتها وقد وظفوا
معارفهم وهي متنوعة المشارب في كتابة رواية تجهر بقطع الصلة بالنمط الروائي
السائد. وقد بدا لنا من خلال معاشرتنا هذه النصوص أنها موطن لحوار ثقافي متعدد
الأطراف ففيها من الغرب آثار ومن الشرق أصداء ومن ذوات أصحابها بصمات ولرصد هذا
الحوار واختبار حقيقته واستكناه أبعاده ارتأينا أن ننطلق من نص بعينه هو النفير
والقيامة لفرج الحوار وهو نص تقوم الحكاية فيه على حدث مركزي هو اجتياح بيروت سنة
1982 وهو حدث مهدت له أحداث وتلته أخرى توزع القائمون بها إلى فئتين متقابلتين:
فئة
المجتاحين
وحلفائهم في الداخل وفئة ضحايا الاجتياح ولئن انتصرت الفئة الأولى في حربها بسهولة
فإنها دفعت من حيث لا تريد، الفئة الثانية إلى الإعداد لحربها هي الأخرى، وقد ولد
لديها الوعي بضرورة هذه الحرب الاجتياح بما أحدثه من خراب وما تسبب فيه من أهوال
ومآس وما كشف عنه من مواطن ضعف متعددة وما فضحه من تخاذل أولي الأمر وتواطئهم
وليست هذه الحرب سوى حلم دونه نهضة بدأت ملامحها تتخذ من خلال الوعي بالواقع
ودعوات الجهاد والمقاومة يرتفع بها صوت الراوي وأصوات المتهورين المهمشين. ولقد
طغت أصوات الحرب هذه حتى استحالت الرواية "النفير" المبشر بالقيامة. هذا
هو أهم حدث في "النفير والقيامة" وتلك هي أهم الأحداث الفرعية التي
ارتبطت به. ولعل أول ما يتبادر إلى ذهن القارئ هو هذا النسب الحميم بين رواية فرج
الحوار والرواية الجديدة الفرنسية وهو نسب يدرك في أكثر من مستوى.
فالحكاية
امتدت على حوالي خمسين ومائة صفحة من القطع المتوسط ولكن تلخيص وقائعها استحال
عليها لا لأن هذه الوقائع منعدمة أو قليلة وإنما لأنها وردت مجموعة من أخبار مفتتة
لا يكاد يجمع بينها رابط فالمكان أمكنة متباعدة منها أساسا بيروت التي لا تذكر
باسمها وإنما هي المدينة ولكن لا نعرف من معالمها سوى مقهى ترتاده الشخصيات
المشاركة لتزجية الوقت ومقبرة يؤمها الإمام الرغيدي مستنهظا همم الموتى وحاثا
إياهم على الجهاد لرد الطائرات المغيرة وشاطئ قصده العربي قبل أن يجن فحرق البخور
ورتل وابتهل علّ الغمة تنزاح فيعين موعد البعث فتكون الحرب والنهضة ولكن لا شيء
حدث فتواصل القصف والحصار ومن هذه الأماكن أيضا بلاد العرب الواسعة ولكن على
شساعتها تضيق فيها الأنفاس وتفقد فيها الحرية وينعدم فيها الأمل في نهضة لا خلاص
بدونها تقول الشخصية الراوية: "كل الحدود استوت قيدا وسجنا كل الحدود في رئتي
شوكا (كذا) كلها المنفى". وإذا كان السي البطل في الرواية الكلاسيكية هو
المبدأ الصلب الذي يوحد الحكاية وقائع وأزمنة وأمكنة وشخصيات فإنه في نصنا تماما
كما هو الحال في الرواية الجديدة الفرنسية فقد تقلص هذا الدور بل غاب تماما فلا
بطل في "النفير والقيامة". فقد غابت البطولة في المرجع وكان من الطبيعي
أن تغيب في النص وفعلا فالشخصيات جردت من أي معنى بطولي إيجابي وغدت مجرد أدوار
اقتضتها الخطة الفنية المعتمدة لذلك انتهت جميعا نهايات بائسة وغابت عن مسرح
الأحداث دون أن نعلم عن جلها الشيء الكثير فأخبارها جاءت شذرات ونتفا مبثوثة هنا
وهناك وتوزع الخبر الواحد على مساحة نصية مهمة ومع ذلك جاء مبتورا فحياة الشخصية
تبدأ لحظة دخولها عالم السرد ولذلك عرفنا نهاية جميع الشخصيات ولم نعرف سوى بعض بداية
حياة الرغيدي لماله من علاقة أساسية بتلاحق الأحداث. كما أطلعنا الراوي على بداية
حياة حوت القرش لما له من أثر في العالم المروي.
تفجرت
الحكاية أو كادت وتشظى السرد وغاب البطل وفقد المكان ملامحه الواضحة ونام الزمان
أو كاد وتناسلت الحكاية فإذا هي حكايتان حكاية مغامرة الشخصيات وحكاية مغامرة
الكتابة وازدواج التمثيل أو التصوير فإذا هو تمثيل العالم المتخيل من جهة وتمثيل
الكتابة أو ما يسمى بالتمثيل الذاتي من جهة أخرى. فالنص يروي أحداثا ولكنه يروي في
الآن نفسه حكاية تشكله وانبنائه وتظهر الحكاية الثانية في أجزاء النص الثلاثة وهي:
رأس النص وجذع النص وذنب النص في الخطاب المباشر الذي يتوجه به الراوي إلى المروي
له في نهاية كل جزء من ذلك قوله مختتما الجزء الأول:
وتبارك القلم والورق والذراع
باسمك تباركت أقطع رأس هذه المسيرة الأولى
والليل أسد لا يلين" (ص70)
وتبرز
كذلك في كشف بعض قواعد اللعبة السردية في النص الهادف إلى تبديد الوهم الواقعي
ولفت النظر إلى بعدي التخييل والصنعة في كل عمل روائي تقول الشخصية الراوية:
أطال
الرغيدي النظر إلى لحيتي وقال:
-أين
وجهك؟
ضحكت.
شيخ ظريف ولا شك. وطيب. لو شئت لجعلت وضاحا يحبه ويحب أسماره
وتقول
في أواخر النص متحدثة عن الشخصيات والخطة الفنية المتبعة: (ص94)
"كانوا
الظلال أو أشباه الظلال
عدم
وحيرة وقامة تند الأفق في وجه الخطة
والخطة
قدر لا يسيل يمنة ولا يسرة يقبل بوجهه على الغاية لا يخطئها ولو ضلت القدم"
(ص155)
وتظهر
الحكاية الثانية أخيرا في خطاب نقدي صريح يوجه القارئ ويكشف بعض مداخل القراءة
كقوله: "وجعلنا الكتاب بناء ورصدنا له أبوابا ونوافذ ومنافذ وجعلناه القصر
المنيع لا يدخله الداخل إلا طرق مطيلا صابرا إننا ننحت ونحب الكتاب عمارة... (ص15)
عند
هذا الحد تقف أوجه الشبه بين النفير والقيامة والرواية الجديدة الفرنسية وتبدأ
أوجه الاختلاف، ففي الرواية الفرنسية يطغى الوصف واللغة الحيادية المدعمة لمنزع في
القص أراده أصحابه موضوعيا ويقع التركيز كما يقول محمد الباردي على الفعل العادي
واليومي (بغية) طمس ملامح الشخصية وإغراقها في اللاهوية من خلال المواقف الخالية
من التعيينات الاجتماعية والإيديولوجية والرامية إلى تسطيح الواقع وإفراغه من عمقه
النفسي والإيديولوجي" (الرواية العربية والحداثة ج1 دار الحوار للنشر
والتوزيع ط1 اللاذقية 1993 ص182) أما في "النفير والقيامة" فلا حضور
للوصف إلا إذا اقتضته ضرورة ملحة ولا وجود للغة محايدة وأنى لها أن تحضر وصاحبها
لا ينفك عن التذكير بأنه طرف في ما يروي وما يقول؟ وكيف السبيل إلى طمس ملامح
الشخصية وإغراقها في اللاهوية أو إلى تسطيح الواقع وإفراغه من عمقه النفسي
والإيديولوجي في نص هو التغير الممهد للقيامة أو لنهضة العرب واستردادهم الوجه
الذي فقدوه تقول الشخصية الراوية:
(ن)
استوقفني صوت الجماعة:
-ماذا
تنعى ولمن تنعاه؟
قلت:
-الوجه
قالوا:
هذا وجهنا علينا لم يبارح.
قلت:
الوجه
هو الأسوار والحدود والحوزة. هو الحرف لا يجتث من رحم التربة كالحشرة. هو القامة
المديدة واليد العليا، الوجه هو الأرض والنبض والقيامة". (ص87).
يقول
آلان روب غرييه Alain Robe Gureit وهو أشهر أعلام الرواية الجديدة الفرنسية "ليس للكاتب
الحقيقي ما يقول" فالأب كما يظهر من هذه المقولة ومن كتابات الروائيين الجدد
ليس تمثيلا ولا تعبيرا ولا تواصلا. فلا شيء يسبق الكتابة لا الأنا وهو ما يقصي
التعبير ولا العالم وهو ما يصير التمثيل مفهوما باليا. فلا وجود إذن لرسالة تبليغ
ولا إلهام ولم يعد هناك كاتب ولا أثر ولا خلق بل ثمة شيء ما يجب أن يصنع ولم يعد
هناك شيء يجب أن يقال: "Clandelte
Oriol-Boyer, nouveau roman et discours critique.Elling, 1990 P72" إلا أن صاحب النفير والقيامة خلافا للروائيين الفرنسيين
الجدد له أشياء كثيرة يريد أن يقولها وأن يبلغها وقد كانت السخرية من أهم الأدوات
الفنية التي توسل بها إلى تصوير العالم والتعبير عن المواقف وستركز على التجربة في
نصنا باعتبارها تقنية تكشف ذاتية الراوي من جهة وترسم علامة من علامات تميز
الرواية الجديدة التونسية عن الرواية الجديدة الفرنسية من جهة أخرى.
يصور
الراوي في "النفير" واقع الهزيمة والاندحار وأي واقع أنسب من هذا الواقع
ليبرز الخطاب الساخر؟ فلا السخرية إطلاقا ما لم تكن هناك نقائص ولقد تسلطت سخرية
الراوي على الحاكم (حوت القرش) والمحكوم (الشعب، الأمة) وعلى نفسه وتعددت أساليبها
وتنوعت. من ذلك أنه يستعمل لفظا ويريد نقيضه فإذا دبابات العدو الزاحفة الماحقة
"دبابات آمنة" (ص36) والحدث الكارثة الذي هز نفسه وأغمها مصدر فرح وبهجة:
"ابتهجت لهذا الحدث السعيد" (ص39) ومظاهر القمع وعلامات فساد العقل أو
غيابه عقل وحكمة" معقول، شيء معقول" (وردت هذه العبارة في النص ثلاث
عشرة مرة) وحوت القرش "ملاك رحمة" (ص64) والحال أن السياق يؤكد أنه
شيطان نقمة وهو "فلذة الكبد" (ص26) رغم أنه العدو المقيت. والعدو ملاك
رحمة يتسلل إلى المستشفيات حتى يساعد من أمهله المرض المزمن على الرحيل
العاجل" (ص62) وتنشأ السخرية أيضا من تبادل الأدوار بين المغلوب والغالب ومن
قلب المعني عبر استعمال اللفظ وإرادة ضده. فالهزيمة نصر والعدو حبيب وبلاده كعبة
يحج إليها المهزومون يعتذرون عن الحرب ويبشرون بالسلم كأنما هم الذين بادروا
بالحرب أو هم قادرون على فرض السلم يقول الراوي: "وانطلق سعادة حوت القرش
وفودا ملوكا يطوفون ببيوت الله تناسلت ويجوبون فيافي الثلوج وصحاري الصقيع يبشرون
بفتح الله والسلم الوليد" (ص103).
وقد
تتولد السخرية لا عن تبادل الأدوار بين طرفين وإنما عن تحول موقف شخصية ما، في
حركة تمويه، من النقيض إلى النقيض. فحوت القرش خان وطنه وتواطأ مع العدو، ومع ذلك
خاطب شعبه مهنئا إياه بالنصر: "فصائل ثورتنا المظفرة تضرب مثلا فريدا في
الصمود والثبات. العالم بأسره يصفق استحسانا لهذه الملحمة النادرة". (ص55)
وعندما يسأل عن الأراضي التي ضاعت (ص55) سينكشف تمويهه وتمثيله دور حامي الحمى إذ
يجيب مراوغا: "سنستردها بحول الله، كثرة الانتصارات تصيبنا بالتخمة وقد
يحسدنا عليها الجيران. حسادنا في عدد النمل وعدته" (ص55) والتمويه في خطاب حوت
القرش مفضوح. ولعل ذلك ما يحملنا على الاعتقاد في تدخل الراوي في هذا الخطاب،
فالحوت يشد بـ "الأبطال" واصفا إياهم بما ينفي عنهم البطولة فقد
"تم إجلاؤهم عن مواقعهم" (ص55) وإن المفارقة المتولدة عن التقاء الصفة
بالموصوف لتعكس سخرية لا من "الأبطال" وإنما من المتكلم نفسه.
وقد
يسخر الراوي فيتظاهر بالمدح وهو في الحقيقة يذم ويتظاهر بالجدية فيضمن خطابه كلاما
من المأثور الديني ولكنه في الواقع يسخر: "أنتم خير أمة أخرجت للناس تحضون
على الخير والسلام وتنهون عن الشر والحرب وتأبون سفك الدماء المغيزة.."
(ص65). ذاك موقفه من بني أمته وهو لا يختلف عن موقفه من حوت القرش هذا الذي استأثر
بالنصيب الأكبر من سخريته. يقول: "حوت القرش في مهرجان النار والدمار وحيدا
وأطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم لولاه لاستفحل أمر الطيور المغيرة. لولاه
لنامت المدينة قاطبة تحت الأنقاض" (ص66).
والتظاهر
بالتهوين من شأن الشر الحاصل من أساليب السخرية وهو يخلق مسافة بين ضعف العبارة
وخطورة الحدث" وقد استخدم هذا الأسلوب عند استعراض نتائج العدوان. يقول
الراوي: "عدد القتلى زهيد. وأزهد منه عدد الجرحى والأسرى والمفقودين وأزهد من
الكل عدد المسجونين في المعتقلات رهن التحقيق مائتا ألف فقط..." (ص54).
وقد
تنبني السخرية على وصف المواقف من ذلك تصوير الراوي حوت القرش وقد امتطت ظهره
امرأة، تخز جنبيه بخنجرين أثبتا في مؤخرة حذائها" (ص42) ووصف موكب حوت القرش
الضخم وتهليل الفقراء وتكبيرهم" أمام الخيام تمزقت أوصالها" (ص51) وتصوير
ما كان يحدث داخل بعض البيوت إبان غارة يقول الراوي: "وثمة بين الأنقاض
والدخان والنار والغبار رجال ونساء باغتهم الموت فظلوا وحدة لا تنفصم عراها".
(ص38).
إن
ما ولد خطاب الراوي الساخر بقطع النظر عن الأسلوب المعتمد هو التقابل بين واقع
مرفوض وواقع منشود. فالراوي الذي سخر حتى من نفسه حين صور وجهه تصوير
الكاريكاتوريا (ص24) شعر شعورا حادا بانقلاب الموازين لغير صالحه ولغير صالح القيم
النبيلة. وهو، ككل ساخر، مثالي على نحو ما، يتألم من الخطأ ويريد إصلاح ما يشوه
الحقيقة متوسلا بالسخرية سلاحا. وهو حين يقيم المسافة الضرورية لإدراك الخلل
السخيف يجبر المتلقي على المقارنة بين واقعين واقع حاضر في النص ومندد به وواقع
غائب عنه وعن الوضعية المنتقدة.
حاولنا
الوقوف عند أهم نقاط الائتلاف والاختلاف بين "النفير والقيامة" والرواية
الجديدة الفرنسية ويبدو لنا أن الاتفاق في استخدام بعض تقنيات الكتابة السردية يجب
ألا يحجب الاختلاف في توظيفها ولا أسبابه. فالنفير والقيامة قامت على مجموعة
حكايات مشدودة إلى بعضها بعضا بروابط متنوعة ومتعددة وهي بمثابة الروافد التي تصب
في مجرى واحد، فمنها مجتمعة تتشكل الحكاية وتتكون فإذا هي حكاية لها بداية ووسط
ونهاية وهي تعج أحداثا وإنها لحكاية ممتعة بفضل ما عمد إليه الراوي من تشويق ومن
تكتم على نهايتها التي لا تظهر إلا في آخر النص. فالحدث لم ينف إذن ولم ينقص من
شأنه ولم "يخفت حضور الشخصيات" (م.الكيلاني) بل بالعكس فقد تعاظم
وتنامى وكانت الشخصية فاعلة و متكلمة
ورائية ولعل تضخم حجم كلامها النصي يبرز مكانتها في العالم الروائي وفعلها فيه
وطموح صانعيها إلى الفعل في الواقع المرجعي. ويكشف دور الشخصيات الأساسي في اختلاف
نصنا مع الرواية الجديدة الفرنسية التي عد أحد أعلامها Ario
الشخصية مفهوما باليا ويلاحظ الاختلاف أيضا في مستوى أهمية الحدث أو الحكاية،
فالحكاية في الرواية الجديدة الفرنسية فقدت طابعها اليقيني وهدوءها وبراءتها (Aner ) وأصبحت الأحداث في بعض الروايات تضع نفسها باستمرار موضع شك
وتهدم نفسها بنفسها إلى درجة أن الجملة نفسها يمكن أن تحوي تقرير أمر ونفيه الفوري (A.R.G)
ولئن لم تكن الحكاية بريئة في نصنا ظلت فيها كما بينا شامخة عتيدة. وفي هذا الصدد
يقول مصطفى الكيلاني "إلا أن الرواية الباحثة لم تغرق في التجريب بشأن
الرواية الجديدة الفرنسية بل حاول كاتبها إيجاد طريق بين الموروث التقليدي
والتقليدي الجديد والرؤية الغربية في مجال الإبداع الروائي مما جعل التجارب
التونسية الباحثة ضمن الروايات العربية المجددة تسعى إلى تحقيق الهوية. فلا تتوغل
في تحطيم الشخصية مخافة أن يغرق الخطاب في "اللامعنى" ولم تتبع طريق
"اللاحكاية" بل رأت في الحكاية التراثية والحديث والخرافة وحلم الواقع
مسالك سردية تكسب النص الروائي طبيعته المميزة.
قد
يكون الخوف من أن يغرق الخطاب في "اللامعنى" سببا من أسباب عزوف الراوي
في النفير عن السير في طريق "اللاحكاية" ولكننا نجدنا أميل إلى اعتبار
أن السبب الرئيسي لانفجار الحكاية في الرواية الجديدة الفرنسية ولمحافظتها على
سالف مكانتها في نصنا هو الواقع التاريخي الذي نشأت فيه هذه النصوص فقد لاحظ والتر
بنيامين أن فن القص في الغرب في طريقه إلى الانقراض لدى عامة الناس. فقد قلت
الخبرة بالحياة وهي تتناهى إلى الصفر وأصبح الفرد منغلقا على ذاته ومنقطعا عن العالم الخارجي فمع الحرب العالمية
الأولى انطلقت سيرورة لم تفتأ تتسارع ويتساءل بنيامين: "ألم تلاحظ بعد الهدنة
أن المقاتلين رجعوا من الجبهة بكما وقد افتقرت تجربتهم القابلة للإبلاغ؟".
ضاع الفرد في الغرب فظهر ذلك في الأدب والرواية خصوصا وتشيأ الإنسان فكانت الشخوص
في تخييل الأشياء ولكن الوضع الحضاري والتاريخي الذي نشأ فيه نصنا مختلف عن الوضع
في أوربا الغربية بعد الحرب العالمية الأولى. فلا يزال الفرد عندنا مؤمنا بدور له
في المجتمع ولا تزال بنية المجتمع محافظة على طابعها التقليدي رغم ما لحقها من
تغيير. وقد أدى التصادم مع الغرب إلى الاحتماء بالذات القومية دون انغلاق فالتقليد
الظاهر في مستوى الفن هو في الواقع وليد ظرف تاريخي ووضع حضاري فبدا السرد مفككا
في نصنا وأوهمت الحكاية فيه بالانفجار ولكن المتأمل يدرك أن خيطا رفيعا ينتظم
السرد وأن انتظامه وثيق الصلة بالحكاية المروية، فليس التفكك إلا ظاهرا يخفي باطنا
يسمه الانتظام والوحدة والتماسك وبذلك يتضح أن الراوي يتوسل بالتشويش والفوضى
الظاهرين على السطح إلى خلق النظام الذي لا يدرك إلا في العمق. فإذا كانت فوضى
السطح تضارع فوضى المرجع فإن نظام العمق يمثل جهد الراوي للرأي الصريح الذي أصاب
المرجع، فهو يحاكي الواقع المفكك ليعيد ترتيب عناصره وفقا لتصوره الخاص، فيصبح
السرد شكلا من أشكال مقاومة تدهور الواقع من منطلق تمثل هذا الواقع ورفضه وتجاوزه.
وختاما
فإن كل إنتاج جديد هو قراءة لنصوص سابقة وقد قرأ صاحب النفير والقيامة نصوص
الرواية الجديدة الفرنسية وقد يكون اطلع وهو الأرجح على ما كتب حولها من دراسات
نقدية ولكنه لم يقلد كتابتها ولم يستنسخ تقنياتها وإنما تمثلها وحاورها فاستخدم
أهم أساليبها ووظفها توظيفا جديدا راعى فيها الأدب بوصفه تصويرا وتعبيرا وإبلاغا
واستجابة لمتطلبات المرحلة التاريخية ومقتضياتها.
|
متابعات
البرنامج الثقافي الذي أنجزته الجاحظية في الفترة
● محاضرات ومداخلات
وعروض
29-03-2000:
الاتجاهات الحديثة في مجال النشر للأستاذ الدكتور علاهم رابح.
03-04-2000: واقع
الكتابة المسرحية للأطفال في الجزائر للأستاذ العمري بوطابع.
9/10-04-2000: (بقصر الثقافة مفدي زكرياء) الأزمة الجزائرية
الأخيرة في الأدب للأساتذة: محمد يحياتن، عبد القادر جغلول، السعيد بوطاجين، محمد
ساري، إبراهيم سعدي.
19-04-2000: الموسيقى والإنسان للأستاذ بوزيد عمور.
26-04-2000: الشيخ بيوض ونماذج من جهوده الإصلاحية للأستاذ قاسم
بن أحمد الشيخ بلحاج.
03-05-2000: قراءة في كتاب أحمد بناسي "سهام نحو المدرسة
الأساسية" للأستاذ عبد الرحمن عزوق.
10-05-2000: قراءة في كتاب عبد القادر بن سالم "الأدب
الشعبي في منطقة بشار" للأستاذ عبد الحميد بورايو.
24-05-2000: ندوة حول راهن الأدب والثقافة في مصر للدكتورة
أمينة رشيد والدكتور سيد بحراوي.
31-05-2000: قراءة في كتاب "صناعة القرار السياسي في
الخلافة الراشدة" للأستاذ محمد بغداد قدمها الأستاذ عبد العزيز راس المال.
07-06-2000: الحركة الوطنية الجزائرية من الوحدة إلى الانشقاق
للأستاذ لخضر سفير.
14-06-2000: قراءة في رواية "الفجوة" للأستاذ حفناوي
زاغز قدمها الأستاذ سعيد بوطاجين.
03-07-2000: قراءة في رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي
للأديب الطاهر وطار قدمها الدكتور أحمد منور.
12-07-2000: قراءة في المجموعة القصصية "تكسير
الرياح" للقاص العيد بن عروس قدمها الدكتور أحمد منور.
17-07-2000: مفارقات
الفكر الإسلامي المعاصر للأستاذ عبد العزيز تقية.
22/23/24-07-2000: ندوة حول الحريات الفكرية في شمال إفريقيا.
28-09-2000: ندوة حول التطبيع الثقافي مع إسرائيل نشطتها مجموعة
من الأساتذة والمثقفين.
04-10-2000: قراءة تأملية في رواية الولي الطاهر يعود إلى مقامه
الزكي للأديب الطاهر وطار قدمها الأستاذ أحمد بناسي.
11-10-2000:
التأمل التجاوزي وتطور الوعي الصافي للأستاذ بن سعيد عبد الحميد.
15-11-2000: التجربة الصحفية الجزائرية في العشرية الأخيرة
للأستاذ أحمد شنيقي.
21-11-2000: حول الشاعر الأديب صالح خرفي في ذكرى وفاته الثانية
للأستاذ قاسم الشيخ بلحاج.
●الأمسيات
17-05-2000:
أمسية طربية مع صوت أمينة وأوتار وحيد باي.
01-06-2000: مونولوج "صح يالجورناليست" لفوزي بولحية.
05-06-2000:
أمسية شعرية مع الشاعرين فضيلة
بوسعيد وعبد الرحمن عزوق.
21-06-2000: أمسية شعرية لمجموعة من الشعراء (عربي، شعبي،
فرنسي، أمازيغي).
28-06-2000: أمسية شعرية للشاعر أحمد عاشوري حول ديوانه "العوسجي".
26-07-2000: عرض فيلم مصري من
إخراج تهاني راشد بعنوان "أربعة نساء من مصر" وحفل طربي مع أمينة
شهرزاد.
27-09-2000: أمسية
طربية أندلسية وحوزي مع جمعية مزغنة.
18-10-2000: أمسية شعرية للشاعر محمد توامي.
25-10-2000: أمسية
شعرية للشاعرين بن عزوز عقيل ونصر الدين حمداوي بمناسبة صدور ديوانيهما:
"مناديل العشق"، "صدق المشاعر".
08-11-2000: أمسية شعرية لمجموعة من المواهب.
22-11-2000: أمسية قصصية للقاص محمد دحو.
●
المعارض
03-05-2000: معرض الفنان سنايني نور الدين.
07-06-2000:
معرض الفنان التشكيلي عامر شعباني من دلس.
08-06-2000: معرض المنحوتات الحجرية للنحات معروف الركبي من تيميمون.
21-06-2000:
معرض الفنون التشكيلية لجمعية نجوم لمدينة مفتاح.
03-07-2000:
معرض الفنون التشكيلية للفنان مصطفى جايز.
27-09-2000: معرض للنحت على الورق للفنانة منيرة عربي من بسكرة.
18-10-2000:
معرض تشكيلي للفنان خليفي عيسى.
08-11-2000: معرض لجمع القطع والأوراق النقدية للفنان أحمد
تتبيرت.
* Debbie Cox : ناقدة إنجليزية.
وقد نُشر هذا البحث في كتاب " دراسة في آداب إفريقيا Research in
African Literature ".