· الصحافة الجزائرية والثقافة                                             الطاهـر وطار        4

· بيان التبيين                                                           الأزهري ريحاني        5

 

 


· مفهوم الحقيقة عند تشالز ساندرس برس (الحقيقة المجتمعية)       مفتاح محمد                7

·إشكالية المنهج والرؤية في الخطاب الإيديولوجي العربي (القسم الثاني)     بهادي منير         25

 

 


*  كتابة تاريخ السرد العربي (المفهوم والسيرورة)                            سعيد يقطين      33

*  إسهامات العرب في دراسة أفعال الكلام (المباشرة وغير المباشرة)          عمر بلخير      45

 

 


*  تدريس اللغات: ليونارد بلومفيلد                            ترجمة: محمد الصالح بكوش      53

الملف    

 
 

 


*   الطاهر وطار... المغامرة والحدس                               اسماعيل فهد اسماعيل      66                      

*  الأزمة الجزائرية في الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي           عبد الرحمان مزيان      69

*  حوار مع الروائي الطاهر وطار                                  أجراه: عياش يحياوي       76

 

 


*  الأديب بين الحرية والالتزام                                                محمد ساري       87

*  التفكيك: على هامش المعنى والحضور                               محمد شوقي الزين       98

*  صورة "الأنا" و"الآخر" في المجتمع الجزائري                             إبراهيم سعدي      106

*  العولمة الثقافية بين الخصوصية والعالمية                        عبد العزيز راس مال      113

 

 


*  البرنامج الثقافي الذي أنجزته الجاحظية في الفترة                                          119

          الممتدة بين أكتوبر 1999 – مارس 2000

 

 


الصحافة الجزائرية والثقافة

 

 

على خلاف باقي صحافة الدنيا كلها, صحافتنا في الجزائر معربة ومتفرنسة, لا تولي للثقافة إلا النزر اليسير من أعمدة صفحاتها, فخبر النشاط الثقافي, لا ينشر في بعضها إلا كإعلان تجاري, وفي بعضها لا ينشر إلا بالإلحاح وبإراقة ماء الوجه, وإذا ما صدر كتاب جديد فنادرا ما تكلف صحيفة من الصحف قارئا متخصصا ليستعرض الكتاب, ولا يوجد في بلادنا إطلاقا ما يعرف بالتقريظ ولا ما يعرف بالترويج, وهنا أستثني بعض ما ينشر بالفرنسية إذ أن هناك شبكة كاملة تتجند لهذه المهمة, التي قد تتعدى حدود الوطن إلى فرنسا بصفة خاصة, كما تفعل في إحياء ذكرى وفاة أو ميلاد أي كاتب أو فنان... فالراحلة إيديت بياف قبل فضيلة الدزيرية ومريم فكاي وجان غابان قبل الحاج العنقاء وقبل العماري أو رويشد أو حلمي أو أي جزائري أو عربي آخر من الميدان والوسط.

لا يوجد ملحق ثقافي لا منفصلا ولا متصلا, يصدر عن أية جريدة, كما هو الشأن لباقي الصحف في الدنيا الأخرى, كل ما هنالك, هو صفحات من الحجم الصغير ككل الصحف الجزائرية, تنشر حسب ما يقع عليها من برقيات, أو ما  ترى أنه يكسبها قراء مما يتم السطو عليه من الزميلات في المشرق أو المغرب. وإذا ما تقدم لها باحث ما بمقال, فالشرط الأول والأخير أن لا يكون المقال طويلا.

إن الانطباع الذي يتبادر إلى ذهني شخصيا عادة وأنا أتصفح الجرائد الجزائرية هو أنها أشبه ما تكون بسيارات التاكسي عندنا, يمشي أصحابها في الاتجاه الذي يعجبهم, وبتضايق من الزبون مهما كان, مع كثرة الشكوى من متاعب المهنة.وهي أيضا لا تختلف عن الحاكم الجزائري ليس له بضاعة يبعها أو يوليها اهتمامه  خارج السياسة إطلاقا. مع كثرة الشكوى مما مضى ومما يخبئه الزمان.

على ذكر الشكوى, فكل الصحافة الجزائرية يشتكي فيها من لا يكتبون من قلة الكتابة, وغير المثقفين من غياب المثقف والثقافة, في حين لا يجد الكاتب ولا تجد الكتابة, كما لا يجد المثقف ولا تجد الثقافة حيزا .

   كل هذا في حين نجزم جميعا, بأن أزمتنا كجزائريين وكمعظم الشعوب النامية, هي بالدرجة الأولى ثقافية, وأن مخرجنا والمخرج الوحيد, أمام التحديات الكونية الراهنة والقادمة, هو الثقافة, بكل أبعادها

أهي مرحلة زائلة, أم هو مرض مزمن؟ إن السؤال ينبغي أن يظل مطروحا, "... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا" على حد تعبير امرئ القيس .

 

 الطاهر وطار

 

 

 

 

 

بيان التبيين

 

 
 

 

 


العربية والإسلامية. البحث الثاني، لعمر بلخير، حول مختلف إسهامات  العرب في مجال دراسة أفعال الكلام، عنوانه "إسهامات العرب في مجال دراسة أفعال الكلام المباشرة وغير المباشرة"، درس فيه بإيجاز، مختلف المحاولات التي كانت تهدف، في التراث العربي والإسلامي، إلى تحليل الخطاب انطلاقا من السياق بمختلف أنواعه، مستندا إلى بعض محاولات إعادة قراءة التراث اللساني العربي. في ركن "نصوص مترجمة"، تقترح المجلة نصا للساني الإمريكي ليونارد بلومفيلد وترجمه عن الانجليزية الاستاذ محمد الصالح بكوش، موضوعه "تدريس اللغات"، وهويبقى مهما كائنا ما كان التاريخ الذي كتب فيه،بالنظر إلى حاجتنا إلى تعلم اللغات غير العربية والتعامل معها مع تحاول التبيين، في كل مرة تصدر فيها، الظهور بمظهر جديد شكلا ومحتوى.

والآن، وقد أصبحت "التبيين" مٌحكمة، بحيث تشرف هيئة من الأساتذة الباحثين من مختلف التخصصات والاهتمامات، على قراءة النصوص الموجهة للنشر فيها انطلاقا من الشروط التي وضعتها المجلة، محاولة منها، الالتزام بصفة العلمية في ما ينشر، وهوالأمر الذي تشترك فيه مع مجلات علمية أخرى ولكن مع هذا الفارق وهو أنها, كما توضح ذلك في العدد السابق، فتحت مجالا للاشتغال الفكري الذي ينفلت, ولو جزئيا، من قيود الأكاديمية، كما هو جار في توجهات الجهد العلمي والفكري الفلسفي المعاصر، وهو ما خصصت له المجلة ركن: محاولات Essais.

بالنسبة لمواد العدد، خصصت المجلة ركنها الأول، "دراسات في المجتمع والفكر"، لدراستين مهمتين، الأولى، للباحث المغربي محمد مفتاح، بعنوان: "مفهوم الحقيقة عند تشارلز ساندرس برس" عرض فيها النسق السيميوتي Sémiotique الذي يحكم الحقيقة في تجليها الاجتماعي، أي الحقيقة المجتمعية. كما تواصل المجلة نشر القسم الثاني من مقالة الباحث بهادي منير: "إشكالية المنهج والرؤية في الخطاب الإيديولوجي العربي" والتي يدرس فيها علاقة الاستشراق بالفكر العربي.

في ركن "دراسات في اللغة والأدب"، تقترح المجلة على قارئها، بحثين مهمين كذلك، الأول للباحث سعيد يقطين، بعنوان "كتابة تاريخ السرد العربي" حاول فيه عرض وتجاوز مشكلة تأريخ ومفهمة (من المفهوم الجامع) مختلف الأشكال الحكائية والسردية التي عرفتها الثقافة ما يتطلبه من طرق في التعليم.

أما بالنسبة للملف، فقد خصص، لرواية الأديب الروائي، الأستاذ الطاهر وطار "الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي"، أدرجت فيه مقالة للروائي والناقد اسماعيل فهد اسماعيل، عنوانها "الطاهر وطار... المغامرة والحدس" تعرض فيها لظاهرة الكتابة الروائية عند الطاهر وطار، ثم مقالة للأستاذ عبد الرحمن مزيان بعنوان "الأزمة الجزائرية في الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي" والتي يدرس فيها شروط قراءة هذا النص ومختلف مستويات التعامل معه. كما ارتأت المجلة أن تعيد نشر الحوار الذي أجرته معه جريدة الخليج مباشرة بعد تكريمه في مهرجان "القرين" بالكويت.

في ركن "محاولات"، تنشر المجلة أربع محاولات Essais لأساتذة باحثين مهتمين بشؤون الأدب والفكر والفلسفة.

الأولى، للباحث والأديب محمد ساري، تناول فيها المشكلة التقليدية المتعلقة بحدود الحرية داخل ما يسمى بالالتزام في الأدب، المحاولة الثانية للباحث الشاب محمد شوقي الزين، تعرض فيها بأسلوب خاص جدا، لمفهومي "التفكيك" و"الاختلاف" وممارسته من طرف الراحل بختي بن عودة. ثم ثالثة، لإبراهيم سعدي، تعرض فيها لأحد مكونات الهوية الجزائرية (كمفهوم سياسي)، ألا وهو اللغة في إطار دينامية العلاقة التي تأسست بينها وبين مكون هويتي آخر، في علاقته مع "الآخر" بمختلف تجلياته.

المحاولة الرابعة، للباحث الاجتماعي عبد العزيز راس مال حول تحديات العولمة الثقافية للخصوصيات الثقافية للمجتمعات.

 

تبيين البيان

 

لقد اتجهت مجلة التبيين هذا المنحى الجديد، كما يلاحظ قارئها ذلك، لاعتبارات عديدة أهمها:

- أن الثقافة الجزائرية، في كل أشكالها التعبيرية، هي ثقافة غير متعلمة، (غير عالمة)، ذلك أن العلم غائب غيابا شبه كلي عن حقولها، كما أن الثقافة الجزائرية –إذا صح تعبير "جزائرية" لا تصنع العلامة (الدليل) ولا تنتجها وتخزنها، بل تتلفظها وتلفظها.

- أن العلم في الجزائر، علم غير مثقَّف وغير مثقِّف، وبعيدا عن كل وظيفة إصلاحية يفترضها فيه بعض "المنظرين" للثقافة والعلم، نؤكد على ضرورة استدراج بل و"جر"ِّ الجامعة وهي الميدان الذي نفترض فيه القيام بوظيفة تخلت عنها منذ عشريتين على الأقل، إلى ساحة الثقافة والممارسة الاجتماعية للعلم.  

                                                                             الأزهري ريحاني


دراسات في المجتمع والفكر    

 
 

 

 


مفتاح محمد(*)

 

 

 

 
 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


مفهوم الحقيقة عند تشالز ساندرس برس

الحقيقة المجتمعية

 

تمهيد:

حينما يريد الباحث أن يشخص مفهوم الحقيقة عند ش.س. برس فإنه يقع في مسالك ضيقة نظرا لأن هذا المنطقي والرياضي والميتافيزيقي متعدد الأبعاد متنوع التفكير كثير الكتابة، فإذا أجمع الباحثون على أنه أهم فلاسفة أمريكا في العصر الحديث، أو على الأقل من أهمهم فإنهم لا يتفقون في تشخيص آرائه وإثبات تماسكها وانسجامها.

إلا أن ما كاد الرأي يستقر عليه هو أن برس تَبَنَّى موقفا نقديا مناوئا للميتافيزيقا التقليدية، وأنه هو مؤسس المذهب الذرائعي أو الذرائعاني، وخصوصا في أعماله الأخيرة، مع التنبيه إلى أن تحقيب تفكيره يختلف من باحث إلى آخر. على أن كثيرا من الآراء تميل إلى أن برس يتميز تفكيره الذي صاغه فيما بعد 1907 (1)عما قبل هذا التاريخ، وما دام إشكالنا هو البحث عن الموقف من ميتافيزيقا الحقيقة فإننا سنَتَبَنَّى هذا التقسيم. وسندعو المرحلة الأولى بالإسمية، والمرحلة الثانية بالواقعية مع التسليم بامتداد تفكير المرحلة الأولى في المرحلة الثانية.

I- المرحلة الاسمية

يمكن اعتبار هذا التحقيب قسمة كبرى يحتوي كل طرف منها على حقب صغرى. وهذا ما فعله


كثير من الباحثين. ولهذا رصدت ثلاث حقب أساسية:

1- الحقبة الأولى:

الحقبة الأولى هي الكانتية (1855-1870) حيث راجع فيها المقولات الكانتية مثل العلاقة والكمية والكيفية، والجهة، وهي مقولات مستمدة من المنطق الأرسطي القديم، وهي تتشاكل مع الكلية، والإثبات، والجزم، والإمكان. ولكن مراجعته بقيت ضمن الإطار المنطقي الأرسطي فأبقى على مقولة العلاقة ومقولتي جهتي الإمكان والضرورة، ومقولة الشيء في ذاته، ولكنه رفض مقولة الجزم، ومهما يكن فإن "كانت" من أهم المؤثرين في برس الذي كان يخصص ساعات عديدة مدة سنوات لمدارسة نقد العقل الخالص، حتى كاد يحفظه (2). وتبنى أطروحة "كانت" المركزية التي تدعي: أن "وظيفة الوعي هي اختزال تعدد الانطباعات الحسية إلى  وحدة"(3).

 2- الحقبة الرياضية المنطقية:

تتلو هذه المرحلة العلائق (1870-1884 أو 1887). وقد تأثر فيها بالمنطقي "دومركان" De Morgan الذي كتب مقالة سنة 1866 حول منطق العلاقات مقترحا فيها قائمة جديدة للمقولات. وقد بعث "دومركان" بها إلى برس فكتب من جرائها مقالة حول وصف ترميزي للمنطق العلاقي، كما تأثر فيها بالرياضي دوبوول De Bool. وقد تجلى تأثر برس في إقامة فلسفته الميتافيزيقية ومنهاجيته الدليلية على مقولات ثلاث أو على علاقة بين أطراف ثلاثة. وبناء على هذا التأسيس فإنه لا يمكن أن تفهم أية ظاهرة ضمن حد واحد أو حدين، أو ضمن أربعة حدود، وإنما في إطار علاقة بين الأطراف الثلاثة. ولذلك، فإن ما دون الثلاثة يجب أن يصير إياها، وإن ما فوقها يجب أن يختزل إليها (4). والمهم أن هذه العلاقة الثلاثية المنطقية والرياضية تأسست عليها فلسفة برس الميتافيزيقية ومنهاجيته الدليلية والعلمية.

3- الحقبة التطورية:

إلا أن برس لم يقف عند العلائق المجردة، وإنما منحها مستندات تطورية وتأسيسات ظاهراتية (1887-1907). ويرى بعض الباحثين أنه أنفق من حياته ما يقرب من ثلاثين سنة لإنجاز تصور انتظام كوني (كوسمولوجيا) يرى أن العالم سيرورة متصلة نحو الانتقال من العماء إلى النظام، ومن لعبة المصادفة إلى قاعدة(5) القانون. ومن الذين تأثر بهم الطبيعانيون الذين من أشهرهم Agassiz, Louis وخصوصا كتابه محاولة في التصنيف (1867) ، ولهم أطروحاتهم في نشأة الكون وتكون المخلوقات، كما تأثر بالنظرية التطورية بصفة عامة(6). وما يهمنا في هذا الصدد هو تأثره بالنزعات التطورية المختلفة التي انعكست في فلسفته الميتافيزيقية وفي دليليته. ويجده القارئ يناقش هيجل وشيلينغ رافضا الأفكار المجردة والمنهاجية الجدلية، ولكن في الوقت نفسه يأخذ بمثالية موضوعية ترى أن نسق الطبيعة مساوق لنسق الأفكار(7)، والحق أن مسألة المساوقة ضاربة الجذور في الفكر البشري منذ مثالية أفلاطونية إلى الواقعية المدرسة فإلى الواقعيات الجديدة، ومن ثمة فإن هناك مساوقة بين الإدراك البشري وبين الموجودات ذلك أن "كل شيء يقدم لنا هو تمظهر ظاهراتي لذواتنا".(8)

II - المرحلة الواقعية

تلك هي حقب المرحلة الاسمية التي اعتمدت على الفلاسفة المثاليين والمتدينين، ولعل الفقرة التالية تعكس ما قدمناه، يقول: " الكون علامة هائلة، ورمز عظيم لقصد الله يصنع خلاصاته من الواقعات الحية" (9). و"الكون الشامل ليس كون الموجودات فقط، ولكنه هو الكون الشامل كله المحتوي على الموجودات باعتبارها جزءا، أي ذلك الكون الذي اعتدنا أن نحيل عليه باعتباره "حقيقة"، كل هذا الكون متشرب بالعلامات، إذا لم يكن مركبا بصفة خاصة منها"(10).

1- حقبة الإرهاصات الواقعية:

قد يفهم مما تقدم أن النزعة المثالية كانت هي المهيمنة على توجهاته الميتافيزيقية والدليلية رغم حديثه عن العادة وتحولاتها وعن دور المعتقدات والمقاصد والغايات في كتاباته سنة 1877، 1878، و1900، أي أنه بقي محصورا في نطاق الحديث عن العلامة التي تتولد منها العلامة، أي في إطار الأقوال لا الأفعال، وقد يفهم آخرون انه كان واقعيا منتقدا للفكر الميتافيزيقي منذ بداياته الأولى. ولكل من الفهمين أدلته في كتابات برس. وللخروج من هذا المأزق يجب افتراض تحقيب آخر لتطور فلسفة الرجل. والتحقيب الإبستمولوجي المقترح هو ثلاث حقب، أولاها حقبة مثالية (1839-1877)، وثانيتهما حقبة مشوبة بالمثالية والواقعية    (1877-1907)، وهي التي وقع فيها الانتقال من الشكلانية الكانتية نحو الذرائعية والطبيعانية والتجربانية، وثالثتهما حقبة واقعية(11).

2- الحقبة الواقعية:

إذا كانت الحقبة الوسطى مشوبة أو متشربة للمفاهيم الكانتية، ومنها الذرائعية، فإنها تشربت أيضا بالطبيعانية التي كان يمثلها أكاسيز Agassiz، وبالتطورية الداروينية. وكان لهذه النزعات العلمية أكبر الأثر في الحقبة التي أسميناها بالواقعية، وهي حقبة تمتاز بنقد الميتافيزيقا والقضايا التي تتحدث عنها فرأى أنها غير ذات معنى وعبثية، وتمتاز بتطويره للمنهاجية الذرائعية التي تبناها منذ سنة 1878 في مقالته الشهيرة: "كيف نجعل أفكارنا واضحة"، ووصل التطوير أوجه في سنة 1907. إذ يمكن اعتبار هذا التأريخ بمثابة قطيعة مع الاتجاه المثالي السابق. (12)

يظهر من أقواله عن الذرائعية أنه حافظ على معناها الكانتي الذي هو الفعل أو العمل، ومن ثمة أقام ترابطا بين المعرفة العقلية والغاية العقلية، ومن ثمة فإنها ايضا "ليست مذهبا ميتافيزيقيا وليست محاولة لتحديد حقيقة ما للأشياء، ولكنها مجرد منهاجية لتحقيق معاني الكلمات القوية ومعاني المفاهيم المجردة"(13). ولتحقيق هذا التحديد فإنه اقترح قواعد تقوم على الهدم والبناء، يتعلق الهدم بالمسائل الفلسفية المزيفة، وبإبعاد المسائل الميتافيزيقية، وأما البناء فيتجلى في اقتراح حلول للمسائل الفلسفية، "الحقيقية" بالمناهج التجريبية المعتمدة على الملاحظة والاستقراء، ووسيلة الهدم والبناء هي تحليل المفاهيم الثقافية والعلمية، وهكذا حللت بعض المفاهيم العامة مثل المؤول إلى مفاهيم خاصة واقعية تقابل المفاهيم المجردة، أو توازيها. إن "المؤول الذي كان عبارة عن تحديد مجرد أنتجته علامة استبدلت به تعديلات متنوعة ناتجة عن استجابات عادية"(14).

III- تجليات المرحلتين

1- فرضية الاتصال:

يقرر كثير من الباحثين في فكر برس أنه كان ينطلق من فرضية أساسية هي: "اتصال الكون"، وهي فرضية تستلزم نتيجة طبيعية هي "انتظام الكون"(15). وهذه الفرضية ليست من اختراع برس لأنها قالت بها كثير من التيارات الفكرية القديمة والمعاصرة، وخصوصا الأفلاطونيات والفيتاغوريات. وقد يفهم من هذا أن برس فيلسوف اسماني بالضرورة. ولعل هذا ما يستشف من كتاباته الأولى ولكن كثيرا من كتاباته الأخيرة تبين أنه صار فيلسوفا واقعيا وذرائعيا. ومع ذلك، فإنه يمكن القول: إنه حافظ على الفرضية ولكنه تخلى عن أبعادها الاسمية فجعلها مجرد افتراض تشييد علائق وترابطات واتصالات. وهذا ما أكده بعض الباحثين ومنهم ماكس فيتش Max Fish حينما قال: "الترابط ليس مذهبا ميتافيزيقيا مطلقا ونهائيا، ولكنه مبدأ منطقي منظم معين لصنف الفرضية التي يجب أن تعالج"(16). قد يفهم من هذه القولة أن برس لم يتأثر بالكسمولوجية الأفلاطونية وفرضياتها، وإنما تأثر بإجراءاتها الرياضية، وليس هذا صحيحا بإطلاق.

إن ما يهمنا هو أن مفهوم الاتصال، ومفهوم الانتظام ومفهوم الترابط يستند إلى تصور كسمولوجي معين يرى أن أي شيء يمكن أن يجزأ بحسب مرتبته ومنزلته في النسق العام. وتبعا لهذا يمكن البداية من المجرد والانتهاء بالمحسوس، وهذا هو شأن الميتافيزيقا القديمة: الوجود المجرد والوجود في عالم الأذهان والوجود في عالم الأعيان، أو "عالم " الشيء في ذاته، وعالم الظواهر، وإذا تبنى هذه المفاهيم فإنه بدأ بالمحسوس وباليومي المستند إلى الإدراك الإنساني وإلى دور المجتمع والتراضي في قبول الأشياء الحسية والمعنوية وإن انتهى إلى نوع من المطلق.

ميتافيزيقا برس تجمع بين ما في الأذهان وبين ما في الأعيان، وبين ما في الأذهان وبين ما في الأبدان، وهذا الجمع هو ما أطلق عليه بعض الباحثين اسم المنهاج الظاهراتي الذرائعي، فهة ظاهراتي من حيث أنه يعتبر الظاهرة بأنها هي كل ما هو حاضر في الذهن بطريقة ما أو بأي معنى دون اعتبار ما إذا كان مناسبا لشيئ واقعي أو غير مناسب له، وهو ذرائعي من حيث إنه يتخذ الغاية والمنفعة والعادة والمجتمع منطلقات لخلق الرموز والقوانين، فهذه المنهاجية، إذن يمتزج فيها الفكري بالواقعي والتأملات الذهنية بالملاحظة المباشرة الأمنيةالأمنية المستمرة.

2- فرضية الاقتطاع:

في إطار هذه النزعات المثالية الأفلاطونية والمثالية الخالصة، والمثالية الوضعية، والطبيعانية والتطورية والتصورات العلمية التجريبية والواقعية اليومية فإننا سنتابع تقطيعات برس للوجود من حيث جهاته ومراتبه، ومراتب علاماته، ومراتب تأويلها، ومراتب طرق الاستكشاف، ثم من حيث البحث عن إقامة تواز بين ما وراء الطبيعة وبين الطبيعة.

أ- جهات الوجود:

1- الأولانية:

انطلق برس في تقطيعاته لجهات الوجود من تصور ميتافيزيقي ورياضي في آن واحد. التصور الميتافيزيقي يتجلى في البداية بالمجرد والانتهاء بالمحسوس، وأما التصور الرياضي فهو الابتداء بالصفر والاستمرار إلى ما لا نهاية، ولكن برس اكتفى بمراتب ثلاث بعد الصفر؛ ففي درجة الصفر ليس هناك شيء، وليس هناك داخل وخارج وقانون، وإنما هناك إمكانيات غير محدودة. وبعد الصفر تأتي مرتبة الأولانية، وهي وجود الشيء في نفسه مرتبط بشيء من الأشياء، ولكنه ممتد في الأشياء   المادية (17). أما الأولانية- إذن- تمثل الوجود الكيفي.

2- الثانيانية:

حينما يتحقق الشيء ويصير موجودا فإنه من المرتبة الثانيانية لأن ما وجد بارتباط مع شيء آخر، وما وجد بعلاقة الثانيانية هو مثل الفعل ورد الفعل، والضغط والمقاومة، وعلاقة الحال بالمحل، والصانع بالمصنوع، واللازم بالملزوم، هو وجود يقابل العدم له داخل وخارج وقبل وبعدإنه الوجود الفعلي المتجسد المرتبط بعالم الموجودات التي يترابط بعضها ببعض.

3- الثالثانية:

ولا يكتسب الموجود هويته ووظائفه إلا بانتظامه وتبنّيه من المجتمع الذي يجعل منه قانونا عاما ملزما، أي ثالثانيا، إن الثالثانية لازمة عن المرتبتين السابقتين، فهي تتويج لهما أو قمة لهما من جهة أو باعتبار، وهي من جهة ثانية أب لهما حيث يمكن التنقيص والضغط والإضعاف، أو التكبير والنشر والتنمية. ومن ثمة فإن كل ظاهرة تحتوي على الأولانية والثانيانية والثالثانية، وأغلب الثقافات الإنسانية هي إحدى درجتي الثالثانية. ولفهم هذه الدرجات يجب إدراكها في نسق كما يجب إعادة التضخمات إليه. الثالثانية نسق يتحكم في عناصره الموجودة ويستحضر إلى الذهن ما غاب منها، والثالثانية ليست مفروضة من الطبيعة ولكنها فرضت على الطبيعة لتحديد اللامحدود كما فعل الأسلاف من الفيتاغوريين على الخصوص.(18)

ب- عناصر التدلال:

إن هذه الثلاثية الميتافيزيقية تضاهيها ثلاثية تدلالية، وهي تتكون من ثلاثة عناصر: هي الممثل والموضوع والمؤول. ويعثر القارئ على تحديدات كثيرة لكل عنصر من هذه العناصر، لكن النص التالي يقدم خلاصة ما انتهى إليه برس، يقول: "العلامة أو الممثل هو الأولاني الذي ينوب عن الثانياني الذي يسمى الموضوع. والممثل يحدد الثالثاني الذي يدعى المؤول، وهذه هي العلاقة الثلاثية الأصيلة(..). وأي شيء يحدد شيئا آخر هو (مؤوله)، بحيث إن المؤول يحيل على موضوع، وهذا الموضوع يحيل بدوره على موضوع آخر بنفس الطريقة، أي أن المؤول أصبح هو نفسه علامة وهكذا إلى ما لا نهاية"(19). إلا أن هذه القولة تحتاج إلى تفصيل وخصوصا فيما يتعلق بتراتبية العناصر. يمكن أن ينظر إلى مراتبها من جهتين: جهة التحليل وجهة التأليف. فمن جهة التحليل

 فالمثل      المؤول       ا لموضوع، وأما من جهة التأليف

 الموضوع    المؤول       الممثل.

1- تراتبية العناصر:

تلك هي عناصر التدلال، وهي عناصر يحتل كل واحد منها رتبة معينة في العملية التدلالية، إلا أن كل رتبة يمكن أن تدرج إلى ثلاث درجات من الوجهة الحسابية الخالصة مما ينتج عنه سبعة وعشرون درجة (33 )، إلا أن برس لم يحقق هذا عمليا، فقد درج بعض الرتب ولم يدرج بعضا آخر. ومهما كان فلنذكر العناصر ورتبها ودرجاتها إذا وجدت.

أ- الممثل، وله ثلاث رتب هي الكيفية والتفردية والقانونية.

ب- الموضوع وله ثلاث مراتب هي الأيقون والمؤشر والرمز، والأيقون ثلاث درجات هي: الأيقوم المطابق، والمماثل، والمشابه، والرمز درجتان: طبيعي وعقلي.

جـ- المؤول وله ثلاث مراتب هي الحملية والقضوية والبرهانية؛ وقد درجت البرهانية إلى ثلاث، والقضوية إلى اثنتين.

يتبين من هذا أن هذا التراتب والتدريج منهما ما هو كامل ومنهما ما هو ناقص، ومنهما ما هو غير مذكور.

2- التراتب الكامل:

ينطلق برس في بنية ثلاثية العناصر هي الأولانية والثالثانية إلا أنه يجعل الثالثانية هي المهيمنة في عمليات التوليد، ويجعل الثانيانية والأولانية منحلتين عنها. ويوضح هذا قوله: "افتراض شيء مَّا يدور حول عنصر إدراكي معين تكمن فيه الفكرة بدون اعتبار لأي عنصر آخر"(20). الثالثانية هي العنصر الإدراكي، وهو الذي يقع التوليد منه، وهذا يقتضي أن الأب يتحكم في الولد، والأكبر في الأصغر والمحسوس، والعام في الخاص، وقد أسمى هذه الثالثانية بالطبقة الطبيعية؛ وما دامت كذلك فإنها يمكن أن تتكون من ثالثانية أصيلة وثالثانية منحلة انحلالا قليلا، وثالثانية منحلة انحلالا كثيرا    (21)، كما يمكن أن تنشطر الثالثانية إلى ثالثانيات على درجة واحدة من التكافؤ وكذلك في الثانيانيات والأولانيات.(22)

يشجع على هذا التأويل الذي اقترحناه ما نلاحظه من تماثل بين الميراث المنطقي وصنيع برس، التراث المنطقي يتحدث عن الأجناس العليا والوسطى والأنواع والأصناف، وتعكس هذا الترتيب الشجرة الفورفورية، وبرس يستعمل الطبقات وشبه الطبقات، أو الأجناس والأنواع والسلاسل   (23)، ومع وجود بعض الاختلاف فإن الآلة التصنيفية واحدة.

 


 

 

 

 

لنوضح هذا في خطاطات:

 

انحلال الطبقة الواحدة:

 

3

3

3

تكافؤ الطبقات:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


3- تصنيف التراتب الكامل:

 إلا أن هذا التراتب لا يتم دائما بهذه الكيفية والخطاطة وبين عناصر محدودة، ولذلك يجب أن يرصد بين الطبقات جميعها حتى تتبين قيود الترتيب ومظاهر الانحلال والتنامي، لهذا نقترح الخطاطة التالية:

 

 

 

 

 

أ- قيود الترتيب:

 

الثالثانية

3

الثانيانية

2

الأولانية

1

جهات الوجود

 

جهات التدلال

القانونية

1. 3

التفردية

1. 2

الكيفية

1.1

الممثل

1

الرمز

2. 3

المؤشر

2.2

الأيقون

2. 1

الموضوع

2

برهاني

3.3

قضوي

3 . 2

حملي

3 .1

المؤول

3

 


 

من خلال التوليف بين هذه العناصر وترتيبها تنتج عشر طبقات، هي:

1-الكيفية الأيقون الحمل     (1.1.1)         عاصفة ما.

2-التفردية الأيقون الحمل  (2. 1.1)       رسم هندسي.

3-التفردية المؤشر الحمل  (2.2. 1)      صرخة تلقائية.

4-التفردية المؤشر القضية (2.2.2)         ناعورة.

5-القانونية الأيقون الحمل  (3. 1.1)       مخطط عام.

6-القانونية المؤشر الحمل (3. 2. 1)         اسم إشارة.

7-القانونية المؤشر القضية (3. 2. 2)     صوت في زقاق.

8-القانونية الرمز الحمل   (3. 3. 1)        اسم مشترك.

9-القانونية الرمز القضية     (3. 3.2)         قضية.

10- القانونية الرمز البرهان            (3. 3.3)       برهان منطقي  (24).

 

 

 

ب- مظاهر الانحلال والتنامي:

كما يمكن أن ينظر إلى هذه البنية من حيث الأصالة والتنامي، وهي بهذه الجهة تنقسم إلى ثلاث طبقات، الطبقة الأولى وهي الأصيلة وتتمثل في الكيفية (1.1) والمؤشر (2.2) والبرهاني (3.3)، والطبقة الثانية هي المنحلة وتتجلى في الأيقون (2. 1) وفي الحملي (3. 1) وفي القضوي (3. 2)، وأما الطبقة الثالثة فهي المتنامية، وهي التفردية  (2.1)  والقانونية (1. 3) والرمزية        (2. 3).

 

 

جـ- جهات العمليات التوليدية:

مقولة الكيفية الأصلية (1.1) يمكن أن تكون أولى وثانية وثالثة، فالأولى هي الكيفيات المشتركة التي هي الامتداد والحركة والمدة، والثانية هي الكيفيات المحسوسة، والثالثة هي التأثيرات والانفعالات مثل الحزن والجمال وكل ما يحصل من شيء مؤثر.

مقولة الوجود المتحقق في (الآن-هنا-أنا)، وهو يحصل من تأثير شيء في شيء آخر، وقد يكون الموجود إنسانا أو شيئا أو حدثا (2.2).

مقولة القانون العام (3.3)، وهو قانون احتمالي وافتراضي، فهو إذن يتعلق بالإمكان والمستقبل، ولا يطلق عليه اسم قانون إلا إذا صار عادة، على أن العادة تتجدد باستمرار، مقولة الثالثانية هي مقولة الاستمرار.(25)

الطبقة المنحطة هي أولانية الثانية     (2. 1) وهي مقولة الوجود الواقعي الكيفي، وهي من حيث وجود واقعي فهو محس به ومعيش فيه وبه، ولكنه وجود أحادي، وهي أولانية الثالثة (1. 3) التي هي الانفعال أو الفكر أو الإرهاص أو بداية شيء ما، وهي ثانيانية الثالثانية وتعني حصول شيء أو حدث (3. 2) ومعرفة محدثة بدون تقديم براهين منطقية.

وأما الطبقة المرفوعة فهي مقولة الثانيانية للأولى (1. 2)، أي أن الكيفية الأولية تتجسد في موضوع متفرد كأن تصير رائحة مطلقة رائحة الوردة، وهي مقولة الثالثانية للأولى فتصير الكيفية إمكانا خالصا للفكر قد يتحول إلى قانون (1. 3)، وهي أيضا مقولة الثالثانية للثانية (2. 3) التي يصير فيها الإحساس رمزا متواطأ عليه.

يتبين من الرفع أنه يمكن ترقية الكيفية إلى التفردية فإلى القانونية، والكيفية المحسوسة إلى رمز متفق عليه اجتماعيا كما يمكن حط البرهان إلى القضية فإلى الحمل، والإحساس إلى كيفية.

4- التراتب الناقص:

تلك هي التراتبات التي يكاد يجمع عليها جل الباحثين، ولكن هناك تراتبات وتأليفات أخرى هي في طور الإنجاز يسهم فيها كثير من الباحثين. وهذه التراتبات متعلقة بطرق أنواع الاستبدال وجهاتها ودرجاتها، أو هي متعلقة بما يدعى "المنطق النقدي"، كما أن الباحثين اهتموا بأنواع المؤولات ومجالاتها ومناطاتها. وما دامت بعض المؤولات لا تعتمد على الاستدلال فإننا سنرجئ الحديث عنها بعد أن ننهي حديثنا عن الاستدلال الذي بذلت مجهودات في إعادة بنائه في أقوال برس.

أ-أنواع الاستدلال:

استخلص بعض الباحثين من كتابات برس ثلاثة أنواع من الاستدلال هي: الاستنباط والاستقراء والفرض الاستكشافي. وللاستنباط ثلاث درجات هي الاستنباط الاستلزامي والاستنباط الاحتمالي، والاستنباط النظري، ويتجلى الاستنباط الاستلزامي في البراهين الهندسية والجبرية، وباعتبارها براهين تحليلية فإنها أقوى أنواع الاستدلال، ومع ذلك فإنه ليس معصوما من الخطأ، ولذلك يتلوه الاستنباط الاحتمالي الذي يقيس افتراضا على افتراض مثل الالتقاء بمجموعة من طلبة كلية الآداب ثم يفترض أن المجموعة التي ترافقها هي من كلية الآداب أيضا. وأما الإستنباط النظري فهو يتجلى فيما يضيفه المحلل من خطوات نظرية أو أفكار ليست في المقدمات الأصلية أو في المعلومات السياقية.(26)

والاستقراء يتتبع الجزئيات بطرق نظرية أو مِخْبرية، وفي ضوء النتيجة التي يحصل عليها يمكن أن يكون الاستقراء كميا أو كيفيا، والاستقراءان معا احتماليان.

وأما الفرض الاستكشافي فهو واحد، وهو استدلال يدخل أفكارا جديدة للعلم، ومن حيث إنه كذلك فقد وصفه برس بأنه "الحصن المنيع للعلم"    (27).

بيد أن باحثا آخر اقترح ثلاثة مستويات للفرض الاستكشافي، وهي: أولا ما تكون فيه النتيجة غريبة وغير قابلة للتفسير، ولربما تكون داخل مجال المشاكل المبحوث نفسها، ولكن على الباحث أن يجدها لأن وجودها محتمل. وثانيا ما يصعب تحديد القاعدة فيه، إلا أنها موجودة في مجال ما، ولذلك فإن الباحث مضطر إلى أن يراهن على أنها تمتد (تكون) في ظواهر أخرى. وثالثا لا توجد قاعدة إلا أن على الباحث أن يخترعها بقرار منه بناء على أسباب وجيهة.(28)

يتحصل مما تقدم أن التنويع الأول ودرجاته راعت التراتبية الميتافيزيقية. فالثالثانية ثلاثة أصناف والثانيانية صنفان والأولانية صنف واحد. وأما التنويع الثاني فإنه اعتبر ثلاثيات برس جزئيا، إذ يجب من حيث المبدأ أن يكوّن في كل منزلة ثلاث درجات حسب ما تتطلبه القوانين الرياضية.

إن التّنويعين اختلفا من حيث الاعتبار. فمن اعتبر التراتبية الميتافيزيقية قام بعملية الحط، ومن اعتبر التوليف الرياضي اقترح ثلاث درجات في منزلة الأولانية للثالثة، ولو تابع لصارت الرتب تسعا، ولكن هذا التدريج تعتريه صعوبات تطبيقية، على أن من يدقق في تقسيمات الباحثين وتأويلاتهم يمكن أن يردها إلى التقسيم الثلاثي المعروف، وهو الفرض الاستكشافي والاستقراء والاستنباط. ذلك أن الفرض الاستكشافي ومستوياته والاستنباط النظري والاستنباط الاحتمالي والاستقراء الكيفي تكاد تكون شيئا واحدا، وحينئذ لا يبقى إلا الاستقراء والاستنباط، بيد أن اعتبارنا المنهاجي يفرض علينا أن نصنع سلما ذا درجات ست، هي الفرض الاستكشافي والمقايسة الإبدالية والمقايسة الخلاقة والاستقراء الكيفي، والاستقراء الكمي والاستنباط.(29)

ب-أنواع المؤولات:

تلك هي تراتبات الاستدلال ودرجاته، والتأويل متوقف على الاستدلال، إلا أن التأويل يمكن أن يقسم إلى قسمين، أولهما ما تقوم به اللغة، وثانيهما ما ينجزه الإنسان.

1- تأويل العلامة بالعلامة:

قد تقدم أن برس كان متأثرا في بداية حياته العلمية بتيارات مثالية متعددة الأفلاطونيات والهرمسيات والكانتيات، وبالرياضيات والمنطقيات، وكان متأثرا أيضا بالتيارات الطبيعانية والداروينية ذات النزعات التجريدية. ونتيجة لهذا التأثير فإن الباحث يجده يردد أصداء الاتجاهات جميعها(30). يعلم الباحثون أن الأفلاطونيات والهرمسيات تقوم على المماثلة للربط بين الكلمات بالانتقال من كلمة إلى كلمة ومن معنى إلى معنى بدون نهاية مما يحول العالم كله إلى مجرد ظواهر لغوية(31)، ويمكن تأطير برس من قبل 1900 (32) ضمن هذه المقاربة التي تحمل العلامات تعيد نفسها وتؤول نفسها بنفسها، إلا أن تحديده للعلامة الذي هو:"شيء ما إذا عرفناه نعرف شيئا ما أكثر"(33) -وهي كثرة دائمة ومستمرة للحصول على المعرفة-تجعله يمتاز من الاسمانيين الذين يجعلون كل معنى هو تحصيل حاصل، على أن هناك مشابهات بينه وبين الهرمسيين. وتتجلى في اقتراحه مؤولات عديدة.

المؤول المباشر الذي هو عبارة عن علامة تؤول علامة إلى ما لا نهاية، مؤول الممثل أو العلامة هو مؤول آخر للموضوع نفسه، أي أن الكلام ينتج الكلام: المترادفات، البيت الثاني يؤول البيت الأولالقصيدة الثانية تأويل للقصيدة الأولى..

المؤول الدينامي هو مجرد شيء ممنوح عند الله ينزله(34) على ذهن المؤول.

المؤول النهائي متعال فهو لا يبعد أن يكون إلهاما أو وحيا أو قضاء وقدرا لا دخل للإرادة البشرية فيه، فالمؤول النهائي سائر نحو غاية محددة سلفا ضمن غائية الوجود برمتها، وكأن التدلال سائر نحو "علة غائية"، أو "مقصدية"(35)، في تطور ذاتي.

2- تأويل العلامة بالمؤول:

إلا أن هذا الاتجاه الغنوصي الهرمسي بدأ يتخلى عنه منذ 1900 إلى أن صار ذرائعيا مخبريا ثائرا ضد الميتافيزيقا، وأثناء هذه الحقبة بدأ يقترح مؤولات أخرى متعلقة بالذات المؤولة(36). وهذه المؤولات ثلاثة، هي:

المؤول الانفعالي الذي هو عبارة عن ردود فعل نفسانية تجاه الممثل (شعور بالحمرة، التأثر للموسيقى، والاستغراب). وهذا المؤول هو اول درجات التأويل البشري للظواهر.

المؤول الطاقي الذي يتطلب مجهودا، وقد يكون المجهود عضليا أو فكريا.

المؤول النهائي الذي هو عبارة عن عادة أو تحول عادة؛ تلك هي التقسيمات المتداولة، ولكن هناك تقسيمات فرعية أخرى هي: المؤول المنطقي (الأول)، والمؤول المنطقي النهائي، والمؤول المنطقي الأخير، وهو العلامات الثقافية، وتحول العادات، ونهاية أية عملية دلالية، إلا أن هذا التقسيم مخالف لمعطيات النصوص؛ إذن فهو أولى بالمؤول النهائي منه بالمؤول الدينامي. ولعل هذا ما يؤكده تقسيم بعض الباحثين إلى المؤول النهائي، فهو عنده ثلاث درجات، هي:

-المؤول النهائي الأول: هو عبارة عن العادات وتحولات التي تكتسيها الجماعات بالتجربة، وهو المؤول الذي يعبر عن "الحقيقة".

-المؤول النهائي المختص: الذي هو عبارة عن عادة مقتصرة على أهل الاختصاص (الجماعات العلمية والفكرية).

-المؤول النهائي الأخير: وهو الخاص بالاستدلالات المنطقية(37).

 

 

4- التوازي بين مبادئ الدليلية ومبادئ الذرائعية:

إلا أن التحقيب السابق ومسألة الربط بين الحقبتين تطرح عدة إشكالات:

1- إشكال العلاقة بين الحقب:

ذلك أن التحقيب المذكور ليس إلا مجرد تغليبات. وهكذا افترض أن الحقبة المثالية تتجلى في تأويل اللغة باللغة، سواء أكان التأويل مفردة بمفردة، أو متوالية بمتوالية، أم نصا بنص، وأن الحقبة الواقعية يتجلى فيها المجهود البشري بعاداته وأعرافه وسلوكه، وبين هاتين الحقبتين وسيط هو الحقبة المنطقية التي تأسس عليها فكر برس منذ 1860 إلى آخر حياته وإن وقع التركيز على قضايا معينة قبل 1900 وقضايا مخالفة بعدها.. فقد تحدث في 1866 عن القضايا الشرطية والجازمة وعن الموضوع والمحمول. وفي 1897 عن قانون الاستدلال. ولكن بعد 1900 كتب مقالات عن البرهان الذي هو أساس لتوليد طبقات العلامات. ومع ذلك، فإنه أحل الآليات الاستدلالية مكانة مرموقة واعتبرها أساسا لأية معرفة، وهذا ما آمن به إلى أن قضى نحبه. (38).


2-  إشكال التفريع:

ذلك أحد الإشكالات. وهناك إشكالات أخرى تتعلق بتفريعات المقولات والعناصر وحصرها وربطها بمراحل تاريخية محددة. وهكذا، فإذا تعرض كثير من الباحثين للمؤولات وأنواعها فإنهم اختلفوا في أعدادها وإثبات العلائق فيما بينها، إلا أننا نستطيع أن تقترح التوازيات التالية على أساس الإشارات السابقة:


 

الثالثانية

الثانيانية

الأولانية

 

المؤول النهائي

المؤول الدينامي

المؤول المباشر

الحقبة المثالية

المؤول المنطقي

المؤول الطاقي

المؤول الانفعالي

الحقبة الذاتية

الاستنباط

الاستقراء

الفرض الاستكشافي

الأبدية

 


إلا أن هناك تفريعات أخرى لبعض الباحثين تلتقي وتختلف، فبعضهم فرع المؤول الدينامي إلى:

    -      مؤول دينامي منطقي أول.

   -      مؤول دينامي منطقي نهائي.

   -      مؤول دينامي منطقي آخر.(39)

وبعض آخر لم يفرع المؤول المباشر ولا الدينامي وإنما قسم المؤول النهائي إلى:

    -      المؤول النهائي الأول.

   -      المؤول النهائي المختص.

   -      المؤول النهائي الآخر.(40)

وباحث آخر جزأ المؤول الدينامي والمؤول النهائي. المؤول الدينامي عنده:

  -     مؤول دينامي داخلي يستند إلى المعرفة الخاصة بالمؤول.

  -     مؤول دينامي خارجي يلجأ إلى السياق الخارجي(41).

وأما المؤول النهائي فهو التقسيم السابق نفسه، وقد حاول موازاة كل درجة من المؤولات بآلية استدلالية معينة مما أدى إلى التوازيات التالية.

- المؤول الدينامي الداخلي = الفرض الاستكشافي.

- المؤول الدينامي الخارجي  =الاستقراء.

-المؤول النهائي الأول     = الفرض الاستكشافي.

-المؤول النهائي المختص   = الاستقراء.

-المؤول النهائي الآخر      = الاستنباط.

إلا أن هذا التوازي فيه تداخلات وفيه نقصان، وليصير ملائما لنظرية برس التي تقوم على مقولة الثالثانية فإنه يجب التوفيق بين هذه الاقتراحات واقتراحات أخرى،فيكون التوازي كالتالي(42):

المؤول المباشر           = الفرض الاستكشافي.

المؤول الدينامي الأول    =  الاستقراء الكيفي.

المؤول النهائي الأول     = الاستنباط النظري.

المؤول النهائي المختص = الاستنباط الكيفي.

المؤول النهائي الآخر    = الاستنباط الاستلزامي.

التفريع بين التمام والنقصان:

تلك اجتهادات كثيرة لملء بياضات النموذج البرسي، وهي بياضات محايثة للنموذج نفسه. فقد أقام نموذجه على حسابات رياضية قد تصل أرقامها إلى الآلاف، وأقل أعدادها ستة وستون (66)، وأقل قليلها سبعة وعشرون (27)، وما وظفه النموذج هو عشر طبقات (10) من السبعة والعشرين(27). ذلك أن توظيف النموذج كاملا يفرض تقسيم كل مقولة إلى ثلاث درجات. وقد حاول بعض الباحثين استخلاص هذا التدريج من مقالات برس وأوراقه، ومنه ما هو تام، ومنه ما هو ناقص. التام هو الأيقون والفرض الاستكشافي والاستنباط، وقد جزئ كل منها إلى ثلاث درجات. وأما الناقص فهو المنطلق والموضوع والمؤشر والمؤول والاستقراء، وقد احتوى كل منها على درجتين.

يتبين من هذا أن عمليات التوليد والتدريج لم تنل كل الطبقات وبثلاث درجات حتى تحصل المطابقة بين النظر الرياضي والصناعة العملية، فليس هناك درجات للعلامة الأيقونية والرمزية. وليس هناك تدريج كامل للمؤشر أو تدريج ناقص أو تام للعلامة المفردة، وكل ما ركز عليه هو الثالثانية التي تتشعب إلى ثالثانيات متكافئة أو متدرجة أو منحطة إلى الثانيانية فالأولانية، وهذا التشعب يحصل إلى الثانيانية والأولانية أيضا.

5- تعديل النموذج

تلك بعض الاقتراحات لملء  بياضات نموذج برس، هذا النموذج الشديد التعقيد والغموض بل (والتناقض). وقد اعترف كثير من الباحثين باستحالة إثبات تماسكه واتساقه، فهو إلى ما تقدم وصفه به غريب المصطلحات والمفاهيم مع تعدد معانيها ومصادرها، ومع ذلك، فإنه يمكن تحقيق التماسك والاتساق وملء الثغرات بعدة مبادئ، أولها مبدأ التدريج الشامل، وثانيهما المبدأ الميتافيزيقي، وثالثها تعديل النموذج بإضافة عنصر رابع.

1- مبدأ التدريج:

إن كل مقولة من المقولات يمكن تدريجها إلى ثلاث درجات، وقد درج بعض الباحثين مقولات منها إلا أنها لم تدرج جميعها، وإذا تحقق ذلك فإن عدد الدرجات يبلغ سبعا وعشرين درجة (27)، بيد أن أغلبهم رتب عناصر النسق في عشر طبقات صحيحة وعادية ومنتجة، وقد تقدمت الإشارات إليها.

2- المبدأ الميتافيزيقي:

إن برس يرى أن الميتافيزيقا هي علم العلم الاستكشافي الذي يقدم إطارا عاما لوضع فرضيات عامة ولتسيير البحث، وهي المحتوية على نظرية غائية، وقد انتبه كثير من الباحثين إلى الأبعاد الميتافيزيقية في نموذج برس، وأشاروا إلى كثير من مصادرها، ولكنهم لم يضعوا اليد على المصدر الحقيقي الذي هو النظرية اللاهوتية في نشأة الكون وتطوره، وهي النظرة التي تكون نظام عقد نموذجه. وهي ترى أن الكون يتألف من عالم الأذهان (المجردات والشيء في ذاته)، وعالم الأذهان/الأعيان (التفرد)، وعالم الوقائع والتوقعات. لقد اعتمد برس على هذه الميتافيزيقا في بداية حياته العلمية إلى جانب المثاليات الأخرى الكانتية والهيجلية والتطورية وغيرها، إلا أنه قلبها وجعل عاليها سافلها وجعل نهايتها هي البداية فركز على الواقع واليومي والتفاعل المجتمعي، ومن ثمة التقى التمثال بالتدال في الحياة الاجتماعية والثقافية الطبيعية.

بيد أن مسألة البداية تفرض نفسها في الامتداد الميتافيزيقي ولذلك التجأ إلى الرياضيات لحلها. وإذا تبنى نسقا ثلاثيا ورد إليه المتعدد ونمى إليه الصغير واتخذه أداة للعمليات التوليدية والوصفية والتفسيرية فإنه أقر أحيانا بأن العلائق يمكن أن تكون أكثر من ذلك. وهذا ما يفهم من قوله بأن "الصفر الخالص سابق على كل أولانية" (43)، وعليه، فإن العلائق ليست بين ثلاثة عناصر بالطبيعة ولكنها عملية إجرائية واقتطاعية لامتداد فرض عليه الصفر بداية.

3- العلاقة الرباعية:

إذا كانت الفيتاغورية ترجح صنيعه بالانطلاق من الواحد (44) الذي تولدت عنه باقي الأعداد فإن المبادئ الأنطولوجية والرياضية تفرض عليه البداية من الصفر واتخاذه عنصرا قائم الذات (45) أي أن العلاقة تصير رباعية. وعليه، فإنه يجب تعديل نموذج برس، وهو تعديل تسمح به أقواله نفسها من حيث اعتماده الصفر، ومن حيث تفرقته بين الممثل والعلامة.


 

 

 

 

 

 

 

ولتوضيح هذا نقدم الخطاطة التالية:

 

الثالثانية

3

الثانيانية

2

الأولانيةا               1

الصفرانية

0

هات التمثال

 

جهات التدلال

التوقع

0 3

التفرد

0. 2

الموجود  في ذاته

0. 1

الموجود

0.0

الممثل

0

الاتفاق

1.3

التعليق

1. 2

الافتراض

1.1

 

التفكر

1. 0

العلامة

1

لترميز

2. 3

التأشير

2.2

التلقين

2. 1

 

التوهم

2. 0

الترميز

2. 3

 

الاستدلال

3.3

التقييس

3. 2

التحميل

3. 1

 

 

التخيل

3. 0

المؤول

2


  توحي هذه الخطاطة بالملاحظة العامة الٌتالية، هي أن هذا المخطط عقد النموذج أكثر مما بسطه، إذ أضاف عنصرا آخر هو الصفر، وهذا صحيح، فإذا ما التزمنا بالرباعية فإن المجموع يكون هو    4 16 (65536)، كما أننا إذا حاولنا ترتيب العناصر والتأليف بينها يكون الحاصل هو واحدا وعشرين طبقة يمكن إيجاد موازيات طبيعية أو لغوية لكل واحدة منها. لكن هذه العمليات الرياضية التي هي مفيدة من حيث ترتيب الظواهر وتنزيلها منازلها فإنها قليلة الجدوى على مستوى التحليل اللغوي. لذلك، فإن المهم هو التنبيه إلى أبعاد النموذج كما يظهر على الصفحة.


إن من ينظر إلى الخطاطة يستخلص ما يلي:

أولا أن هناك تطورا حاصلا بالانتقال من المجرد إلى المحسوس، ومن البسيط إلى المعقد، ومن العماء والفوضى إلى النظام والانتظام، وأن التعرف أو الإدراك أو الفهم يحصل بالتركيز على المحسوس وعلى الواقع ثم الانتقال إلى البحث عن القوانين العامة العميقة، المجرد المطلق العمائي هو الممثل Representamen، والمطلق القانوني المجتمعي الذي هو صياغة للعادات وتحولاتها Representamina.

ثانيا أن هذه التفرقة فرضت أجزى هي

 

الممثل والعلامة (46)، الممثل هو المنطلق الذي تتولد منه التمثلات والتمثيلات، والعلامة متعلقة بالتدبير البشري لهذا الكون، وهي من ثمة انقطاعية واقتطاعية ومتعلقة بالممثل الأول من حيث الوجود، وبالممثلات الأخرى المؤولة من حيث الإشارة إلى موضوع خاص.

ثالثا أن علاقة العلامة بموضوعها هي الترابط، وقد يكون شبيها أو تلازميا أو توافقيا تواطئيا، وقد تكون جميعها في الشيء الواحد، وهذا التعالق يفسح المجال أمام الباحث ليقارب العلامات الأيقونية والمكتوبات والرموز.

رابعا أن هذه المقاربة تتم بآليات استدلالية طبيعية واصطناعية تتجلى في المنطق الفطري بما فيه من حدوس وافتراضات، وفي المنطق الاصطناعي بما يحتويه من قياسات واستقراءات واستنباطات.

 

 

 

 

 

خلاصة:

تلك بعض الأبعاد التي يحتويها نموذج برس، وهي أبعاد جعلت نموذجه حيا تستمر بعض مبادئه في نظرية الحقيقة والذرائعية والتداولية وفي البيولوجيا وفي علم النفس المعرفي والذكاء الاصطناعي بما يتناوله هذا العلم من مسائل الإدراك والتعرف والفهم. وفي نظرية الأنساق العامة، وفي نظرية التطور المعاصرة.

كل هذه الأبعاد تجعل التفاصيل ليست مهمة بقدر ما تهم الكيفية التي يجب الاشتغال بها لتشكيل مخطط تجريبي والبحث عن امتدادات النموذج. وذلك ما ننوي القيام به فيما بعد.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

هوامش

 


1-هناك اختلافات كثيرة في تحقيب فكر برس، وتكفي الإشارة فقط إلى:

Gérard, De Ledalle , Théorie et Pratique du signe Introduction ă La sémiotique de Charles S. Pierce. (Payot, Paris, 1979).

-                    -Brenos, Serson, « On Peirce's Pure Grammar as a general Theorie of cognition. From the thought Sign of 1868 to the semiotic Theory of asserton ». Semiotica 113-1/2 (1997), 107-157.

-                                            T, L. Short, « what they Said in Amterdam ; Pierce's Semiotics

Today ».

-                                           

-                                             

-                                           

-                                           

-                                           

-                                           

-                                            (R.A). Semiotica 61-1/2 (1986), 103-128.

 

2-William J. ; Callaghan, Charles Sanders Peirce : «  His general theory of Signs ». (R.A). S. 61-1/2 (1986), 123-161.

-

-

-أkihأنهاأ ال                            

تلك بعض الأبعاد التي

            

             

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

3-Idem.p.  131.

4-Richard, Tersman, Peirce's theory of scientific discovry, (1987) pp. 41-45.

-William. J. Callaghan. Op ; cit. p.  130.

5-Joseph. L. Esposito, Evolutionary Metaphisics : The Development of Pierce's theory of categories. (Athen : Ohio University Press. 1980).

 Peirce's Speculation on the condition of representability « Semiotica 49 ½ (1984), 7-13.

-A.G. Jappy, Pierce's Third trichotomy and two cases of Sign path analysis Semiotica 49-1/2 (1984), 15-26.

-William, Seager, « Pierce's Teteological signs », Semiotica 69-3/4 (1988).

303-      314.

6-Richard Tursman, Op. Cit. pp. 106-111.

7-Richard Tursman, Op. Cit. p. 103.

8-Of signs and life Semiotica 101-3/4 (1994), 175-240.

William. J. Callaghan. Op. Cit. p.  128.

9-Floyd Merrell op. Cit.  133.

10-Idem.

11-هذا ما ورد في القراءة التي أنجزها T.L. Shart. انظر الهامش رقم 1.

12-William. J. Callaghan. Op. Cit. pp. 143-144. –See again T.L.Short. Idem.

13-William. J. Callagha.n. Op. Cit. p.  150.

-Encyclopédie Philosophique universelle. Les notions philosophiques. PUF 1990, voir pragmatisme. pp.  2015-2018.

14-T.L. Short. Op. Cit. pp. 119-120.

15-Richard Tursman. Op.cit. p.  98-103 ; pp. 87-90.

16-Richard Tursman. Op. Cit.p. 103.

17-نزعات أفلاطونية وأفلوطينية فيضية.

18-أنظر هامش 15، ص.  43.

19-هذه الفقرة يستشهد بها كثيرا باعتبارها أوضح فقرة تتحدث عن عناصر التدلال.

20-تتحكم في هذه الفكرة نظرية الفيض والنظرية التطورية، انظر كتاب ريتشاردتورسمان،صفحات: 37/42.

21- انظر هذا في كتاب:

Gérard Deledalle. Op. Cit. pp.  54-64.

22- هذا ما يستنتج من كلام ريتشارد تورسمان في الصفحات المذكورة أرقامها في الهامش 19.

23- انظر كتاب ريتشارد تورسمان. ص.  40-41.

24-أنظر كتاب جرارد دولودال. ص. 19-20، وكتاب ريتشارد تورسمان، ص. 51-53 وهناك خلاف بين المؤلفين في الترتيب، إلا أن الترتيب دولودال أدق وأوضح.

25- انظر تفصيل هذا في كتاب دولودال المذكور.

26- انظر تفصيل هذا في كتاب ريتشارد تورسمان. ص.  57-80.

27-ما تقدم، ص. 81

Abduction : « Sheet anchor of science ».

28- umberto Eco, The Limits of interpretation, Indiana University Press, 1990. Esp. ch.2. Unlimited Semiosis and Drift : Pragmatism VS. « Pragmaticism ». p. 38.

29- ستتجلى أبعاد هذه المنهاجية في الدراسات التطبيقية.

30- وهذا ما أدى إلى تعدد الآراء في تأويل أقوال برس، وعدم القدرة على إنجاز تحقيب مضبوط لفكر الرجل.

31- انظر كتاب "إيكو" المذكور، ص. 23-43، وخصوصا ص. 24-32.

32- هذا التحقيب مقترح من قبل Breno Serson انظر هامش رقم 1.

33- انظر أمبرتو إيكو، ما تقدم. ص.  28.

34-ما تقدم.

35- لم نعثر على بحث في هذا الموضوع ولكن إذا اعتبر مفهوم السيرورة الدلالية العمياء الآلية الناتجة من تلقاء نفسها فإن الاقتراح الذي قدمناه يصح.

36-يمكن تسمية الحقبة الأولى "بالحقبة الدلالية"، وهذه الحقبة بـ"الحقبة المعرفية" التي لا تنفصل فيها الذات عن التأويل وتشييد الحقيقة.

37- انظر في هذا التقسيم ما ورد عند إيكو فيما ذكر وفي مراجعة ت.ل. شورط فيما ذكر. ص. 115/118.

38- هذه آليات فكرية بشرية موجودة من حيث الطبيعة ومختلفة من حيث الدرجة. لذلك وقعت- التفرقة في الفطرة والعقل، أو بين المنطق الطبيعي والمنطق الاصطناعي "Logica utens and Logica Docens ".

39- انظر بحث "برونو سورسن" المذكور.

40- انظر بحث إيكو المذكور.

41- انظر برونو سورسن ما تقدم.

42- هذه اقتراحاتنا ستظهر جدواها عند التطبيق.

43- انظر الهامش 8. ص. 176.

44- انظر هذا فيما كتبه إخوان الصفا، يمكن الاكتفاء هنا بما ورد لدى ابن البناء المراكشي في كتاب: "رفع الحجاب عن وجوه أعمال الحساب" المشار إليه في الفقرة السابقة. ص.  208-211.

45- يتخذ الصفر فاصلا بين الأعداد الإيجابية والأعداد السلبية، انظر أيضا:

Floyd Merrell. p.  176.

46- هذه التفرقة وردت عند ب.سورسن. وقد نبهه إليها بالاط. وهي تفرقة حاسمة لفهم ميتافيزيقا برس ودليلته. انظر ص120.


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أ. بهادي منير(*)

 

 
 


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


إشكالية المنهج والرؤية في الخطاب الايديولوجي العربي.

(القسم الثاني)

 

2-4- الخطاب الماركسي:

ينطلق الخطاب الماركسي في نقده الايديولوجي للاستشراق من نقد كل من الخطاب السلفي والخطاب الليبرالي، محملا لهما المسؤولية في التمكين للاستشراق في الثقافة العربية المعاصرة، حيث أن الأول وظفه لاهوتيا لأجل اثبات حقائقه السلفية، أما الثاني فمن أجل ترسيخ التبعية السياسية والاقتصادية للإمبريالية.(1)

أ- وعي التجاوز:

يرى الخطاب الماركسي العربي أن حركة الإستشراق قد نشطت في تحقيق آفاق الاستعمار الرأسمالي، بتكوين أكثر الفئات إتصالا بالمجتمع الغربي تكوينا إيديولوجيا يستند إلى المركزية الأوروبية من أجل " صياغة فكر عربي جديد لدى الشبيبة والطلبة والمتعلمين والأساتذة والكتاب والباحثين"(2) وذلك بعد أن تمت الهيمنة السياسية والاقتصادية على المجتمع العربي وتكونت بورجوازيات كولونيالية تولت حكم هذه المجتمعات بعد الإستعمار. من هنا لم يجد الإستشراق صعوبة في النفاذ إلى الوعي العربي، حيث أصبحت منهجيته المنهجية المثلى لدى الباحثين والمثقفين العرب في فهم التاريخ العربي "أمثال


عبد الرحمان بدوي، وزكي نجيب محمود وسامي النشار"(3)، وهذا تعبيرا عن "إفلاس البرجوازية التابعة التي تدين بالولاء لخالقيها في الغرب على الرغم من شعاراتها السلفية التي طالما رفعتها لترشق بها طلائع الوعي الجديد من أعداء الإمبريالية وحملة الفكر التقدمي الحق"(4).

 هكذا يلتقي الاستشراق الغربي مع الخطاب السلفي والخطاب الليبرالي حيث أن الأول يمثل ويدافع عن الامبريالية ومصالحها في المجتمعات العربية والثاني يمثل ويدافع عن البرجوازيات العربية ومصالحها المرتبطة بالامبريالية.

 بهذا يرى الخطاب الماركسي أنه لم يتم الكشف عن ماهية وأساليب الاستشراق من حيث هو ملازم للاستعمار " إلا بالتعرف على الماركسية: هناك انفتحت آفاق للوعي بالتاريخ كما بالمجتمع"(5) وبالتالي فإن النقد العلمي للاستشراق هو النقد الماركسي والاستشراق العلمي هو الاستشراق الماركسي أو الاشتراكي ومنه يميز الخطاب الماركسي في الاستشراق الغربي بين خمسة إتجاهات هي:

1- إتجاه عرقي: يميز بين الشرق والغرب على أساس جنسي، معتبرا العجز العقلي طبيعيًّا في الشعوب (الإسلامية) السامية الشرقية لذا فإن العقل للغرب والقلب للشرق. ويمثل هذا الاتجاه كل من "هنريش بكر"(6)، و"أرنست رينان".

 2- إتجاه قائم على المركزية الأوروبية في الدراسات التاريخية والفلسفة ويمثل الغطاء الإيديولوجي للإستعمار والإمبريالية والسيطرة الثقافية الغربية على الشعوب الىسيوية والإفريقية. ويمثل هذا الاتجاه الفيلسوف الألماني "هيغل" الذي دعى إلى إلغاء الفكر الشرقي من تاريخ الفلسفة بحجة أنه فكر ديني رغم أنه أقام حركة التاريخ على حركة الروح(7). إن هذا الحكم الذي أصدره "هيغل" لم يكن سَبَبَهُ عدم الاطلاع على الثقافة الشرقية لأنه في الربع الأول من القرن التاسع عشر حين كان يلقي محاضراته في فلسفة التاريخ وتاريخ الفلسفة كانت المصادر متوفرة لديه لتقييم الثقافة الشرقية تقييما علميا لكن المنهجية المتبعة آنذاك كانت تقول بوجود فرق بين التفكير اللاعقلاني التركيبي الشرقي والتفكير العقلاني التحليلي الغربي وذلك تبعا للرؤية المركزية الأوروبية في تاريخ الفلسفة(8).

3- الاتجاه الذي ركز أبحاثه على إبراز الجوانب الصوفية في التراث العربي واعتبار الفكر العربي فكرا غيبيا وعمل على إقصاء الجوانب العلمية المادية والأبعاد الاجتماعية " الكامنة حتى في الأشكال الغيبية كىثار التصوف الفلسفي عند أمثال الحلاج والسهروردي الشهيد. بل لقد حاول الكثير من هؤلاء المستشرقين توحيد المنظومات الفلسفية لأمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد توجيها يصرفها عن أبعادها المادية ويفرغها من هذه الأبعاد لتصبح منظومات صوفية أو غشراقية أو دينية محضة"(9) ويمثل  هذا الاتجاه كل من "لويس ماسينيون" والمستشرق الدنماركي "مهرن" الذي جسد أفكاره المؤرخ الليبرالي "ابراهيم مد كور".

4- الاتجاه الإيجابي في الراسات الاستشراقية لتراث الشرق، يتميز بالصدق لإبتعاده عن "منهج التحايل الامبريالي في التاريخ"(10) الذي صدرت عنه رؤية الاتجاهات الثلاثة السابقة. يمثل هذا الاتجاه المستشرق والمؤرخ " بول ماسون أورسيل" صاحب كتاب " الفلسفة في الشرق" الذي استدرك فيه مواقف "برهييه " المركزوية في تاريخ الفلسفة الذي أهمل فيه الفلسفة في الشرق القديم جاعلا نقطة الانطلاق الفلسفة اليونانية.

 إن هذا الاتجاه " يبني معارضته على موقف نظري صحيح من الوحدة المتكاملة للتفكير البشري"(11)، وعلى أساس هذه الرؤية والمنهج كتب المستشرق "ريتشارد فالتزر" عن الفلسفة الإسلامية محددا مصادرها الداخلية والخارجية، إلا أنه انطلق " من مواقف مثالية وبرجوازية"(12). أدت به إلى الوقوع في بعض المآخذ المنهجية كإرجاعه حركة الترجمة العلمية والفلسفية إلى تعطش الخلفاء للعلم، عاجزا عن استنتاج السبب الحقيقي المتمثل في "حاجات التطور الاجتماعي إلى تطور المعارف العلمية... ومن ذلك أيضا، إرجاعه اختلاف "الفلاسفة العرب" من حيث علاقة كل منهم بالأفلاطونية المحدثة أو بالأرسطية، إلى "المزاج الشخصي" دون أخذه بالحسبان الظروف العامة التي اقتضت هذا  الاختلاف"(13)، وهذا نفسه ما أخذ به وركز عليه الخطاب الليبرالي.

لكن ما يتبين لنا من نقد الخطاب الماركسي لهذا الاتجاه الاستشراقي أنه يختلف معه لكونه أهمل العامل الاجتماعي الاقتصادي في دراسته للتراث العربي الإسلامي، وبذلك أدخله في عداد المثاليين المدافعين عن البرجوازية رغم صدق نيته ومحاولة رفضه للمركزية الأوروبية. هكذا تتحدد علمية وموضوعية المستشرق في نظر الخطاب الماركسي من خلال الموقع الذي يحتله من الماركسية ومنهجيتها العلمية، المادية التاريخية. أي أن المستشرق بمقدار ما يقترب من مواقع المادية التاريخية بقدر ما يكون إنسانيا ومستنيرا، لذا كان عالم الاستشراق الكبير "هاملتون جب" مصيبا في تطبيقه التفسير الاجتماعي والسياسي على التراث العربي الاسلامي، رغم تعميماته الميتافيزيقية على    التراث".(14)

6- الاتجاه الماركسي: تخلى عن الوجوه السلببية في الاتجاهات السابقة لاعتماده على المادية التاريخية كمنهج والاشتراكية العلمية كإيديولوجيا، لذلك " مايبدو استثناء في الاستشراق البرجوازي يصبح قاعدة في الاستشراق النقيض"(15).

أي الاستشراق الماركسي الذي يركز على الجوانب الاجتماعية الاقتصادية في قراءته للتاريخ الثقافي العربي الإسلامي. أما الجوانب السلبية التي وقع فيها الاستشراق الماركسي فلا ترجع إلى المنهج أو الإيديولوجيا »بل هي-بعد ذلك- مسألة تطبيق وممارسة... فهنا العامل الشخصي يطرق" باب المسألة ويدخل... هنا القدرات الذاتية تؤدي الامتحان: فإما النجاح بدرجات متفاوته، وإما السقوط...

أما مقياس النجاح والسقوط هنا، فهو مدى المسافة بين النظرية والتطبيق بين المنهج والممارسة الإبداعية للمنهج(16)« هكذا بعد ما كان العامل الذاتي من سلبيات المنهج الذي اعتمده الاتجاه الرابع، واعتمده الخطاب اللبيرالي(17) مما أدى بهما إلى السقوط في الذاتية واللاتاريخية وأصبح عاملا أساسيا بالنسبة للإتجاه الماركسي، وذلك لتبرير الأخطاء التي وقع فيها الاستشراق الماركسي بالقول أنها ليست نتيجة النظرية بل هي أخطاء في تطبيق النظرية؛ وبالتالي فإن تجنب هذه السلبيات تكمن في إثبات صحة المنهج من خلال قراءة التراث  وإبراز الجوانب الاجتماعية الإقتصادية فيه، وليس قراءة التراث بواسطة المنهج"  فكلما ضاقت المسافة هذه أو انعدمت كان ذلك هو النجاح، وحين تتسع يكون السقوط"(18)، المسافة هنا بين المنهج وتطبيقه على التراث العربي الاسلامي، ليتحول التراث إلى منهج، والمنهج إلى تراث لتكون الدراسة علمية.

 لهذا يمكن القول أن الخطاب الماركسي العربي رغم أنه استطاع تجاوز الخطابين السلفي والليبرالي على مستوى الوعي بالتراث والاستشراق إلاّ أنه لم يستطع تجاوز الإستشراق كنظام معرفي قائم على المركزية الأوروبية التي تؤسس الماركسية كإيديولوجيا، ومن هنا تبرز أسباب تبرير أخطاء الاستشراق الماركسي.

ب- الايديولوجيا الماركسية والاستشراق الماركسي:

إن وظيفة التراث لدى الخطاب الماركسي العربي ايديولوجية، من هنا جاء الحرص على إبراز الجوانب السياسية الاقتصادية على حساب الجوانب المعرفية فيه. وبهذا الصدد جاءت دراسة "مروة " للاستشراق الروسي متميزة لتركيزه على القضايا الاجتماعية والسياسية الاقتصادية، التي اختلفوا حولها والصعوبة التي وجدوها في تحديد طبيعة علاقات الانتاج في المجتمع العربي قبل الاسلام والمجتمع العربي- الاسلامي، ما أدى إلى اختلاف استنتاجاتهم(19) إلا أنهم صححوا تلك الصورة المشوهة التي تجاهلت المحتويات التقدمية لهذا التراث، لأنها دراسات ذات منطلقات مادية وتحررية لكن في نظرة مروة إلى حد الآن" لم تظهر - بعد- دراسة تعالج هذا التراث ككل بصورة شاملة تأخذه في حركته التاريخية، نشأة ونموا وتطورا، مع ربطه في كل مرحلة بسير تطور العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، لذلك لم يكن ممكنا لتلك الدراسات استخلاص كل المحتويات التقدمية والنزعات المادية للتراث في سيره المتكامل..."(20) ، هذا ما يقوم به الخطاب الماركسي العربي: إكمال مهمة الاستشراق الماركسي بغبراز القيم المادية في الفلسفة والتراث العربي -الإسلامي استنادا إلى منهج واحد ورؤية إيديولوجية واحدة، المادية التاريخية والإشتراكية العلمية.

هكذا نجد أن الليبرالي العربي يقوم بإتمام مهمة المستشرق الليبرالي، والماركسي العربي يقوم بإتمام مهمة المستشرق الماركسي، وذلك كله من اجل البحث عن مكانة للفلسفة العربية الإسلامية في "التاريخ العالمي". لذا فإن الخطاب الماركسي العربي يحدد "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية" من خلال الأشكال المادية الفلسفية التي حددتها الماركسية لتطور"الفلسفة العالمية" وهي:

1 - المادية الساذجة: تعبر عن رؤية القوى التقدمية في المجتمع العبودي ويمثلها الفلاسفة اليونانيون، "طاليس"، "انكسيمانس"، "انكسماندر"، "هيراقليط" و"ديمقريطس" و"أبيقور".

2- المادية الميتافيزيقية: ويمثلها المفكرون الأوروبيون في المرحلة التاريخية الممتدة مابين القرن السابع عشر وأوائل القرن التاسع عشر، والذين كانوا يعبرون عن إيديولوجية البرجوازية والقوى التقدمية في تلك المرحلة.

3 - مادية الديمقراطيين الثوريين وهي إيديولوجية القوى الفلاحية الثورية في القرن التاسع عشر بأوروبا الشرقية وآسيا.

-   4- المادية الدياليكتية الشكل الأخير للمادية تاريخيا حتى المرحلة الحاضرة وهي الماركسية المعبرة عن إيديولوجية البروليتاريا،أي الطبقة التي تحمل التغيير الثوري للعالم.(21)

لاشك أن هذا التصنيف المنهجي الذي وضع لتحديد مراحل تطور الفلسفة يهمل مرحلة تاريخية هامة هي مرحلة الفلسفة العربية الإسلامية، مما يؤكد على أن أساس هذه المنهجية هو المركزية الأوروبية التي عملت دائما على إقصاء الثقافات والفلسفات غير الأوروبية، ويتضح ذلك في المادية التاريخية، كما وضعها مؤسسها أول مرة، حيث أنها تحدد بداية الفلسفة مع اليونان ثم تقفز على القرون الوسطى إلى الفلسفة الحديثة، ثم المعاصرة، أي فلسفة القرن التاسع عشر، وهي الفلسفة الماركسية. وهذا ما يبين أن الماركسية زادت من عملية التهميش للثقافة الوسيطية الأوروبية على أساس أنها ثقافة لاعقلانية مثلها مثل الثقافات " الشرقية.هذه العملية التي بدأت مع عصر الأنوار.

إن الخطاب الماركسي العربي يستدرك هذا التهميش للفلسفة المسيحية في القرون الوسطى، باعتبار أن هذه الفلسفة كانت تخفي أفكارها المادية وراء الخطاب اللاهوتي.(22) إن " المادية في الفلسفة العربية - الاسلامية، فهي ]على[ غرار مادية القرون الوسطى في أوروبة، ]من حيث أنها[ كانت تتخذ أشكالا غامضة تتخفى بين ثنايا الدراسات اللاهوتية الاسلامية"(23).

هكذا تجد الفلسفة العربية الاسلامية نفسها جزءا من التاريخ الثقافي الأوروبي وتقوم بتقوية الحلقة الأضعف فيه حلقة القرون الوسطى من حيث أن التاريخ الثقافي العربي - الإسلامي في القرون الوسطى كان اكثر ازدهارا وتطورا. إن الخطاب الماركسي العربي يتسلل بالفلسفة العربية الإسلامية إلى القوالب الجاهزة التي وضعتها الماركسية لتطور الفلسفة، معتبرا أن الفلسفة العربية الإسلامية بحكم المرحلة التاريخية آنذاك التي تأخذ " طابع أسلوب الانتاج الاقطاعي المتداخل مع بقايا العبودية المنحلة والقطاع التجاري المتنامي، إلى جانب نمو الصناعات الحرفية المتطورة نسبيا في المجتمع العربي - الاسلامي خلال العصور العباسية "(24)، قد " ترددت بين الأشكال الميتافيزيقية والأشكال الدياليكتيكية "(25). أما الدور الذي قامت به الفلسفة العربية الاسلامية في تاريخ تطور الفلسفة " العالمية " فهو دور مزدوج حيث أنها قامت بإحياء الفلسفة اليونانية التي عرفت التبعثر في أديرة ومدارس اليعاقبة والنساطرة، كما قامت بالتأثير على الفلسفة المسيحية الوسيطية في مجال الفلسفة الطبيعية(26).

هكذا تكون الفلسفة العربية الإسلامية مجرد وسيط أو جسر أقيم بين الفلسفة اليونانية والفلسفة الأوروبية الحديثة؛ ومنه يمكن القول أن المادية التاريخية كمنهج كما صاغه "ماركس" و" أنجلز" تقع في صميم المركزية الأوروبية، ويؤكد ذلك إستنتاج الماركسية العربية من خلال تطبيقها للمنهج المادي التاريخي وإبرازها للفلسفة العربية الإسلامية على أنها لعبت دورا ثانويا في تاريخ تطور الفلسفة " العالمية ". ويعود ذلك إلى أصل المنهج القائم معرفيا على مفهوم التطور مما يؤدي إلى إقامة تواز بين تطور المجتمع وتطور الكائنات الحية وإلى النزعة التاريخية التي تختزل التنوع الثقافي والحضاري في الواحدية الحضارية، وهذا هو جوهر الأطروحة الإستشراقية(27).

 لقد حاول الخطاب الماركسي العربي إستشراق " ماركس" وأنجلز" تبريرا إيديولوجيا باعتبارهما قد كانا في بداية حياتهما الفكرية من " اليسار الهيغلي " فتأثرا بهيغل لكن سرعان ما تجاوزا هذه المواقف المركزاوية بعد نضجهما الفلسفي.(28) لكن الأسس المعرفية للمادية التاريخية كما صاغها "ماركس" و"أنجلز" بالإعتماد على مفهوم التطور الدارويني والتقدم الهيغلي تبين إلى أي حد أنها غارقة في المركزية الأوروبية. وينعكس ذلك في موقفهما من الاستعمار كما جاء في رسائلهما عن الجزائر التي كتبت في مرحلة نضجهما الفلسفي. حيث أن ماركس وصل إلى الجزائر سن (1882)(29).

وهكذا فإن الخطاب الإيديولوجي العربي تعامل مع الغرب وثقافته كما تعامل مع تراثه من خلال الحقل المعرفي الاستشراقي، الذي وضعه الغرب للتعامل مع الآخر، ولتعامل الآخر معه من خلاله، لهذا كان دائما بالنسبة للمفكر العربي المعاصر "... الآخر (الغرب) هو الذي يطرح المسألة، ويعين إطار البحث، وفي هذا الاطار يحاول الفكر العربي المعاصر العثور على الإجابات"(30). ومنه كانت إجابة السلفي إنتقائية من الماضي، لإثبات الذات أو الأصالة، إجابة تجتر أطروحات المستشرق وتؤكد مركزية الذات لديه بمركزية ذات أخرى، بحملها كل الصفات المناقضة لذاته، لذلك جاءت الذات العربية الإسلامية ذاتا "صوفية" دينية مناقضة للعقلانية الفلسفية عند كل من المستشرق والسلفي. أما أطروحات الليبرالي فكانت متممة لإجابات المستشرق بغضفاء المعقولية التاريخية على المركزية الأوروبية بوضع الفلسفة العربية الاسلامية مماثلة للفلسفة السكولائية، واعتبار الذات العربية ذاتا " صوفية " مجترة ومقلدة في عقلانيتها لعقلانية اليونان. لقد أضحت الحضارة العربية الاسلامية بوقوعها بين تشكيلتين إجتماعيتين إقتصاديتين عبودية في عهد اليونان والرومان، وإقطاعية في أوروبا القرون الوسطى، فهي تشكلة خليط من عبودية وإقطاعية، ومنه فإن الفلسفة العربية الإسلامية، كانت تجميعا للشتات الذي عرفه الفكر الفلسفي اليوناني،  الذي نقلته إلى أوروبا.

وهكذا يكمل الماركسي العربي مهمة المستشرق الماركسي بجعل التراث العربي الاسلامي ينتظم داخل الاستمرارية التاريخية التي كانت بدايتها أوروبية ونهايتها أوروبية. وهذا كله يرجع إلى الرؤية الأحادية الجانب التي ركزت على العامل الاجتماعي الاقتصادي كعامل أساس للتطور المعرفي، مما أدى إلى اسقاط مفاهيم أنتجت في الحقل الثقافي الغربي على التاريخ الثقافي العربي الاسلامي، الذي عرف تطورا متميزا عن غيره من المجتمعات، ولعبت فيه عوامل أخرى دورا أساسيا إلى جانب العامل الاقتصادي في عملية التطور والتغير، هذه العوامل التي يسميها عالم الاجتماع الفرنسي المعاصر " بيار بورديو" بالرأسمال الرمزي" الذي يتمثل في الدين والنسب والأسطورة والعصبية وكل ما يمثل في نظر الماركسية الكلاسيكية بالبنية الفوقية التي هي انعكاس للبنية التحتية المحصورة في القاعدة المادية للمجتمع. إن رد فعل الخطاب الماركسي على الخطاب السلفي والخطاب الليبرالي لم يؤد إلا إلى إنتاج خطاب ايديولوجي جديد، أي أن التجاوز الذي حدث بين هذه الخطابات الثلاثة لم يكن تجاوزا إبستمولوجيا، بل تجاوزا إيديولوجيا. وبالتالي فإن الصراع بين هذه الخطابات كان خارج الواقع العربي، وهنا يكمن إغتراب وازمة الخطاب الايديولوجي العربي. إن سقوط الخطاب الايديولوجي العربي في أحضان الخطاب الإستشراقي يبين أن الاستشراق إشكالية إبستمولوجية في الفكر العربي المعاصر، وليست إشكالية إيديولوجية، يحتاج لإحداث القطيعة معها إلى رؤية إبستمولوجية جديدة للتاريخ الثقافي العربي الاسلامي، رؤية غير قائمة على مفاهيم الإبستمولوجيا الكلاسيكية في الغرب، التي أسست الفلسفة الوضعية بشقيها الليبرالي والماركسي. وافرزت مفاهيم الاستشراق بنوعيه الليبرالي والماركسي - مثل "التطور"، و" التقدم" و" الاتصال" ..إلخ، رؤية لا تتخذ " الذات مركزا ..أي ذات كيفما كانت. وبهاته الكيفية يتم التخلص من الإستشراق والإستشراق المعكوس باعتبارهما وجهين للتركيز على الذات(31)".

 

 

الهوامش:

1-أنظر هادي العلوي - حسين مروة والاسنشراق - الطريق العددان الثاني / الثالث حيزران/ يونيو 1988 بيروت ص86/87.

2-حسين مروة - النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية - مرجع سابق ص 112.

3- أنظر د. طيب تيزيني - مشروع رؤية جديدة للفكر العربي منذ بداياته حتى المرحلة المعاصرة -الجزء الأول- من التراث إلى الثورة    (الطبعة الثالثة - دار دمشق، 1979)، ص. 555.

4- هادي العلوي - المرجع السابق ص 89.

5- المرجع السابق ص87.

6- أنظر عبد الرحمان بدوي - مرجع سابق ص3- 23.

7- أنظر هادي العلوي المرجع السابق ص 89- 90.

8-أنظر هادي العلوي المرجع السابق ص89- 90.

9- حسين مروة المرجع السابق ص130- 131.

10- الهادي العلوي مرجع سابق ص94. حسين مروة  مرجع سابق  ص134- 135- 136.

11-المرجع السابق ص 134.

12- المرجع السابق ص 136.

13- المرجع السابق ص136.

14- أنظر المرجع السابق ص 137.

15- هادي العلوي مرجع سابق ص94.

16- حسين مروة مرجع سابق ص140.

17- المرجع السابق ص86.

18- المرجع السابق ص140.

19-أنظر المرجع السابق ص 14 إلى 151.

20- المرجع السابق ص 157- 158.

21- أنظر المرجع السابق ص 33- 34- 35.

22- أنظر المرجع السابق ص 36.

23- المرجع السايق ص36.

24- المرجع السابق ص 38.

25- المرجع السابق ص38.

26- المرجع السابق  الجزء الثاني ص705.

27- أنظر د. سالم يفوت - حفريات الاستشراق - الطبعة الأولى - المركز الثقافي العربي- الدار البيضاء سنة 1989 ص 12- 13- 14.

28- أنظر د. طيب تيزيني - المرجع السابق ص 578- 579.

29- أنظر ماركس - أنجلز- الماركسية ترجمة جورج طرابيشي - الطبعة العربية الأولى دار الطليعة بيروت لبنان سنة 1978 ص80.

30د. عبد الله العروي - الايديولوجيا العربية المعاصرة - ترجمة محمد عيتاني ( الطبعة الأولى؛  بيروت لبنان: دار الحقيقة  1970)، ص64.

31-د. سالم يفوت - المرجع السابق ص15.

 

 

 

 

 

 

 

 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 
 
 

 

 

 

 

 

دراسات في اللغة والأدب

 
 
 

سعيد يقطين(*)

 

 
 


 

 

 


يحاول الباحث سعيد يقطين تجاوز مختلف المشكلات التي تعرضت لها محاولات مفهمة مختلف تجليات السرديات العربية.

وذلك باقتراح مفهوم جديد هو: "السرد العربي" يضمن له خصوصية الاستعمال، كما يضمن له أيضا إجتماع أشكال حكائية معينة، في السرديات العربية، في هذا المفهوم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


(*) أستاذ، باحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة العربية، جامعة محمد الخامس، الرباط.

 

 

كتابة تاريخ السرد العربي

المفهوم والصيرورة

- تقديم:

السرد العربي مفهوم جديد.أستعمله ليكون المفهوم الجامع لكل التجليات المتصلة بالعمل الحكائي ويتسع لكل ما تفرق في مصطلحات عربية قديمة وحديثة تتصل كلها بصيغة أو بأخرى بأحد الأنواع الحكائية، ولم يرق أي منها ليكون في الاستعمال العربي ذلك المفهوم الجامع الذي يتخذ بعد الجنس. لقد تنوعت المصطلحات وتعددت واختلفت باختلاف المستعملين لما نجمله تحت هذا المفهوم.

كان من نتائج غياب هذا المفهوم الجامع أن تم التأكيد على بعض التجليات، وتم إغفال بعضها الآخر من جهة. كما أنه من جهة أخرى لم يتم الانتباه إلى بعده الشمولي الذي يعطيه صفة جنسية جامعة، ويمنحه الطابع الذي يخول له احتلال المكانة الملائمة ضمن باقي الأجناس التي تم الاحتفاء بها، ولاسيما الشعر. وإذا كانت عوامل الاهتمام بالشعر تؤوب أساسا إلى النظر إليه باعتباره "ديوان العرب"، فإن التجليات السردية العربية المختلفة أدرجت بصورة أو بأخرى ضمن النثر العربي، أو النثر الفني في العصر الحديث تخصيصا، ولذلك غابت خصوصية "السرد"، ولم يتم تناوله في ذاته، أو من حيث طبيعته أو أنواعه أو أشكاله. وبقيت تلك التجليات مهملة، ومقصاة بالقياس إلى أنواع نثرية أخرى.

1-2- إن اختيارنا مفهوم "السرد" ليكون المفهوم الجامع لمختلف الممارسات التي تنهض على أساس وجود "مادة حكائية" يرتهن إلى انطلاقنا من مقولة "الصيغة" التي توظف في تقديم


المادة الحكائية. وليست الصيغة هنا غير السرد الذي يضطلع به الراوي، وذلك على اعتبار أن "صيغة السرد" هي المقولة المحددة لأي عمل سردي من جهة، ومن جهة ثانية لأنها المقولة الجامعة التي تلتقي بواسطتها كل الأعمال الحكائية، ومن خلالها أخيرا، تتجسد، (بغض النظر عن بعدها الواقعي أو التخييلي)، وبها تختلف عن غيرها من الأجناس والأنواع(1) وتبعا لهذه التحديدات يغدو "السرد العربي" هو الجنس الذي توظف فيه صيغة السرد، وتهيمن على باقي الصيغ في الخطاب، ويحتل فيه الراوي موقعا هاما في تقديم المادة الحكائية.

1-3- لقد وقع التركيز في الدراسات العربية القديمة والحديثة على تعداد الأنواع (الأخبار-الأسمار-الحكايات-القصص..)، ولم يتم الالتفات إلى الطابع العام الذي تشترك فيه، ويمنحها طبيعة خاصة وشاملة تسمها بما يؤهلها لتنال موقعها ضمن أجناس الكلام العربي. ومن هنا تأتي أهمية النظر إلى السرد في التراث العربي باعتباره جنسا. ويستدعي هذا أن تكون له أنواع، كما يستدعي ذلك أيضا أن يكون له تاريخ. وأي تفكير في أنواعه وتاريخه لا يمكن إلا أن يلعب دورا هاما في ترسيخ الوعي به، واتخاذه موضوعا للبحث الدائم، والتفكير المتواصل، وإحلاله الموقع الملائم ضمن باقي الأجناس العربية الأخرى. وهذا ما نحاول القيام به، ونحن نتساءل عن إمكانية وضرورة كتابة تاريخ السرد العربي.

2-كتابة تاريخ السرد العربي:

2-1 إن البحث في تاريخ الآداب العربية حديث جدا (2). ولقد انصبت جهود الدارسين والباحثين في التاريخ الأدبي على الشعر الذي كان يحظى بحصة مهمة في الرصد والتحليل. يبدو ذلك في كثرة التصانيف في تاريخ الشعر العربي، وقلة ما يندرج منها في تاريخ النثر. وحتى في هذه القلة، كان "السرد" أو القصص يتناول بسرعة، ويحتل مكانة ثانوية لأنه كان ينظر إليه باعتباره تجليا نثريا، أو تنويعا من التنويعات النثرية. وبالمقابل كانت بعض الأنواع السردية (المقامة مثلا في مرحلة، والليالي في مرحلة أخرى) تنال اهتماما متزايدا من قبل الدارسين والمهتمين. إن عدم التوازن في معالجة الأنواع السردية المختلفة يعود أساسا إلى القاعدة المرتهن إليها في الاعتراف ببعض الأنواع، وتجاهل بعضها الآخر. وإذا كان مرد ذلك إلى تصور ثقافي محدد، فإن غياب المفهوم الجامع له دخل في هيمنة هذا التصور. ومن هنا تأتي أهمية هذه الدعوة إلى ضرورة تقديم هذا المفهوم الجامع لكل الممارسات السردية العربية.

عندما ننظر في ما أنجز في حقل الدراسات التي تعاملت مع بعض الأنواع الحكائية أو السردية نجد ندرة ونقصا كبيرين على مستوى هذه الأعمال سواء من حيث الكم أو الكيف. قد نلقي جزءا أساسيا من تبعات هذا الوضع إلى غياب "الاعتراف" بهذا الجنس، لكن عدم الانطلاق من طبيعته الخاصة، وموقعه الذي يحتله ضمن باقي الأجناس، له دخل كذلك في استمرار هذا الوضع إلى الآن. ولا يمكن أن يكون من نتائج ذلك سوى أن تكون مختلف الإنجازات التي حاولت تناول الأدب العربي في تاريخه ناقصة وعاجزة عن الإحاطة والشمول على اعتبار أن جزءا أساسيا من موضوعها ظل مقصى وخارج نطاق البحث.

2-2. حين نروم في هذا البحث الاضطلاع بإثارة مشكلة كتابة تاريخ السرد العربي، فإننا نحاول المركب الصعب من ناحيتين: كيف يمكن التأريخ لكائن لم يتبلور بعد، على الوجه الأمثل، في الوجود والوعي، حتى وإن كانت له تجليات في التاريخ؟ لماذا نفكر الآن في كتابة هذا التاريخ والدراسات التي تناولته لا تكفي لتكوين تصور ما عنه لأنه لم يتراكم منها ما يمكن أن يساعدنا على تحقيبه، وتأطيره في الزمان والمكان؟

إنها فعلا مفارقة !  ولكن العمل على تجاوز مختلف العوائق التي تساهم في إضفاء طابع المفارقة، هو الذي يمكننا من جهة من إرساء "المفهوم"، وإبراز قبوله التحقق عن طريق الكشف عن أبرز ملامحه التاريخية والبحث في تطوره وصيرورته. بل إننا نذهب أبعد من ذلك بتقرير أن عدم تبلوره في الوعي والوجود هو الداعي إلى ضرورة البحث فيه ودراسته. إن هذا الغياب هو الذي يمكن أن يحفز على تناوله في ذاته وفي صيرورته، إذ لا يمكن الانتظار ريثما يتحقق الوعي، وتتراكم الدراسات. وأي عمل يمكن الإقدام عليه الآن، لا يعول عليه كثيرا، من أجل حل المفارقة، أو تقديم وصفة جاهزة ونهائية. إن المعول عليه، هنا والآن، ولا يمكننا أن نتأخر في ذلك، هو تأسيس المفهوم، وإحلاله موقعه ضمن باقي الأجناس، من جهة، والعمل على النظر في صيرورته وتحوله من منطلق طرح المشاكل الحقيقية والإحاطة بها.

2-3 إن التفكير في مشكلة كتابة تاريخ السرد العربي تدفعنا إليه، في تقديري، ضرورتان، ويستجيب في الوقت نفسه لمجموعة من المقاصد التي تمكننا من تجديد النظر في الممارسة الأدبية العربية قديمها وحديثها. هاتان الضرورتان مترابطتان، ترابط العام بالخاص، وهما تتكاملان لأن واقع الدرس الأدبي العربي يفرضهما علينا بإلحاح. نبدأ بالأولى لأنها تتصل بالأدب عامة، وننتقل إلى الضرورة الخاصة لأنها ترتبط بالسرد.

2-3-1 لا يمكن لأدب أي أمة من الأمم أن يكون رافدا من روافد وحدتها الثقافية والحضارية ما لم يتم الوعي به تاريخيا، وما لم يتشكل تاريخه الخاص الذي يرصد مجمل تحولاته، ويصل بين مجموع حلقاته، ويرصد مراحل تشكله وتطوره. لذلك لا غرو أن نجد الوعي بالكتابة في تاريخ الأدب العربي يتحقق في مستهل هذا القرن مع بداية الإحساس بضرورة إعادة تشكيل الهوية العربية على أسس جديدة مع ما يعرف بعصر النهضة. وفي هذا النطاق نجد كارلو نالينو، يقول في تصدير محاضراته عن تاريخ الآداب العربية محفزا طلاب العلم والمشتغلين بالأدب العربي على الاهتمام بتاريخ الأدب مخاطبا إياهم بقوله:".. إن شدة الاعتناء بآداب لغتكم الشريفة وتاريخها ليست فقط مسألة علمية بل خدمة جليلة لوطنكم يحق عليكم القيام بها،،،"(3)، ويضرب أمثلة عن الأمم التي تهتم بآدابها وتاريخها، ودور ذلك في تجاوزها مختلف المشاكل التي تعترضها" وإن راجعتم كتب تواريخ الغرب ألفيتم أن بعض الأمم الإفرنجية قد تراكمت عليها الفتن والحروب،،، سلمت من الغناء التام لتمسكها بحفظ آداب لغتها والعناية بتخليد ذكر مآثر قدمائها العلمية والأدبية"(4).

سار على نهج نالينو العديد من الدارسين، وعلى رأسهم طه حسين في اهتمامه بالأدب الجاهلي. ومنذ ذلك الوقت، صارت تتوالى الإصدارات المتصلة بتاريخ الأدب العربي من قبل دارسين عرب وأجانب. ورغم الأدبيات الكثيرة التي أنجزت، فإن السؤال الإشكالي الذي طرحه طه حسين "متى يوجد تاريخ الآداب العربية؟"(5) مازال يفرض نفسه بإلحاح. إن مختلف هذه الأعمال ظلت تحاصرها عوائق شتى وقيود عديدة لم تفلح في تجاوزها. ويمكن إجمالها في كونها ظلت حبيسة الرؤية الغربية التقليدية للتأريخ للأدب، والتي تشكلت أهم ملامحها في ما عرف بالنقد العلمي في القرن التاسع عشر مع سانت بوف وبرونتيير وتين.

تبدو لنا آثار ذلك بارزة في التقسيم بحسب العصور، والاهتمام بأجناس دون أخرى، والتركيز على حقب معينة، والاحتفاء بمناطق أو أقاليم على حساب أخريات. كل ذلك جعل هذه الأعمال التاريخية ناقصة، ويعوزها في آن الشمول والدقة، ومن جهة ثانية يجعل هذا الوضع مسألة إعادة التفكير والبحث في كتابة تاريخ الأدب العربي من منظور مغاير ضرورة ملحة وأساسية. إن السؤال الإشكالي الذي صاغه طه حسين ما يزال مطروحا، ولابد من تضافر الجهود للعمل على الجواب عنه نظريا وعمليا، وبصورة جديدة.

هذه هي الضرورة العامة، وهي تتصل بتاريخ الأدب العربي بوجه عام، وبالإشكالات التي يطرحها، والبحث في تاريخ السرد العربي يأتي استجابة لهذه الضرورة، إذ لا يمكن ترهين البحث في تاريخ الأدب العربي وتحيينه دون اعتبار جنس له حضوره وخصوصياته، ودون إدراجه وإحلاله موقعه المناسب ضمن هذا التاريخ.

2-3-2 أما الضرورة الثانية فخاصة، وتتصل بالسرد في ذاته. إن البحث فيه باعتباره جنسا له مقوماته وملامحه المميزة، يجدد النظر إلى أدبنا العربي، ويدفعنا إلى إعادة قراءته معتبرين هذا الجنس وواضعين إياه في سياق التحولات الكبرى التي عرفها الإبداع العربي. وسيسمح لنا هذا باكتشاف مناطق مهمة من الإنتاج كنا نعتبرها غير ذات صلة مباشرة بالأدب، وبالانتباه إلى العديد من المصنفات الأدبية التي كنا نعود إليها فقط لتحقيق النصوص الشعرية، أو استقصاء بعض الآثار التاريخية. وأقصد هنا الالتفات إلى جانب كتب الأخبار والحكايات، إلى ما أسميها "المصنفات الجامعة"، وهي ما كان يسميها القدماء بـ"كتب المحاضرات" على وجه خاص. إنها مصنفات حقيقية للأدب لأنها كانت تجمع كل ما يمكن أن "يحاضر" به لما يتمتع به من سمات تؤهله لذلك. وبالنظر إلى هذه المصنفات نجدها تزخر بأعداد هائلة من المواد الحكائية المختلفة الأنواع والأشكال، وكل ذلك لم نهتم به الاهتمام الكافي الذي يجلي لنا طبيعة هذه النصوص وخصوصيتها (كتب الأمالي-عيون الأخبار- نثر الدر-التذكرة الحمدونية،،،).

إن البحث في هذا الضرب من المصنفات وما يناظرها من الناحية السردية يقدم لنا إمكانات مهمة لتجديد رؤيتنا إلى الأدب العربي ويجعلنا نعتني بالعديد من النصوص التي كنا نتعامل معها لغايات خارج أدبية. وتعزز هذه الضرورة الرغبة في الإحاطة والشمول الذين غابا في كل الأعمال التي اهتمت بالتأريخ للأدب العربي.

تنبع الضرورتان معا من مطلب حيوي يمليه واقع التفكير والبحث في الأدب عموما، وفي السرد على نحو خاص. وبمقتضاهما، يمكننا عمليا التقدم في إنجاز تاريخ الأدب بصورة جديدة ودقيقة. وكلما تقدمنا في العمل على تحقيق ما يمكن أن ينجم عن هاتين الضرورتين كنا فعلا نعطي لفكرنا الأدبي الدعائم التي تمكنه من النهوض على أرضية صلبة ومنسجمة تتلاءم مع ما يزخر به تراثنا من أجناس وأنواع وأشكال لم نلتفت إلى العديد من تجلياتها، فكان أن عانت دراساتنا من النقصان، وظلت قاصرة عن الإحاطة والشمول.

3- مساهمات في تاريخ السرد العربي:

3-0. تم الانتباه منذ أواسط هذا القرن إلى الحضور الهام للسرد في تراثنا العربي. وبدأت تظهر بين الفينة والأخرى، وإلى الآن، مساهمات جادة تعنى بهذا الشكل أو ذاك ببعض تجليات السرد العربي إما في التاريخ، أو في حقبة محددة، من خلال التركيز على نوع سردي معين أو تناول عدة أنواع. وتستوقفنا في هذا الاتجاه ثلاث محاولات نود التوقف عندها قليلا لإبراز كيفية معالجتها للسرد العربي من وجهة تاريخية، وما هي الحدود التي تقف عندها، لنتمكن بعد ذلك من طرح الأسس الضرورية والمناسبة التي نقترح لبلورة رؤية جديدة ومغايرة لتاريخ السرد العربي تستجيب للضرورتين اللتين أومأنا إليهما أعلاه، وتسهم في تحقيق مختلف المقاصد التي نرمي إلى تجسيدها من وراء التفكير في تاريخ السرد العربي.

3-1 يمكن اعتبار كتاب "الأدب القصصي عند العرب" لموسى سليمان(6)" من الاجتهادات الرائدة التي اهتمت بالسرد العربي، وحاولت معالجته في ذاته وفي بعض تجلياته النوعية، وضمنيا من خلال صيرورته. لم يكن الهاجس الأساس لموسى سليمان أن يؤرخ للسرد العربي. لقد كان شغله الشاغل أن يجيب عن السؤال الذي طالما تردد في دراسات العرب وهم يتناولون السرد العربي، وهو "هل عرف العرب القصة؟، وهل عرفوا من ثمة الملاحم؟" (ص. 16). كان هذا هو السؤال التقليدي الذي شغل بال الدارسين ردحا طويلا من الدهر. وقاده البحث إلى الرد على المعترضين من العرب والأجانب بأن للعرب تراثا قصصيا مهما. وأنهم "عرفوا القصة وإن حسبوها على هامش الأدب، ووضعوا الكتب القصصية الكثيرة،،،" (ص. 26). ويعمل بعد ذلك على تقسيم التراث القصصي العربي إلى قسمين: موضوع، وهو العربي الصميم لأنه من وضع العرب، ودخيل وهو ما اقتبسوه عن غيرهم من الفرس والهند بصورة خاصة. ثم ينتقل إلى القصص العربي الأصيلة، فينظر فيها من جهة أنواعها ويضبطها في خمسة أنواع هي:القصص الإخباري، القصص البطولي، القصص الديني، القصص اللغوي أو المقامات، القصص الفلسفي. وفي حديثه عن كل نوع نجده يتحرك في التاريخ، تبعا للنصوص التي يشتغل بها (قصص الأنبياء للكسائي، المقامات، حي بن يقظان).

رغم كون الكتاب جاء لتقديم الجواب عن سؤال ظل مطروحا بصورة مغلوطة، فإنه يشكل إسهاما مهما في تناول السرد العربي من خلال انتباهه إلى العديد من الآثار السردية، ومحاولة معالجتها. ورغم تركيزه على "أنواع" من السرد العربي فإن تنويعه التاريخي يجعل منه مساهمة أولية في مسار التأريخ للسرد العربي. ونلاحظ في هذا السياق الارتباك الواضح في تعيين "المفهوم" الجامع فهو يسميه "القصص". ويكتفي عندما يتحدث عن الأنواع بإضافة نعت تمييزي مثل "القصص الديني". وداخل القصص الديني نجده مرة يتحدث عن "قصة" دينية، ومرة أخرى عن "حكاية دينية قصيرة". وتبين هذه الاستعمالات خلطا واضحا في الاستعمال لا يمكن أن ينجم عنه غير الإبهام والالتباس ليس في المفاهيم فقط، ولكن أيضا في تحديد الأنواع وتدقيقها. وكلما غاب عنا تحديد "المفهوم الجامع" بدقة، صعب علينا تدقيق الأنواع المنضوية تحته، ومن ثمة تستحيل علينا إمكانية النظر في تطوره وصيرورته أو تشكيل تاريخه.

3-2 يستوقفنا كتاب آخر لعزة الغنام لا يختلف من حيث الجوهر كثيرا عن كتاب موسى سليمان، وإن كان أكثر إيماء إلى البعد التاريخي للسرد العربي، وأكثر دقة من حيث الوضوح المنهجي، وأعمق منه على مستوى التحليل. هذا الكتاب هو "الفن القصصي العربي القديم: من القرن الرابع إلى القرن السابع"(7).

إذا كان موسى سليمان يتحدث عن "الأدب القصصي" فإن الغنام تحرف التسمية قليلا من الأدب القصصي إلى الفن القصصي. وفي هذا الانزياح المفهومي من الأدب إلى الفن محاولة للتدقيق لكنه التدقيق الذي لا يغير شيئا من طبيعته، لأن ارتباكه سيظل واضحا في مختلف التسميات والمفاهيم الفرعية المتولدة منه. غير أننا نلمس من خلال العنوان الفرعي (من القرن الرابع إلى القرن السابع) تحديدها للجانب التاريخي الذي سيكون أساس معاينتها للسرد العربي في زمان محدد. تقول الباحثة عن كتابها: "هذا بحث في "الفن القصصي" خلال مرحلة زمنية معينة،،،" لكن تناولها لـ "الفن القصصي " خلال الفترة التي حددتها فرض عليها الرجوع إلى التاريخ السابق على الفترة المعالجة، فنتج عن ذلك أن جاء الباب الأول خالصا لـ"ملامح القصة العربية قبل ظهور المقامات"، ووقفت فيه على الأنواع التالية: الأخبار، وحكايات الأمثال، والنادرة، والمقامات الأولى. أما الباب الثاني فجعلته تحت عنوان "الأنواع القصصية بعد انتشار أدب المقامة بين الشكل والمضمون "وتناولت فيه " القصص الديني والفلسفي" وقصص التاريخ والرحلة وقصص المقامات وقصص الحيوان والقصص الشعبي.

نلاحظ من خلال هذا التقسيم للأنواع أنه لا يختلف كثيرا عما وجدناه عند سليمان موسى. فهناك تداخل وثيق بين الجنس والنوع، وإلا فما معنى الحديث عن "قصص المقامات"؟ والقصص الشعبي الذي نتحدث فيه عن السير الشعبية؟ فهل القصص الشعبي جنس أم نوع؟ وما موقع السيرة الشعبية ضمن هذا التحديد؟ أسئلة كثيرة يمكن أن تثار في معرض تناول مثل هذه القضايا التي يغيب فيها تحديد المفاهيم. أما الجانب التاريخي فلا يقل إثارة للسؤال عن نظيره المتصل بالأنواع، فالتقسيم بحسب أنواع القصص، جعلها تبدأ الباب الأول بـ"الأخبار" لتقف من خلالها على ما تضمنته بعض المصنفات الجامعة من أخبار جرت في العصر الجاهلي أو في العصر الإسلامي. وتنتقل بعد ذلك إلى الأمثال،،، وهكذا. إن كل فصل تعالج فيه نوعا سرديا، وهو يتطور في الزمان أو التاريخ متخذة من المقامة مركز توجيه، وكأن الأنواع السردية السابقة على المقامة جاءت إرهاصا لها، وما جاء بعدها من أنواع، ليس سوى امتداد لها؟ ترى هل توقف إنتاج الأخبار عند العصر الجاهلي؟ ألم يستمر ظهور الأخبار، وتوثيقها في مختلف العصور؟ وماذا عن "قصص الحيوان"؟ كيف تطورت من القرن الرابع إلى القرن السابع؟ ما هو الخيط الناظم في تحول هذا النوع أو صيرورته؟ هذا النوع من الأسئلة لا يمكن أن يطرح في غياب تصور محدد للأنواع السردية أو لتاريخ السرد. صحيح قد نجدها تعقد مقارنات بين النصوص، وتفلح في العديد من المرات في الإمساك ببعض الجوانب التاريخية المهمة. لكن التسليم بحيوانية القصص انطلاقا من أن بعض الشخصيات حيوانية دليل على عدم طرح أسئلة جوهرية تتصل بالأنواع. وبناء على هذا فتسمية بعض الأنواع يكون الانطلاق فيها من اعتماد الشخصيات معيارا حينا، وتسمية أنواع أخرى يكون أساسه هو المحتوى حينا آخر. ولهذا لا يمكننا إلا أن نتساءل عن الفرق بين القصص الديني والفلسفي. إن اختلاف المعايير التي بمقتضاها يتم التمييز بين الأنواع لا يمكنه إلا أن يؤدي بنا إلى ممارسة تحليلات تكتفي بتنظيم الشائع والمتداول من الآراء والأفكار بدون روية أو اجتهاد. لذلك لا نرى فرقا كبيرا بين ما قدمه موسى سليمان في الخمسينيات، وما تقترحه الغنام في التسعينيات.

3-3 نتوقف أخيرا عند كتاب محمد رجب النجار الموسوم بـ  "التراث القصصي في الأدب العربي : مقاربة سوسيو-سردية"(8). إنه يشكل خطوة إيجابية في مسار الدراسات السردية العربية، لما يتميز به من طابع موسوعي أراد له صاحبه أن يكون محيطا بمختلف التجليات السردية العربية. ويبدو ذلك بجلاء في كون هذا الكتاب الذي يتسع لـ942 صفحة ليس سوى المجلد الأول.

يبدأ رجب النجار مشروعه الضخم هذا بقوله: "إن تاريخ الأدب القصصي في التراث العربي، فضلا عن أنماطه وأشكاله السردية الكثيرة والمتنوعة، لا يزال مجهولا للقارئ العربي،،" (ص. 1). إنه يعي جيدا ما يقول، لاسيما وأنه من الرواد العرب الذين اهتموا بالبحث في السرد الشعبي. يمهد لمشروعه على الصعيد النظري، ويكشف عن استفادته من مختلف الأدبيات السردية الجديدة، ويبين أن مشروعه يتناول في جزئه الأول: قصص الحيوان، والسير والملاحم الشعبية، والقصص الديني، والقصص العاطفي، والقصص الفكاهي. أما الجزء الثاني من مشروعه، فيتصدى فيه لتناول الحكاية الخرافية، والحكاية الشعبية، وألف ليلة وليلة، وفن المقامات القصصية وفن الرسائل القصصية. إنه من خلال هذا التوزيع لأقسام مشروعه لا يخرج كثيرا عن التصنيف الذي اعتمده موسى سليمان وعزة الغنام وسواهما. البدء بتقسيم السرد العربي إلى أنواع، وفي تحليل كل نوع يكون الاستئناس بالبعد التاريخي يحتل مكانة أساسية. يقول في هذا الصدد: "أما خطة الدرس العملي لكل نمط قصصي- في كل باب من أبواب الدراسة- فقد سارت في مسارين، أحدهما تاريخي تعاقبي، والآخر وصفي تزامني. في المسار الأول، انصبت عناية الدراسة على الجانب التاريخي للنمط القصصي، نشأته وتطوره وازدهاره وتعريفه تراثيا وأدبيا وتحديد أشكاله السردية (الرئيسة والفرعية) ومنابعه ومصادره في التراث العربي وأصوله النصية،،" (ص. 12).

يلتقي النجار مع الغنام على أصعدة عدة. فمن جهة من حيث التصنيف، ومن جهة أخرى من حيث المعالجة التاريخية. ويبقى الاختلاف واضحا في طريقة المعالجة أو تأويل الظواهر المتناولة. فتسمية "الأنواع" هي هي. مع زيادة بعض الأنواع عند النجار (الحكاية الخرافية-القصص الفكاهي،،)، أو عند الغنام (قصص الرحلة،،). وفي تحليل الأنواع نجد تشاكلا بينهما على صعيد المواد التاريخية المعتمدة إذ هي أصول. إنهما معا ظلا يدوران في فلك العديد من النصوص السردية المعروفة والمتداولة عند المشتغلين بالسرد. وإلى جانب ذلك، نجد التاريخ لا يشكل سوى خلفية للنصوص التي يحللها النجار. ولا غرابة أن نجده يوزع مواد القصص أحيانا بحسب العصور التي يتناقلها الدرس التاريخي، كما نلاحظ ذلك في معالجته لـ "القصص الإسلامي المسجدي" (ص.355) حيث يقسمه إلى أربعة أقسام، فيتحدث عن القصص في عهد الرسول والعهد الراشدي، وفي أيام الفتنة وعصر بني أمية وفي الأعصر العباسية والمماليكية. هذا التقسيم، وليد تصور ينطلق منه في تحليل النص السردي وفي فهم العامل التاريخي، وهو ما يجمعه بالغنام رغم بعض الاختلافات الظاهرة بينهما.

إن التصور الذي ظل يحكم تأريخ السرد العربي ظل مشدودا إلى الأسس التي نجدها عند موسى سليمان وسواه من الذين اهتموا بالتاريخ للأدب بوجه عام أو حاولوا وضع السرد العربي في التاريخ. ويدفعنا هذا الصنيع إلى التمييز بين تصورين أو ممارستين تم الانطلاق منهما في التأريخ للأدب العربي. هذان التصوران هما: "تاريخ الأدب"، و"الأدب في التاريخ".

يعكس هذان التصوران رؤيتين مختلفتين في تحديد أوجه العلاقة بين التاريخ والأدب. وإذا كانت الحاجة (الضرورة) تستدعيهما معا، فإن هيمنة أحدهما على الآخر يجعل فهمنا، واستفادتنا مما يكمن أن ينجم عن حصيلة ما تقدمه الرؤيتان محدودة، لأننا سنظل ننظر إلى العلاقة من زاوية واحدة.

يبدو لنا أن "الأدب في التاريخ" مورس منذ البدايات الأولى للتأريخ للأدب العربي، وانتقل إلى المساهمات التي أنجزت بصدد التاريخ للسرد العربي، إذ ظل هذا التصور هو النموذج القابل للاحتذاء. وبمقتضى هذا التصور هناك تاريخ عام هو تاريخ المجتمع الذي أنتج فيه هذا الأدب، وليس تاريخ الأدب سوى محاولة ربطه بتاريخ المجتمع، والعمل على إيجاد علاقات بينهما، بحيث يغدو الأدب انعكاسا للمجتمع ولمجمل تطوراته، فيقرأ ويؤول في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي طرأت عليه. لا أحد يجادل في علاقة الأدب بالمجتمع وتاريخه، ولكن أن يصبح الأدب منظورا إليه في ضوء التحولات الاجتماعية، فلا يعني هذا سوى الإلغاء التام للتأريخ للنص الأدبي في حد ذاته.

إن للنص الأدبي تاريخه الذاتي الخاص. قد يصطبغ هذا التاريخ، أو يتأثر بالسياق الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي يظهر فيه. ولكن المبدع ينجز نصه في ضوء هذا السياق فعلا، ولكن في نطاق سياق تاريخ النصوص السابقة عليه أيضا. ولا نغالي إذا ذهبنا إلى كون السياق الأخير أهم وأعمق من السياق الخارجي على النص، لأنه هو الذي يحدد انتماء النص الأدبي إلى تاريخه الخاص.

أما في "تاريخ الأدب" فيغدو للنص تاريخه الخاص، ويعمل المشتغل بالتاريخ هنا على البحث، والإمساك بتجلياته وتحولاته انطلاقا من التطورات الكبرى التي عرفها الأدب. ويمكننا أن نشير في هذا الإطار إلى بعض الأعمال العربية التي سارت في هذا الاتجاه، وحاولت النظر إلى التاريخ الأدبي في ذاته، بعيدا عن السياقات الخارجية الأساسية وإن كانت تضعها في الاعتبار. نجد مثالا لذلك في محاولة نجيب البهبيتي في التأريخ للشعر العربي، وشوقي ضيف في كتابيه عن الفن ومذاهبه في الشعر وفي النثر، والثابت والمتحول لأدونيس..

لم تحتكم هذه المجهودات إلى التاريخ السياسي أو الاجتماعي للأدب، ولكنها حاولت تشكيل صورة للأدب في ذاته. وتفضي بنا ممارسة هذا التصور إلى معاينة جملة من العوامل التي ساهمت في التطور الفني والجمالي بناء على ما تحقق في تاريخ الأدب الذي لا يعكس آليا التحولات السياسية والاجتماعية. لكن الملاحظ هو أن هذه المجهودات الرائدة في هذا المنحى ظلت بصورة أو بأخرى تمارس نوعا من التأريخ للمضامين أو المحتويات،ولم ترق لكي تكون فعلا تاريخا للأشكال الأدبية، حتى وإن كنا نجد شوقي ضيف يتحدث عن "الصنعة" و"التصنيع"، و"التصنع".

هذا هو المبتغى في ممارسة "تاريخ الأدب": أن يكون تاريخا للأشكال، وهذا هو المطلوب لأن ما مارسناه منذ بداية هذا القرن إلى الآن، كان هو العمل على النظر إلى الأدب في التاريخ، أو كتابة تاريخ المضامين. وإذا كنا قد اهتممنا بأجناس على حساب أخريات، فنحن مدعوون إلى الاهتمام بتاريخ الأشكال الأدبية بصورة عامة، وفيما يتعلق بكتابة السرد العربي نرى لزاما علينا الانتباه إلى البحث في تاريخ الأشكال السردية ومعاينة تحولاتها وتشكلاتها من حيث النوع أو النمط. وعندما ننتهي إلى هذه القناعة، نكون فعلا أمام عتبة إعطاء مفهوم "السرد" طابعه الجنسي الخاص، من جهة، وقادرين من جهة أخرى، على تلمس "صيرورته" ومقاربة مختلف أوجهها وتلاوينها.

 4- السرد والتاريخ:

4-1 لا يمكن أن نتحدث عن تاريخ مطلق للسرد باعتباره جنسا. فالجنس ثابت، ومتعال على الزمان. لكن ما يمكن أن نتحدث عن تاريخه فهو الأنواع السردية وأنماطها لأنها متحولة ومتغيرة. ومعنى ذلك أنه لا يمكننا أن نمارس التأريخ للسرد العربي إلا بعد أن تتبلور لدينا صور عن أنواع السرد العربي وأشكاله. إن تاريخ السرد العربي هو تاريخ أنواعه وأشكاله. هذه هي القضية الأولى التي نطرحها لممارسة هذا التاريخ.

نعتقد جازمين أن التأريخ للسرد العربي يستدعي أولا أن نحيط به في ذاته باعتباره جامعا لتجليات شتى. إنه مثل أي جنس لا تاريخ له لأنه موجود أبدا. وما يتحدد وجوده في التاريخ هو الأنواع المنضوية تحته. وإذا أردنا أن نقرب صورة هذا التصور من الأذهان، نقول: إن السرد العربي موجود أبدا تماما كالشعر. ولا يعني عدم بحثنا فيه، أو تنظيرنا له بأنه غير موجود. ومفاد ما نذهب إليه في هذا الاتجاه أن النقاشات حول "معرفة العرب القصة" لا أساس لها. فالسرد موجود أبدا بغض النظر عن اللغة أو الأمة أو الزمان أو المكان. لكن الأنواع متحولة لأنها تتحدد بالزمان وبالمكان. يمكن أن يظهر نوع ما (المقامة مثلا) في فترة زمانية ومكانية محددة، ويمكن أن يختفي في زمان آخر. وبدون الكشف عن هذه التجليات النوعية، وحصر حدود بعضها في الزمان والمكان، وتمييزها عن غيرها لا يمكننا الانتهاء إلى ممارسة هذا التاريخ. كما أن حصر التاريخ الخاص بكل نوع في علاقاته بغيره من الأنواع القريبة والبعيدة، والوقوف على نشأة هذا النوع أو ذاك، واختفائه، أو امتداده من الأمور الأساسية التي علينا أن نلم شروط تشكلها، وعوامل انتشارها أو استمرارها في أنواع أخرى. إن الأنواع متحولة لأنها تخضع في تكونها واستمرارها إلى عوامل فنية وثقافية واجتماعية. ولا يمكن الوقوف على بعض هذه العوامل لنزعم أننا نلم بشروط ظهورها أو تعيين محدداتها.

4-2 أما القضية الأساسية التي نود إثارتها في هذا السياق، فهي المتمثلة بتحديد نقطة الانطلاق أو الدعامة الأساسية التي نحدد من خلالها ممارستنا لهذا التاريخ، بعد أن شددنا على اتصاله بالأنواع. فهل يكفي أن نقول بأن من بين الأنواع السردية، مثلا، نوعا اسمه "قصص الحيوان"، ونبحث عن النص الأول، ونحدده بـ "كليلة ودمنة "، ونفتش عن النصوص التي تتصل في التاريخ، ونحللها، بطريقة ما، لنقول إننا نمارس تاريخ القصص العربي باعتماد هذا النوع؟ قد تتعدد الدعائم التي ننطلق منها في ممارسة هذا التاريخ، لكن بدون اعتماد تصور ملموس ومضبوط لا يمكننا إلا أن ننتهي بعملنا إلى البحث عن "السرد في التاريخ"، وليس العكس أي الانشغال بـ"تاريخ السرد".

إن البحث في المضامين والموضوعات والتيمات أساسي في كل عملية تحليلية أو تاريخية. لكن الاكتفاء به وحده لا يمكن أن يساعدنا على سلك سبل جديدة تنير لنا مجاهيل التاريخ التي نود الإحاطة بها. يمر "تاريخ السرد"، كما نتصوره، عبر عمليات تسعى إلى الكشف عن الخصوصيات النوعية والشكلية التي تتجلى بدءا من تشكل الخطاب السردي، وصولا إلى رصد مختلف تجلياته في صيرورته. وهذا التاريخ هو الذي يمكننا فعلا من ملامسة مختلف الأوجه والصور التي عرفها السرد العربي باعتباره نتاج الإنسان العربي في أي زمان أو مكان. إن تغييب بعد "الشكل" في تاريخ السرد العربي لا يساعدنا على إبراز ما يتميز به باعتباره إنتاجا له خصوصياته وجاذبيته، وتنوعاته المختلفة بتنوع الأنواع وصورها المتعددة.

وما دمنا ننطلق في تحديد "المفهوم" الجامع (السرد العربي) انطلاقا من "الصيغة" التي يضطلع بها الراوي، لابد لنا من الانطلاق من الصيغة نفسها كما تتجسد في الخطاب السردي، لمعاينة هذا "السرد" في تجلياته المختلفة لتحديد "الأنواع" أولا، وتمييز بعضها عن بعض من جهة أولى، ومن جهة ثانية، لرصد تطورها، والنظر في صيرورتها ثانيا. وإذا أردنا الرجوع إلى مثال "قصص الحيوان" كما قدمناها في المثال السابق، لا يكفي التأكيد على بعدها النوعي بالصورة الممارسة في العديد من المساهمات التي أشرنا إلى بعضها، ونتتبع صيرورتها. لابد لنا من الانطلاق من الصيغة الخطابية كما تتجلى في هذه النصوص، ونقف على كيفية اشتغالها، لتحديد "نوعيتها" أولا، لأن الصيغة هي التي تمكننا من ذلك على النحو الأمثل، وبعدها يمكننا رصد "التحولات" التي طرأت على توظيف "الصيغ" في هذا النوع من النصوص ثانيا، لنخلص إلى "كتابة تاريخ" هذا النوع السردي على أسس ملائمة، ومضبوطة. إننا بهذا العمل نجعل "تأريخنا للسرد العربي" تاريخا للأنواع والأشكال من فترة تشكلها وظهورها، وتطورها في الزمان والمكان.

4-3 ما دام تاريخ السرد فرعا من تاريخ الأدب، فإنه بحسب التصور الذي نسعى إلى بلورته، يعقد صلات وثيقة بمختلف الأجناس التي تفاعل معها في صيرورته بهذه الصورة أو تلك. وبذلك لا نكون ننظر في السرد في ذاته فقط، ولكن أيضا في علاقاته بغيره من الأجناس، ولكن باعتماد مقولة "الصيغة" دائما. لا يمكننا التأريخ للسرد دون الحديث عن الشعر، نظرا للتلازم الوثيق بينهما. ويمكن قول الشيء نفسه عن "الحديث". لقد استمر التفاعل وطيدا بين السرد والحديث، وخير مثال لذلك ما تقدمه المقامات على نحو واضح، إذ لا يكاد يخلو نوع سردي من حضور الحديث فيه. وإذا كان بحثنا ينصب على "تاريخ السرد" بصفته جنسا له حدوده وخصوصياته، فإنه ينفتح على أجناس أخرى، ويتفاعل معها. وعلينا، تبعا لذلك، في مرحلة أولى، أن نقف على خصوصياته من خلال البحث في أنواعه من جهة الأشكال التي يعرفها، وفي مرحلة ثانية يمكننا الارتقاء إلى ما يصله بغيره من الأجناس، وما يتفرع منها من أنواع كما تطورت في التاريخ، ونعمل على النظر إليه أيضا في مرحلة ثالثة من جهة أنماطه التي تصله بتلك الأجناس على مستوى آخر. وبذلك نكون فعلا نمارس الربط بين الأجناس والأنواع والأنماط، وإن كنا نبحث في جنس محدد هو السرد. وعندما نحقق هذا الترابط على هذا النحو، أي بناء على ما تقدمه لنا "صيغ الخطاب" باعتباره موئل التمايز بين الأنواع، يمكننا الذهاب بعد ذلك إلى ربط السرد بـ"النص الثقافي" العربي العام الذي ينظم مختلف الأجناس، وهي تتحرك من خلال ما تتضمنه من أنواع في الزمان، ونضبط بعد هذا مختلف السياقات التي تحدده سواء كانت ترتبط بالزمان التاريخي، أو الثقافي، أو الاجتماعي في حقبة محددة أو حقب متعاقبة.

4-4 بهذا التصور الذي نرمي إلى بلورته في تحليل "السرد العربي" في ذاته، وفي علاقاته، وفي صيرورته، نكون فعلا نضع السبل المناسبة، والكفيلة بجعلنا نتقدم في "كتابة تاريخ السرد العربي" الذي لما يكتب بعد، لحداثة الاهتمام بالسرد من جهة، ولهيمنة فهم وممارسة التاريخ للسرد من وجهة تقليدية. إن أسئلة الأنواع، وأسئلة كتابة التاريخ أسئلة جوهرية في أي تفكير في الأدب بوجه عام، وفي السرد بصورة خاصة. وكلما تأخر تفكيرنا وبحثنا في إشكالات النوع والتاريخ، لا يمكننا التقدم في فهم الأدب العربي، والسرد العربي من وجهة تساعدنا على تجاوز التكرار والاجترار. وهما السمتان اللتان يعاني منهما قطاع هام من الدرس الأدبي العربي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

1 سعيد يقطين، تحليل الخطاب الروائي:(الزمن، السرد، التبئير) ، (ط1؛بيروت/الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي،1989 ).

2 من الأعمال الأولى التي اهتمت بتاريخ الأدب عند العرب، كتاب روحي الخالدي، تاريخ علم الأدب عند الإفرنج والعرب وفيكتور هوكو (الطبعة الأولى 1904)، تقديم حسام الخطيب، الاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين،(ط4؛ دمشق، 1984). وبدأت تتوالى الكتب في تاريخ الأدب مع كتاب جورجي زيدان، تاريخ آداب اللغة العربية،1911.

3 كارلو نالينو، تاريخ الآداب العربية:من الجاهلية حتى عصر بني أمية، (ط2؛ مصر : دار المعارف، 1970).

4 نفسه، ص.  18،19.

5 طه حسين، في الأدب الجاهلي، (ط9؛ دار المعارف، 1968)، ص.53.

6 موسى سليمان، الأدب القصصي عند العرب، (ط5؛ بيروت:دار الكتاب اللبناني، 1983).

7 عزة الغنام، الفن القصصي العربي القديم من القرن الرابع إلى القرن السابع، (القاهرة: الدار الفنية للنشر والتوزيع، 1991).

8 محمد رجب النجار، التراث القصصي في الأدب العربي (مقاربات سوسيو-سردية)، (الكويت: منشورات ذات السلاسل، 1995).


 
 
 

 

عمر بلخير

 

 
 


 

 

 

 

 

 


يقدم لنا الباحث في هذه المساهمة محاولة لرصد معالم التداولية العربية في ما اصطلح عليه حديثا أفعال الكلام les actes de langage بنوعيها المباشرة وغير المباشرة. وهو ينطلق في ذلك من بعض القراءات القطاعية المعاصرة للتراث اللغوي (النحوي والبلاغي والأصولي) العربي القديم, مقدما قراءة جادة مختصرة لهذا المبحث الذي نرى أنه لم يُعتنَ بشكل كاف في ثقافتنا المعاصرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


أستاذ باحث, قسم اللغة العربية, جامعة مولود معمري تيزي وزو, الجزائر.

 

 

 

إسهامات العرب في  دراسة افعال الكلام المباشرة وغير المباشرة

 

لن نسعى في هذا الإطار إلى وضع أسس النظرية العربية في تحليل وتقسيم الخطاب1 بل سيكون ذلك عبارة عن إلقاء ضوء على بعض النقاط التي توصّلت إليها النظرية العربية في تحليل الخطاب في ظل   السياق2.

إن العلم الذي تخصص فيه علماء العربية في تحليل الخطاب انطلاقا من علاقته بالسياق هو علم المعاني، الذي يقول فيه "ابن خلدون": (هذا العلم الحادث في الملة بعد علم العربية واللغة، وهو من العلوم اللسانية لأنه متعلق بالألفاظ وما تفيده، ويقصد الدلالة عليه من المعاني () ويبقى من الأمور المكتنفة بالواقعات المحتاجة للدلالة أحوال المتخاطبين أو الفاعلين، وما يقتضيه حال الفعل، وهو محتاج إلى الدلالة عليه لأنه من تمام الإفادة، وإذا حصلت للمتكلم، فقد بلغ غاية الإفادة في كلامه، وإذا لم يشتمل عليه منها فليس من جنس كلام العرب، فإن كلامه واسع، ولكل مقام عندهم مقال يختصّ به بعد كمال الإعراب والإبانة)3.

إن الإفادة في كلام العرب تكمن في النظر أساسا في أحوال المتخاطبين أثناء الحديث ضمن حال الخطاب، وجاء بالتالي لكل مقام عندهم مقال.

ويقول السكّاكي مؤكدا ذلك: (اعلم أن علم المعاني هو تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقوف عليها عن الخطإ في تطبيق الكلام على ما يقتضي الحال ذكره)4.

وقد قسم العرب الكلام إلى: كلام خبري وكلام إنشائي. وجاء هذا التقسيم مراعيا لما سبق ذكره.


يقول "ابن خلدون" في الكلام الخبري ما يلي:(ألا ترى أن قولهم (زيد جاءني) مغاير لقولهم (جاءني زيد) من قبل أن المتقدم منها هو الأهم عند المتكلم، فمن قال:جاءني زيد، أفاد أن اهتمامه بالمجيء قبل الشخص المسند إليه، ومن قال (زيد جاءني) أفاد أن اهتمامه بالشخص قبل المجيء المسند. وكذا التعبير عن أجزاء الجملة بما يناسب المقام، من موصول أو مبهم أو معرفة، وكذا تأكيد الإسناد على الجملة، كقولهم: زيد قائم وإن زيدا قائم وإن زيدا لقائم، متغايرة كلها في الدلالة، وإن استوت عن طريق الإعراب)5.

إن ما عرضه "ابن خلدون" من قضايا في هذه المقولة ترتبط بما لخطاب المتكلمين من علاقة بحال الخطاب، والمقام. إن استعمال تركيب آخر لا يعود إلى اعتبارات نحوية، كما يعتقد البعض، فالكلام في مجمله تتحكم فيه عناصر التداولية. إن الخطاب هو مراعاة للخلفيات المشتركة بين المتخاطبين ودور قوانين الخطاب في ذلك لا يمكن استبعاده. أضف إليه دور عناصر السياق المشتركة بينهم، وإلا كيف نفسّر اختلاف الأقوال الثلاثة الآتية:"زيد قائم"، "إن زيدا قائم"، "إن زيدا لقائم"، في تأديته المعاني مع كونها لا تختلف في الإعراب.

وما يؤكد أكثر علاقة الخطاب بالسياق إيراد "ابن خلدون" لعناصر لغوية لا يمكن معرفة دلالاتها ومرجعياتها إلا بالرجوع إلى حال الخطاب الذي قيلت فيها وهي المبهم والموصول وقد أكد "ابن خلدون" أنه أيّا كانت المعلومات المفهومية التي يحتويها الخطاب، فإنه يتضمن سلسلة كاملة من العناصر تشير إلى درجة حضور المتكلم والصورة التي يكونها عن المخاطب: (فإن الأول عن التأكيد، إنما يفيد الخالي الذهن، والثاني المؤكد بـ"إن" يفيد المتردد، والثالث يفيد المنكر)6.

انطلاقا من هذه المقولة، يتوقف تحديد الدلالات على ما يوفره لنا السياق (أو القرينة حسب تعبير القدماء). إذ يشير "عبد الرحمن الحاج صالح"7 إلى وجود نوعين من القرائن:

1- الحال، وهو يمثل وضعية أحد المتخاطبين أو كليهما أثناء الخطاب من جهة، أو الغرض التبليغي من جهة أخرى. يمكن لهذه الوضعية أن تدرك أثناء الفعل الخطابي مباشرة، أو من المعارف المسبقة للمتخاطبين.

2- ما جرى من الذكر المتقدم من أقوال.

هذه القرائن تؤثر بصفة فاعلة في تحقيق فعل الحديث وفي نتاجه (الحديث ذاته). ولكي يكون هذا الأخير مقبولا ومستقيما لابد أن يصدر حسب ما يقتضيه الحال (إخراج الكلام حسب ما يقتضيه الحال).

فهذا يوكّد من جهة أهمية الإخبار في العملية التواصلية، وأن الفعل الكلامي يؤسس بمجرد إصداره علاقة خاصة بين المتخاطبين من جهة أخرى.

إنّ التخاطب يتأسس على تأدية المتخاطبين لأفعال الكلام، لذلك أحاط العرب بظاهرة "الأغراض" أو الأساليب الإنشائية إحاطة شاملة ونظامية، حيث يرى البلاغيون أن ثنائية الخبر والإنشاء هي الأصل في اللغة، أمّا ما يتفرع عنها من أساليب قد تبدو خبرية، ولكنها إنشائية في المضمون فهي فروع، مثل:"رحمك الله" التي تقال لشخص عطس، والتي تبدو إخبارا، ولكنها تعني الدعاء: أدعو الله أن يرحمك.

يلاحظ "أحمد المتوكل" أن هناك اتجاهين في دراسة الأفعال الكلامية المباشرة 8:

-هناك الاتجاه النحوي الذي ينظر في عبارات الاستفهام والأمر وغيرها على أنها أشكال، وهم بالتالي يفصلونها عن وظائفها التداولية. ويمثل هذا الاتجاه "الصوري"-على حد تعبيره-النحاة.

-هناك الاتجاه "التداولي" الذي تتجلى معالمه في كتب البلاغة والأصول.

والأفعال الكلامية عند هؤلاء هي أفعال حقيقية تحققها الذات المخاطبة في مقامات بارزة.

يقول "ابن الأثير" في هذا الموضوع:   »إن البلاغي والنحوي يشتركان في أن النحوي ينظر في دلالة الألفاظ على المعاني من جهة الوضع اللغوي، وتلك دلالة عامة. وصاحب البيان ينظر في فضيلة تلك الدلالة، وهي دلالة خاصة. والمراد بها أن تكون على هيئة مخصوصة من الحسن، وذلك أمر وراء النحو والإعراب، ألا ترى أن النحوي يفهم معنى الكلام المنظوم والمنثور، ويعلم مواقع إعرابه، وضع ذلك فإنه لا يفهم ما فيه من الفصاحة والبلاغة«9.

ثم إن دراسة أفعال الكلام عند البلاغيين تختلف عن مثيلتها عند النحاة.

إن النحاة ينطلقون من الأشكال للوصول إلى الدلالات المتضمنة فيها، أما البلاغيون فهم يدرسون دلالات تلك الأشكال باعتبارها أفعال كلام ذوات وجود مستقل من الأشكال ذاتها التي ترد فيها. وفي فترة لاحقة ينظرون في الآليات التي ترتبط فيها الدلالات بالأشكال.

والملاحظ أن بعضهم ذهب إلى تقسيم تلك الدلالات أو الأفعال الكلامية وتجميعها (الأفعال الكلامية) انطلاقا من:

1- الغرض الذي يرمي المتكلم إلى بلوغه (حمل الشخص على القيام بفعل معين) وهو ما يطابق مفهوم "أوستين" و"سيرل" للغرض الكلامي.

2- مختلف العلاقات التي تربط الواقع بالتمثيلات الذهنية للمتكلم.

3- وضعية المتكلم بالنسبة للمخاطب.

والمنطلق الثاني هو الأكثر اعتمادا لدى البلاغيين.

وانطلاقا من ذلك، وردت لدينا تقسيمات عديدة10، لعدد من البلاغيين والنقاد العرب القدماء، نذكر على سبيل المثال "ابن كيسان"، الذي يقسم الكلام إلى أربعة أصناف (أو جمل مفيدة):الإثبات (الخبر)، الاستخبار (الاستفهام، النداء، الدعاء، والطلب الذي يشمل:الأمر والنهي).

وفي إسناد "ابن قتيبة" أنماط التعبير إلى الفلاسفة، قسمها (الأنماط) إلى: الأمر، الاستفهام، الإثبات، الرغبة.

وقد وصل أحمد المتوكل في دراسته لمختلف الشروط المعتمدة في مختلف التقسيمات، إلى وضع تقسيم، يتلخص في أن الكلام يمكن أن يختصر في أسلوبي: الطلب وغير الطلب، ويشمل الطلب:الاستفهام، التمني، النداء، الطلب بنوعيه: الإيجابي والسلبي.

يقول "السكاكي": »والطلب إذا تأملت نوعان: نوع لا يستدعي في مطلوبه إمكان الحصول، وقولنا لا يستدعي أن يمكن أعمّ من قولنا يستدعي أن لا يمكن، ونوع يستدعي فيه إمكان الحصول)11 ، ثم يشرع في تحديد هذين النوعين من الطلب فنجده يقول:

أما النوع الأول من الطلب: التمني، أو ما ترى كيف تقول ليت زيدا جاءني فتطلب كون غير الواقع فيما مضى واقعا فيه مع حكم العقل بامتناعه، أو كيف تقول ليت الشباب يعود فتطلب عود الشباب مع جزمك بأنّه لا يعود، أو كيف تقول: ليت زيدا يأتيني، أو ليتك تحدثني فتطلب إتيان زيد وأما الاستفهام والأمر والنهي والنداء، فمن النوع الثاني: والاستفهام لطلب حصول في الذهن، والمطلوب حصوله في الذهن إما أن يكون حكما بشيء على شيء أو لا يكون. والأول هو التصديقوالثاني هو التصور ولا يمتنع انفكاكه من التصديق)12.

أما الأمر والنهي والنداء، فيكون لطلب الحصول في الخارج، كأن تقول لشخص لا تقم بهذا الفعل، فإن المتكلم يطلب بكلامه النهي عن القيام بذلك الفعل في الخارج، والفرق بين الطلب في الاستفهام وبين الطلب في الأمر والنهي والنداء هو أنه في الاستفهام يطلب ما هو خارج ليحصل في الذهن: (فنقش الأول في الذهن تابع وفي الثاني متبوع)13.

انطلاقا من العلاقة الواقع/التمثيل الذهني للمتكلم، يمكننا أن نميز بين الأفعال التي تحقق الرغبة في أن واقعا خارجيا ممثلا في ذهن المتكلم، بإمكانها أن تتحقق على مستوى العالم الخارجي، ويدخل ضمن مجموعة الاستفهام والتمني وبين أفعال الطلب والنداء التي تدخل ضمن المجموعة الثانية.


 

الأفعال الكلامية14

 

 

                                      طلب ممكن الحصول                           طلب غير ممكن الحصول

 

 


                        

 يمكن أن يكون واقعا              تمثيل ذهني متحقق

                         على شكل تمثيل ذهني

 

 


                 الاستفهام                 التمني             الطلب              النداء

 

 

                                  إيجابي(الأمر)              سلبي (النهي)

 


وقد وضعت شروط تساهم في تحقيق الأفعال الكلامية، فهناك أفعال كلامية شديدة الإلزام وأخرى أقل إلزاما أو غير ملزمة.

أما النوع الأول، فتتدخل في تحقيقها مؤسسات، وهي أفعال ترتبط غالبا بالزواج والطلاق والبيعة والبيع والشراء..وهي تدخل ضمن أفعال الممارسة (كما يدعوها "أوستين").

يقول "السيد سابق" عن أركان البيع : (وينعقد بالإيجاب (أي برضى الطرفين) والقبول، ويستثنى من ذلك الشيء الحقير فلا يلزم فيه إيجاب وقبول.. والعبرة في ذلك بالرضى في المبادلة والدلالة على الأخذ والإعطاء أو أي قرينة دالة على الرضى ومنبئة عن معنى التملك والتمليك كقول البائع: بعت أو أعطيت أو ملكت، أو هو لك، أو هات الثمن. وكقول المشتري: اشتريت أو أخذت أو قبلت أو رضيت أو خذ الثمن)15.

   ثم يتعرض لصيغة البيع مع تحديد شروطها المتمثلة في الآتي:

1- أن يتصل كل منهما بالآخر في المجلس دون أن يحدث بينهما فاصل مضر.

2- أن يتوافق الإيجاب والقبول فيما يجب التراضي عليه من مبيع وثمن فلو اختلفا لم ينعقد البيع.

3- أن يكون بلفظ الماضي كأن يقول البائع:"بعت" ويقول المشتري:"قبلت" أو بلفظ المضارع إن أريد به الحال مثل أبيع وأشتري مع إرادة الحال.

لقد أوردنا هذا المثل عن فعل البيع وبيننا فيه الشروط التي يجب أن تتوفر ليتم هذا الفعل، وغياب هذه الشروط سيلغيه.

أما النوع الثاني فيشمل الأفعال التي تتوفر على شروط أقل إلزامية: ومفهوم الإلزامية يتناسب ومفهوم "أوستين": القوة الكلاميةillocutionnary force  وهي كثيرة جدا في الاستعمال اليومي للمتخاطبين، وتحقيقها يتوقف على بعض القواعد التأسيسية (بالمعنى الذي أراد "سيرل" بهذا المصطلح)، وخرقها سيؤدي إلى:

-الفشل في تحقيق الفعل.

-تحوّل الفعل المقصود إلى فعل آخر كأن يتحول الأمر إلى الرجاء16.

ولا داعي لذكر كل القواعد لأنها كثيرة، ولكل فعل قواعده الخاصّة مع كونها تشترك في بعض النقاط المحورية، سنذكرها عندما سنتطرق إلى القواعد المرتبطة بفعل الأمر، وهي على نمطين (نوعين):

قواعد لسانية:

-أن يكون الفعل تاما، أي حاملا لخبر تام، إن فعلا مثل اقرأ، غير تام لأنه تنقصه مكملة تتمم فائدته. وأحسن مثال على ذلك قصة نزول "سورة العلق".

-لابد من أن تكون الصيغة المستعملة دالة على الأمر.

قواعد تداولية: وهي ترتبط بوضعية المتخاطبين.

-أن يتوفر شرط الاستعلاء والسلطة: على الأمر أن يكون في مرتبة أعلى من مرتبة المأمور.

-أن يتوفر شرط القدرة:على أن يكون قادرا على إصدار الأمر.

-الإرادة: إرادة المتكلم في إصدار الأمر.

-الاقتناع أو القصد.

إن إيرادنا لهذا المبحث جاء ليثري معلوماتنا عن التداولية كما تصورها الغربيون.

3-1 دراسة العرب للأفعال الكلامية غير المباشرة:

لقد انتبه العرب القدامى إلى هذه الظاهرة واعتبروها، كما أشرنا إلى ذلك سابقا، فروعا، ويشكل ذلك تقدما لا مثيل له في الدراسات اللغوية والأسلوبية. وقد تفطن السكاكي إلى هذه الظاهرة وحاول تقعيدها عن طريق فهم الآليات التي تتحكم في تحقيقه. يقول أحمد المتوكل: »وتمتاز اقتراحات "السكاكي" (في مفتاحه) عن باقي ما ورد في وصف الظاهرة بأنها تجاوز الملاحظة الصرف وتحمل أهم بذور التحليل الملائم للظاهرة، أي التحليل الذي يضبط علاقة المعنى "الصريح" بالمعنى المستلزم مقاميا، ويصف آلية الانتقال من الأول إلى الثاني بوضع قواعد استلزامية واضحة. هذا بالإضافة إلى ميزة أخرى وهي أن تقعيد "السكاكي"…وارد مؤطرا داخل وصف لغوي شامل، يطمح لتناول جميع المستويات اللغوية (أصوات، صرف، نحو، معاني، بيان..)17.

عندما قسم الكلام إلى خبر وإنشاء، فقد وضع لكل قسم منهما شروط مقامية تتحكم في إنجازه، أي في إجرائه بمقتضى الحال، ويتفرع عن هذه الأنواع نفسها أغراض تتولد في حال إجراء الكلام على خلاف ما يقتضي المقام.

فبالنسبة للخبر، يمكن إذا ما أجري الكلام على غير أصله، أي على خلاف مقتضيات الحال، أن يخرج، عن قصد إلى أغراض مختلفة كالتلويح والتجهيل، وغيرهما.

أما بالنسبة للطلب (الإنشاء) فإن أنواعه الأصلية تخرج، إذا أنجزت في مقامات تتنافى وشروط إجرائها على الأصل إلى أغراض فرعية، تناسب هذه المقامات، كالإنكار والتوبيخ والزجر والتهديد..

أشرنا فيما سبق إلى أن "السكاكي" كان قد حصر معاني الطلب الأصلية في خمسة معان، الاستفهام والنداء والتمني والأمر والنهي.

وقد وضع لكل هذه المعاني قواعد (شروط) تحدده وتضبط أجزاءه على أصله أي إنجازه في المناسب من المقامات18. ويمكن أن نشرح الآليات التي تتولد بها المعاني الفرعية، ويمكن تلخيصها في الآتي:

1- تخرج معاني الطلب الأصلية الخمسة، حين يمتنع، مقاميا، إجراؤها على الأصل إلى معان أخرى كالإنكار والتوبيخ والزجر والتهديد وغيرها

2- يحصل، في حال عدم المطابقة المقامية أن يتم الانتقال من معنى إلى معنى داخل معاني الطلب الأصلية نفسها، إذ يمكن أن يتولد مقاميا، عن الاستفهام، التمني وعن التمني الاستفهام مثلا.

3- أما عملية الانتقال ذاتها فإنها تتم حسب "السكاكي" بالطريقة التالية:

- في حالة إجراء معاني الطلب الخمسة على أصلها، أي في مقامات مطابقة لشروط إجرائها على الأصل، يتعذر الانتقال وتحمل الجملة المعنى الذي تدل عليه صيغتها بدون زيادة.

-في حالة إجراء المعاني الخمسة غير مطابقة لشروط إجرائها على الأصل يحصل الانتقال ويتم في مرحلتين اثنتين متلازمتين:

المرحلة الأولى:

يؤدي عدم المطابقة المقامية إلى خرق أحد شروط إجراء المعنى الأصلي، فيمتنع إجراؤه.

المرحلة الثانية:

يتولد عن خرق شرط المعنى الأصلي وبالتالي امتناع معنى آخر يناسب المقام.

يقول السكاكي: »إذا قلت "هل لي من شفيع" في مقام لا يسع إمكان التصديق بوجود الشفيع، امتنع إجراء الاستفهام على أصله وولد بقرائن الأحوال معنى التمني)، ثم يواصل (كما إذا قلت لمن تراه يؤذي الأب: أتفعل هذا، امتنع توجه الاستفهام إلى فعل الأذى لعلمك بحاله وتوجه إلى ما لا تعلم)19، فيتولد عن ذلك الإنكار والزجر.

 

تقويم اقتراحات السكاكي:

ليست لنا القدرة على تقويم هذا العمل العملاق لرجل فذ مثل "السكاكي"، ولكننا سنعمل على إيراد بعض الملاحظات، معتمدين في ذلك على ما ذهب إليه ّالمتوكل" في أن اقتراحات "السكاكي" (تمتاز بالدقة لأن الشروط المؤدي خرقها إلى الانتقال من معنى إلى آخر شروط تهمُّ فصيلة معينة من الجمل وهي الجمل الطلبية، بل تهم كل معنى يعنيه من معاني الطلب الخمسة وهي على درجة من الدقة لا نجدها فيما نظن في اقتراحات "جرايس" التي ركز فيها، رغم ما تطمح إليه من عموم، على قواعد الخطاب المتعلقة بالجمل الخبرية، والتي لا تصلح بالتالي إلا لوصف الاستلزام الناتج عن خرق قاعدة من قواعد الخطاب الإخباري). و(تمتاز بقدرة معينة على التنبؤ من حيث أنها تمكن انطلاقا من ربط الخرق بامتناع إجراء المعنى الأصلي من الجزم بحصول الاستلزام أي بحصول الانتقال القطعي من المعنى الأصلي إلى معنى آخر مناسب للمقام)20.

ولكن ذلك لا يمنعها من أن تعاني من بعض النقص المتمثل في أنه لا يمكننا أن نعمم هذه الاقتراحات على جميع الأفعال الكلامية غير المباشرة، وينطلق "المتوكل" في ذلك مما توصلت إليه الدراسات عند بعض التداوليين أمثال "سيرل" و"جرايس" و"جوردن" و"لاكوف". فيقترح بالتالي:

1-أن يعاد النظر في شروط إجراء المعاني على الأصل خبرية كانت أم طلبية، بإضافة شروط أخرى إلى ما يقترحه "السكاكي" بالنسبة لبعض المعاني (معاني الطلب على الخصوص).

وضع شروط لإجراء بعض المعاني التي لم يدقق "السكاكي" في قواعد إجرائها (كالزجر والوعيد والتهديد والاستبطاء وغيرها) حتى يتسنى ضبط عملية الانتقال من معنى لآخر بضبط الشرط المنتقل منه إلى الشرط المنتقل إليه.

2- أن تمحص كفاية هذه التعميمات في وصف الظاهرة لا باعتبارها ظاهرة من ظواهر اللغة العربية فحسب، بل باعتبارها ظاهرة كلية.

3- أن يوازن بينها وبين التعميمات الحديثة.

هاتان النقطتان تشكلان اقتراحات "المتوكل" في هذه الظاهرة.

وكخلاصة لكل هذا، سنورد كلاما للأستاذ "عبد الرحمن الحاج صالح" عن التوجه العربي الأصيل في الدراسات اللغوية قبل أن يصيبه ما أصاب الفكر العربي منذ قرون من شوائب: (إن سيبويه والخليل قد انفردا مع أكثر النحويين الأقدمين بنظرية اندثرت بعدهم وصارت بعد غزو المنطق اليوناني خاصة، لا يتفطن إليها إلا الأفذاذ من النحاة مثل السهيلي والرضي والاسترابادي، ومن أهم المبادىء التي بنيت عليها هذه النظرية، نذكر تمييزهم الصارم في تحليلهم للغة بين الجانب الوظيفي من جهة، وبين الإعلام والمخاطبة، أي تبليغ الأغراض المتبادل بين ناطق وسامع وبين الجانب اللفظي الصوري، أي ما يخص اللفظ في ذاته وهيكله وصيغته بقطع النظر عنا يؤديه من وظيفة في الخطاب غير الدلالة اللفظية من جهة أخرى، إذ هناك دلالة اللفظ ودلالة المعنى)21.

وهذا يشكل جوهر الدراسات اللسانية الحالية.

 

 

 

الهوامش:

1-انظر في ذلك: مختلف الجهود التي بذلت من أجل "إعادة قراءة " التراث في ظلّ المعطيات الجديدة. في مجال اللسانيات، ونذكر في هذا المجال جهود أحمد المتوكّل-وقد نعرض لبعض آرائه في هذا البحث-وعبد الرحمن الحاج صالح وخولة طالب الإبراهيميونشير إلى أنّه رغم النتائج التي توصلّ إليها هؤلاء في هذا المجال فإنّنا نعتبرها قطرة في محيط التراث العربي الذي لا يزال يخفي علينا كنوزا لا تعدّ ولا تحصى.

2-جاءت معالم هذه النظرية متفرقة في كتب البلاغة والتفسير والأصول، ومن بين الذين تخصّصوا في هذا المجال السكاكي في "المفتاح"، الزمخشري في "الكشاف" و"أساس البلاغة" والجرجاني في "دلائل الإعجاز" و"أسرار البلاغة".

3-ابن خلدون، المقدمة، (ط3؛ بيروت:مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني، 1967)، ص.  1604.

4-السكاكي (أبو بكر)، مفتاح العلوم، (د.ت):دار المكتبة العلمية)، ص.   70.

5-المقدمة: ص.  1065.

6-نفسه، الصفحة نفسها.

7-A. Hadj SALAH, Linguistique arabe et linguistique générale : Essai de Méthodologie et d’épistémologie du «’ilm El ARABIYYA », thèse de doctorat d’état. TomeII ; (1979). Page : 504.

8-A.EL Moutaouakkil, Réflexions sur la théorie de la signification dans la pensée arabe, (Rabat : Publications de la faculté des lettres et des sciences humaines, 1982), Page.    162.

9-ابن الأثير (أبو الفتح)، المثل السائر، تحقيق أحمد العوفي وبدوي طبانة، القسم الأول، (مصر: مطبعة النهضة، (د.ت))، ص. 39.

10-انظر:خولة طالب الإبراهيمي، ص. 671.

K.T. BRAHIMI (1991) : Apprentissage de la langue arabe par les adultes. Contribution à l’élaboration de contenus et matériels didactiques pour l’enseignement de la langue arabe aux adultes. Thèse de doctorat, T. 2, Université Stendhal, Grenoble.

11-المفتاح، ص.  131.

12-نفسه، الصفحة نفسها.

13-نفسه. 132.

14 -A. EL. Moutaouakkil: op. Cit.: P. 178.

15-سابق (السيد)، فقه  السنة، (دار الكتاب اللبناني، 1985)، ج 3، ص ص.   47-49.

16-سنتعمق أكثر في هذه الظاهرة فيما يتبع.

17- أ. المتوكل: اقتراحات من الفكر اللغوي العربي القديم لوصف ظاهرة الاستلزام التخاطبي. أعمال الندوة الثالثة في البحث اللساني والسيميائي، (كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط. 1981)، ص. 21.

18-المفتاح. ص. 31-40.

19-نفسه.  ص. 132.

20-أ. المتوكل:اقتراحات، ص. 27.

21-ع. الحاج صالح: (الجملة في كتاب سيبويه، "المبرز")، "مجلة دورية أكاديمية، تصدر عن المدرسة -العليا للآداب والعلوم الإنسانية"،    ع2 ، جويلية-ديسمبر، 1993 ، ص. 08.

 

 

 


 

نصوص مترجمة

 
 

 


ترجمة الأستاذ:  محمد الصالح بكوش

 

 
 


 

 

 


تقدم المجلة إلى القارئ المتخصص، أو ذلك الذي تشغله تعليمية اللغة والبيداغوجيا، مقالا متميزا، فرغم انتماء مؤلفه إلى الرعيل الأول من اللسانين في العصر الحديث، إلا أن الكثير من الأفكار التي ضمنها مقاله تبقى –في نظرنا- صالحة إلى هذا اليوم.

وقد اختارت المجلة نشر هذا المقال –رغم تخصصه الكبير- نظرا للرهان الذي ينبغي أن نرفعه، ليس في الجزائر فحسب، بل وفي الأقطار الأخرى –العربية وغير العربية- في مجال تعلم اللغات الأجنبية، وذلك من أجل تكوين وعي أكثر مطابقة للواقع، ولممارسة الاختلاف العقلاني.

 

 

 

 

 

 

 

 

تدريس اللغات(1)

ليونارد بلومفيلد(2)

 

1- هدف تعليم اللغات الأجنبية:

لا تدرس أية لغة أجنبية في المجتمعات التي تعد ثقافتها متخلفة، إذ تكون بداية تعليم اللغة على الدوام عندما يتطلب الأمر نقل الكتابات القديمة ذات الأهمية الأدبية، أو خاصة ذات الأهمية الأخلاقية والدينية، إلى الأجيال المتعاقبة، لهذا يدّرِس الهنود الفيدا (Vedas) (3) والملاحم السنسكريتية (4) والأدب القديم، والمسلمون العربية القديمة والقرآن، والفرس(5) الأفستا (6)، واليهود العبرية، والصينيون الأدب القديم لبلادهم، كما كان الإغريق في أوروبا يدّرِسون كتابات هوميروس الذي كانت تعد لغته قديمة جدا حتى بالنسبة لهم، ويدّرِس الرومان اللغة الإغريقية، ودّرست أمم القرون الوسطى وتدّرِس الأمم الحديثة الإغريقية واللاتينية.

2 وكلما زاد وعي الأمم، أضيفت إلى هذه الدراسات لغات الأمم الهامة المماثلة، ويعد هذا العمل توسيعا عمديا لأواصر الاتصال، وتنتاب عددا كبيرا من أهل الأمم رغبة لفهم كتابات وكلام الأمم الأجنبية المعاصرة لهم. وبما أن دراسة اللغات القديمة تهدف إلى المحافظة على التقاليد الثقافية، فإن دراسة اللغات الحديثة تهدف  بنفس الطريقة إلى جعل المجتمع يتماشى مع التطور الحديث. فتعزز هذه الدراسة الأخيرة بحوافز مادية، مثل الحاجة إلى اللغات الأجنبيةفي التجار ةوالرغبة في الاستعمال العاجل للاختراعات الأجنبية في العلوم والصناعة. ويمكن القول إن الأمة التي لا تتمتع بفئة واسعة من الناس يفهمون اللغات الأجنبية، تبقى في عزلة تثير الشفقة.


3 وأخيرا، ربما أن فكرة الإنسانية بدأت تتجسد، فقد تلتها الرغبة ليس في التعريف بمميزات وتاريخ الأمة الخاص بها فقط، بل أيضا، وكجزء من توضيحه، في فهم دوافع المجتمعات الشقيقة(7) وإنجازاتها ومُثلها. وفي هذه المرحلة التي بلغتها الأمم الأوروبية بطريقة أكثر شمولا مما عليه الأمر في أمريكا، تتضمن الدراسات المدرسية ليس تعليم اللغات الأجنبية فقط، بل أيضا تقديم تعريف ملائم بحياة وثقافة، ومُثل الأمم الأجنبية.

4 طبيعة التعليم:

لم يتحقق النجاح في تدريس اللغات الحديث في البلدان الأوروبية إلا في الخمسة والعشرين سنة الماضية ولا ينطبق هذا القول على اللغات القديمة. ولكن النجاح الذي تحقق في هذا المجال كان في الحقيقة عن طريق نفس المناهج العامة المستعملة اليوم(8) في تعليم اللغات الحديثة في أوروبا بواسطة تطابق، واع أو غير واع، مع العمليات الأساسية لتعليم اللغات؛ وبنفس الغرض تطابق مع الكلام عموما. وفي تجربتنا الخاصة حيثما كان السعي إلى هذا التطابق كان الإخفاق حتميا. فبالنسبة لطلبتنا الذين يدرسون اللغات الأجنبية في مدارسنا وكلياتنا، لم يبلغ واحد في المائة منهم ولو إتقان قراءة متوسطة، ولم يتعلم ولو واحد في الألف كيف يدير حوارا بلغة أجنبية. ويعود هذا الأمر إلى حقيقة أن كل سمة تقريبا في تعليمنا تخالف الظروف العامة التي توجد فيها اللغة، فبينما يطلع عدد متنام من مدرسينا على المناهج الحديثة، تؤدي العوامل الخارجية الموروثة إلى إفشال جهودهم إلى حد كبير، كعامل السن المتأخرة لبداية تعليم التلاميذ، والعدد القليل من ساعات حصص التدريس، بالإضافة إلى الاعتماد على الواجبات المنزلية التي لا تستعمل إلا نادرا في تعليم اللغة.

5 كان خطؤنا الجوهري هو اعتبارنا أن تدريس اللغة يتمثل في نقل مجموعة من الحقائق، ولكن كما رأينا من قبل(9)، فإن حقائق لغة ما تعد معقدة إلى أبعد الحدود. فلشرح صرف لغة ما وتركيبها لطالب، سواء كانت لغته الخاصة أو لغة أجنبية، فإن ذلك يتطلب وقتا طويلا، وحتى إذا قام به على نحو صائب مدرسون متكونون في اللسانيات، فإنه يكون قليل الفائدة أو دون فائدة. ولتوضيح هذا نقول إن الحقائق المعجمية مهمة لا حصر لها، ليس لأن كل كلمة في اللغة الأجنبية تختلف في المحتوى عن أية كلمة في اللغة الأصلية فقط، بل لأنه من الصعب جدا تحديد هذا المحتوى نفسه أيضا، ولكن أكبر اعتراض يقدم هو أنه حتى لو استطاع التلميذ، بطريقة ما، تذكر العدد الكبير من الحقائق المعجمية، فإنه نادرا ما يكون أكثر قدرة- بمساعدة هذا العدد كله- على فهم اللغة الأجنبية في مرحلة كتابتها أو تكلمها، فقد تنقضي عادة دقائق أو ساعات، قبل أن يستطيع إدراك قيمة جملة عن طريق الرجوع إلى الحقائق المتعلقة بها، فلا تعد اللغة عملية رجوع منطقي لمجموعة مدركة من القواعد، بل إن عملية الفهم والتكلم والكتابة هي التي تعد في جميع الأحوال عملية ترابطية، ولذا يتمثل تدريس اللغة الحقيقي في إنشاء هذه العادات الترابطية عند التلميذ التي تشمل اللغة المراد تعلمها. وعوضا عن هذه الطريقة نحاول تفسير بنية اللغة الأجنبية ومفرداتها للطلبة، وعلى هذا الأساس تقدم لهم نصوص أجنبية مترجمة إلى اللغة الإنجليزية. وتعد هذه الترجمة أداء لا يقدر عليه إلا أناس مزودون بمعرفة كاملة لكلتا اللغتين، وذوو قدرة هائلة على التعبير الأدبي. وبالإضافة إلى هذا، تعد هذه الطريقة منهج دراسة، إلا أنها عديمة القيمة لأنها تؤدي إلى حدوث اشتراكات لا تحتل فيها المفردات الأجنبية إلا حيزا ضيقا كرموز(طبعا رموز غير دقيقة) للمفردات الإنجليزية.

6 غالبا ما يقدم كعذر لهذه الممارسة أن الظروف الأمريكية لا تسمح إلا "بمعرفة القراءة" للغة الأجنبية، خاصة إذا كانت ذات أهمية في القديم، وليس هدفنا تمكين التلميذ طلب وجبة غذائية باللغة الأجنبية، مع أن القراءة لا تختلف عن المراحل الأخرى لاستعمال اللغة، إذ أن العبارات اللغوية ليست العناصر المعطاة في المعادلات الرياضية أو في الألغاز، بل يجب أن تدخل في مجموعة من العادات الترابطية توظف بشكل سريع وبسيط. وإن المناهج الصحيحة لتدريس اللغة تختلف عن المناهج التي نستعملها في هذه الأيام بطريقة غير ناجحة، ليس لبلوغ هدف ما- أي هدف يمكن في هذا المقام بلوغه بواسطة تدريس جيد، كما يمكن الإخفاق فيه حتما بواسطة تدريس سيئ-بل بتكييف المناهج مع الحالات الذهنية التي تستند عليها نشاطات الكلام. ففي ما يلي سأتحدث بطريقة عادية عن الظروف الأمريكية، وأفترض أن المقصود هو القدرة على القراءة أكثر من الكلام، إذ لا ضرورة لذكر أنه حتى في هذا المقام لا يمكن إحداث الترابطات الموجودة دون كثير من التمرن الشفاهي والسمعي، وأعتقد أيضا أن الظروف الأمريكية ستحل لجعل "معرفة الكلام" مرغوبة، أكثر فأكثر، وسيحل وقت ليس بالبعيد حيث سينظر هنا، كما هو الحال في الخارج، إلى قدرة التحدث بلغة أجنبية أو لغتين كإحدى سمات التعليم العادية.

7 سن التلميذ:

يعد أفضل سن لبداية تعلم لغة أجنبية بين العاشرة والثانية عشرة سنة، فلو بدأ التعليم قبل ذلك، فإن التطور غالبا ما يكون بطيئا إلى درجة عدم إحراز أية فائدة، فالتلميذ الذي يبدأ التعلم متأخر السن يتجاوزه من يبدأه وهو أصغر منه سنا. وإذا ما بدأ التعلم في السن المذكورة فقد يفهم لغات أخرى خلال سنوات قليلة، فبما أن الطالب يجمّع الخبرة، فإنه يتعلم اللغات التالية بسرعة أكبر وبمجهود أقل مما يبذله في اللغة الأولى، إلى أن يحرز براعة قد تدهش من قاموا بتمرن أقل. وهذا القول جدير بالاهتمام لأنه يوجد وهم حول حقيقة أن اللغات تكتسب بقدرة ذكاء خاصة تتناقض عند النضج. فإذا بدأ تعلم اللغة الأجنبية الأولى بعد سن الثانية عشرة أو نحو ذلك- وسنلاحظ هنا ربما مصدر التفسير النفسي الشعبي المذكور آنفا-سنجد نفورا متزايدا عند التلميذ من القيام بالتمرن المستمر الذي لا يمكن تحقق النجاح إلا به. وإن الطلبة الأكبر سنا والذين لم يتعلموا أبدا أية لغة من قبل، يتمرنون فقط على تجميع واع ومنطقي للحقائق من أجل تقبل تكرار ما قد تم فهمه، ولكن لم يتم استيعابه بعد، فعندما يدركون "معنى" نص ما في تعبير اللغة الأصلية، فإنهم ينفرون من المضي قدما في استعمال النص مع الاهتمام بالتعبير الأجنبي، كما أنهم يضجرون من السهولة الضرورية المتعلقة بمحتوى النصوص الأولية. ومن جهة أخرى ففي سن العاشرة أو الثانية عشرة يفتن التلميذ بما يتعلمه من جديد، ويتمتع بالقدرة المتنامية في التعبير والفهم في وسط جديد، ويعمل على أن يكون شخصا غريبا (كروماني قديم، أو كألماني، أو كفرنسي). ولا يعد أيضا متفوقا من الناحية الفكرية على المحتوى البسيط للدروس السابقة، فبمجرد أن ترسخ عادة عند الطالب لتعلم لغة أجنبية في هذه السن، لا يجد أية صعوبة للانتقال إلى تعلم لغات أخرى، حتى عندما يكون أكثر نضجا، لأنه يعرف-طبقا لخبرته-ضرورة العمليات المستخدمة والنتائج الناجمة عنها عاجلا.

8 مؤهلات المدرس:

أما بالنسبة لتحضير المدرس، فإن أول المستلزمات طبعا هو التحكم في اللغة المطلوب تدريسها، إذ يتطلب في اللغات الحديثة اطلاع يماثل اطلاع المتكلم الأصلي المثقف. وفي اللغات القديمة يتطلب قدرة على القراءة السلسة وبعض السهولة في الكتابة. ويبدو هذا الأمر واضحا بحيث لا يحتاج إلى شرح أكثر، ولكننا نجد دوما في مدارسنا وكلياتنا مدرسين لا تستوفي معرفتهم هذا المطلب، إذ يعد هؤلاء المدرسون منذ البداية غير قادرين على التعليم الناجح لأنه، رغم أنهم قد يفسرون بطريقة صاخبة (وباللغة الإنجليزية) المعارف النحوية المجردة للغة الأجنبية، لكنهم لا يستطيعون تقديم تمارين للتلميذ تكوِّن الوقائع وتعزز العادات الترابطية التي تشكل اللغة. فإذا لم يستطع المدرس الذي يمتلك تقريا هذا المؤهل توفير خدماته، فإنه ينبغي عليه التوقف عن التدريس، لأن ذلك يعد مجرد مضيعة للوقت.

9  ويمكن قول نفس الشيء، ولو ليس بهذا الشكل العام، حول المدرسين الذين يمتلكون هذا المؤهل ولكنهم يفتقرون إلى مؤهل آخر، ألا وهو ضرورة الاطلاع على كيفية تدريس اللغة والخبرة فيها. وإن حالة عدم جدوى المدرس الذي لا يعرف اللغة، هي قريبة من عدم جدوى المدرس الذي-للتأكيد- يعرف اللغة فعلا، وقد يكون متكلما أصليا لها، لكن ليست له دراية لسانية وبيداغوجية بطريقة تبليغها. ففي اللغة الإنجليزية، وإذا كان المدرس أجنبيا وعادة في اللغة الإنجليزية غير السليمة، ينغمس المدرس في وصف جمال اللغة طبقا للمنطق أو غير ذلك. وعندما يخفق التلاميذ -بناء على هذا- في تعلم أي شيء ينسب الإخفاق إلى كسلهم، أو غبائهم، أو كرههم المتعصب لكل ما هو أجنبي. ويصبح هؤلاء المدرسون في النهاية، إما مهملين غير مكترثين، أو قلقين غضوبين.

 10 لم يكن تدريس اللغة في المدرسة ناجحا إلا في المدرسة التي يطلب من كل المترشحين لمناصب التدريس أن يكون لهم اطلاع شامل على اللغة الأجنبية، وتدرب على المبادئ اللسانية والبيداغوجية الضرورية، تكملهما خبرة في التمدن في الأقسام تحت الإشراف. ورغم أن المراقبة المركزية عن طريق مكتب حكومي مثلا كانت مرغوبة، لأن كل فرد سيفهم من سمع في اجتماعات المدرسين "المناهج" المبالغ فيها التي طورها خلال سنوات من التدريس مدرسون غير مراقبين ومعزولين يجهلون أغلب المبادىء الأساسية للموضوع أو لأية كتابات مقبولة تدور حوله. بينما يجب على كل تعليم ذي قيمة أن تصوغه شخصية المدرس، فلا يجب   السماح لنزوته، أو غروره،  أو عدم اطلاعه ، تجاهل نتائج عمل و خبرة أجيال. 

11 و باختصار تجب على مدرس اللغة أن يكون محترفا مدربا، وليس هاويا .وإن تأخير كثير من المراحل الأساسية لتدريس اللغة في كلياتنا(10) يحدث ، علاوة على سن الطلبة غير الملائمة ، عائقا يقصي عمليا هؤلاء المدرسين . ومطابقة للهدف الحقيقي للكلية والجامعة ليس المدرسون المستخدمون فيها بيداغوجيين ، ولكنهم أفراد وجدوا حاجتهم في تبليغ الثقافة أو في التدريس والبحث العلميين. وإن مدرس اللغة المحترف الذي يجد طريقه أحيانا إلى هذه المؤسسة يكتشف بعد فترة قصيرة أنه لا يمكنه توقع تشريف ولا ترقية بسبب تفوقه في تكوينه، بل يجب أن يستعيض عنها بدراسات ثقافية وعلمية أكثر تجريدا، أو أن يقنع بوظيفة ثانوية. وعلى هذا يقوم بكل ما يتعلق تقريبا بتدريس اللغات في كلياتنا دكاترة لا يتمتعون بأي تكوين أو طموح في هذا المجال، لكنهم يولون اهتماما للتدريس اللساني أو الأدبي والبحث فيهما، ويسعون إلى تحسين كفاءتهم فيهما. ويوجه تعليمهم، الذي له تأثير سلبي في المستقبل على التعليم في المدارس الثانوية أيضا، أشخاص بلغوا صدارة فرع خاص في اللسانيات أو في الأدب، ولا يدركون عادة مشاكل وشروط تدريس اللغة الأجنبية. وما دام أوكل هذا العمل على نحو غير ملائم إلى الكليات، فينبغي على هذه المؤسسات أن توفر الشغل والترقية للمدرسين الذين جعلوا من هذا العمل مهنتهم، والسماح للعلماء المتخصصين في الأدب واللسانيات بالتشبث بأدنى رتبة، لأنهم لم يعودوا أكثر قدرة على هذا العمل من قدرة مدرسي المدارس المتوسطة أو الثانوية على إدارة الحلقات الدراسية حول الدراسات العليا.

 12 التدرب على النطق:

يجب أن يبدأ تعليم اللغة الأجنبية بتدريب التلميذ على نطق الأصوات الأجنبية، بطريقة سليمة دون صعوبة أو تردد. فكما لاحظنا في الفصل الثاني(11) أن قدرة المدرس على نطق هذه الأصوات لا تتضمن إعلام الآخرين بكيفية نطقها، فيجب أن تقدم هذه المعلومة على شكل حركة لأعضاء النطق. لذا يجب أن يبدأ التعليم بمادة الصوتيات كما تطبق على اللغة الأصلية للتلميذ ومقابلتها بأصوات اللغة الأجنبية، فالوصف لوحده طبعا غير مفيد، فيجب إجبار التلميذ على التدرب على النطق الأجنبي حتى يصبح نطقا آليا؛ وينبغي أن يضفي الموضوع حيوية على هذا التدرب، لكن يجب أن يبقى تدربا على النطق؛ فلا يمكن بأي حال من الأحوال، اعتبار نطق غير متواضع عليه مُرْضِيا، إذ يقنع التلاميذ كبار السن، خاصة غير المتعودين على الدراسة الدقيقة والمجهدة، ببعض ما يشبه عموما الأصوات في اللغة الأصلية وتأدية الأمثلة بالنطق في اللغة الأصلية الأكثر تشابها معها. ويجب أن يكون التدرب على الأصوات في اللغات التي تكتب بطريقة غير مبنية على الأصوات، مثل الفرنسية، مرتكزا على التمثيل بالأبجدية الصوتية. وبعد أن يتم إتقان النطق، يسبب شواذ المفردات الإملائية الموحدة أقل صعوبة بكثير مما لو تم عرضها منذ البداية في غموض تام مع النطق الأجنبي.

 

13 منهج عرض المادة الدلالية:

بمرور الأيام يقلل المتعلم تدريجيا من اهتمامه الواعي بالنطق، ومع ذلك ينبغي الاستفادة من دلالة العبارات المتدرب عليها منذ البداية؛ وينبغي أن تكون الأمثلة الصوتية الأولى ذاتها مميزة الكلمات والعبارات، ولا يمكن تدريس معانيها، كما لاحظنا في الفصل الرابع(12)، على أساس اللغة الأصلية للتلميذ. فقد تحتوي إما تعابير خاطئة أو شروحا مطولة ومعقدة وسهلة النسيان عند تفادي هذه التعابير الخاطئة. فبدلا عن هذا، يجب أن يرتبط التعبير الأجنبي بمضمونه الحقيقي؛ وهكذا ينبغي أن تتضمن البداية عبارات يمكن إدراكها بالملموس، مثل صيغ الترحيب، والجمل القصية حول أشياء في حجرة التدريس والنشاطات التي يمكن إنجازها حين تعيينها.

14 وعندما يمتد العمل إلى نصوص سردية ووصفية مترابطة، يجب الاستمرار في هذا المنهج. لذا يجب أن تقتصر هذه النصوص على خطاب بسيط جدا حول مسائل يمكن تمثيلها ماديا، وتعد الصور في هذه الحالة ذات فائدة جمة. ويجب تفسير كل نص جديد على أساس ما قد تم تعلمه من قبل، وليس باللغة الإنجليزية(13). فيجب تجنب الترجمة إلى لغة التلميذ الأصلية أو أي استعمال توضيحي آخر، وذلك لسببين. ويتمثل السبب الأول في أن المصطلحات في اللغة الأصلية مضللة، لأن مضمون أية كلمة أو جملة في اللغة الأجنبية يختلف دائما عن أي تشابه متقارب في اللغة الأصلية. فالتلميذ الذي يتعلم أن الكلمة الألمانيةLesen  تعني "قرأ"، سيقولIch lesen ] أنا قرأ[ عوضا عن Ich lese ] أنا أقرأ[. ولو تعلم أن كلمة Wenn تعني "عندما"، فسيخلط بينها وبين كلمة als  ]لمّا[. ولو تعلم أن كلمة ob  تعني "لو"، سيخلط بينها وبين كلمة Wenn ]عندما[. فحالما ينشأ هذا الترابط، وتجعل البساطة المفترضة تحديده سهلا نسبيا، فلا يمكن للمدرس، باستعماله أي مقدار من الشرح والإلحاح، التغلب على مثل هذا الخلط. ويتمثل السبب الثاني في تجنب الترجمة لأنه في ربط الكلمة الأجنبية بالكلمة في اللغة الأصلية، فإن الكلمة الأخيرة تبقى دائما السمة الغالبة والكلمة الأولى تنسى؛ فسيعرف المتعلم أنه تطرق إلى الكلمة الأجنبية المقابلة لكلمة "قلم"  Pencil]في اللغة الإنجليزية[، ولكن ستكون طريقة نطق وإملاء الكلمة الأجنبية غامضة جدا في ذهنه. وفي المجالات التي تقدم فيها الترجمة المستمرة تسهيلا لهذا الرابط، فنادرا ما يفحص التلميذ النص الأجنبي قبل أن تصبح الكلمة الإنجليزية(14) مدركة بطريقة صائبة أو خاطئة. وكنتيجة لهذا، تبقى مفرداتهم اللغوية الأجنبية محدودة، إذ يضطرون إلى البحث في المسرد مرارا وتكرارا عن نفس الكلمة الشائعة، وكلما بحثوا عنها تحملهم عاداتهم على التركيز فقط على التأويل في اللغة الأصلية، ويواصلون دراسة النص على هذا المنوال. فقد عرف كل مدرس طلبة قرؤوا مئات الصفحات في لغة أجنبية، ولكنهم يضطرون إلى البحث عن معاني عشرات الكلمات-الأكثر ش