
ترجمة الأستاذ فيصل الأحمر
"لم أمارس الثورة بل إنها الثورة التي مارستني"
******
في الجحيم ولدتُ
في الجحيم حييتُ
وفيَّ تكوّن كل الجحيم
وفي الجحيم, على الحقد-هذا المشعل الملتهم-
وُلدت زهورْ.
شممتُ الزهورْ
قطفتها فسرى داخلي ملل وفتورْ
وقفة. شهقة وظلال
أمل. وذهاب. إعادة
وغرام يضيع. غرام يهرّبُ. ثم غرامُ يجيء
وعلى درب الإعادة. . .
على درب الكفاح وجدتني في الجنون
وقفزت فيه
فعلقت بي طحالبه
وهاهو ذا الجحيم مستمرٌّ...
من المجرة إلى البحر
ومن البحر إلى المجرة
من الاحتراق صوب الغوص
الجحيم يستمر والرافضون إلى الجنون...
******
سأشم في كل حين
روائح الأوراق البالية
والطباشير والقلم المكسور
وقلم الحبر الصدئ الوسخ
سأشم في كل حين
روائح الحبر على طاولتي
وجلد محفظتي القديمة
وكتبي المسودة البالية
سأحُس في كل حين
بثقل الماضي, ثقل السنوات
وسأشم رائحة فمي الجائع
والأوساخ على ألبستي
وسأرى طوال حياتي
وجوها شاحبة ملغمة بالنظرات
وجباها معذبة
وأحقادا كبرت معي
******
في المنعرجات العالية
كانت الطيور تحلّق
كان لحن حزين يتصاعد بجلال
كانت الطيور ترفرف قرب البحر
ضاربة بجناحيها من حين لآخر
يا أيها الثعبان المسجون منذ الأزل
يا نهر الرمال إنك تحبو هربا من زنزانتك أسود, وسخا، عبثا، تحاول الهرب
وأبدا, تعلم جيدا, أبدا لن تخرج من هنا
ولكنك تصر دائما وتزداد سجنا
وتُغلب على أمرك, أتريد أن تخفي سخطك؟
أم أنك بذلك تحفر قبرك الأزلي؟
******
أيتها الزيتونة الكبرى
يا شجرة السلام
أنت يا شاهدة على لعبي
أنت يا راعية لقريتي حدثيني
لماذا ترتعش أوراقك هكذا
ما بك؟
أجيبيني
هل سيأتي يوم تُقدسين فيه أكثر من ذي قبل؟
آنذاك فقط سنهدي الأصدقاء غصنا منك.
سنركع لدى قدميك
ونحرق البخور فداك
وستغطي ظلالك
المدن
القرى
البوادي
سنكون سعداء وتختفي الحرب آنذاك
******
لا أجيد الحديث عن باريس
وشوارعها وأضوائها الذهبية
وعذراواتها الباسمات
وعن برجها الحائر الكبير
لا أجيد الحديث عن "البندقية"
عن مياهها وشطآنها
عن سقوفها وبيوتها الزرق
ولاعن ساحاتها المستغنية
عن الظلال
لا أجيد الحديث عن لندن
بضبابها وأمطارها
بأشباحها وظلالها
وبنهر "التايمس"ولاعن لياليها
ولا حتى أجيد الحديث
عن الجزائر العاصمة
"وقصبتها" الرطبة المظلمة
ومسجدها الأبيض الشامخ
ولاعن شمسها وأكواخها
لا أجيد الحديث عن النفَس الساخن
العابر لوجنتي ولوجهي
وعن أفعى رقيقة ورشيقة
وعن شعرها يذرع عنقها
لا أجيد الحديث عن البيوت المغلقة
بأسرّة المومسات الرخوة
وعن النظرة العميقة القاسية
لوجه ذابل ومتعالٍ
لا أجيد الحديث عن جسمها
إذا يتلوى بين ذراعي
وقلبينا إذ يدقان بقوة
ولا عن فرائصها المرتعدة تحت الغطاء
مستعمرا, مذلولا
ليس شيئا سوى نفي
فاجرا, ملعونا إلى الأبد
لست شيئا سوى بقايا شهوات عابرة
******
ثلاثة أيام
القلق
انتظار العودة والنهاية
الامتحان يمرّ بسخط كبير
قسنطينة
أناس كثيرون يمرون, ينزلقون, يهربون
مستلقيا
على وجهي وجبهتي تعانق حديد السرير كنت أبكي, أئن
كنت وحيدًا
وحيدًا
وحيدًا
وحيدًا حدّ الشفقة
عاجزا عن السكوت
عاجزا عن الصبر في ليلة نهاية "مايو" هذه
والشمس تتخلص من أشعتها الأخيرة
لقد سألتكم سابقا يا... يا حقول
يا سياج
يا زيتون
يا زان
يا غاب
يا شمس
يا سماء
يا الله
يا مسالك,
صوتا واحدا كان الجواب دائما
الحرب!
******
يا جبالا تسير, دوما إلى الأبدية
ويا روابي خضر الثياب مضمخة بالأمجاد
وأنت, أيتها الجبال المسافرة دومًا بلا راحة
حدثيني رجاء, إروي لي تاريخنا
******
ظلال غامضة الأشكال
كانت تقف صلبة كالأشباح
وصومعة حائرة
يفاجئها طلوع النهار
وأمل, أكاد أراه ينبت بين طيات القلوب المكلومة
******
الثورة... السآمة والأمل
الثورة... السحر والكذب
الثورة... كلمة فصل على ألسنة فصل
الثورة... الثورة... الثورة... ملجأ المحرومين جميعًا
******
مسكين أيها العصفور
لقد ارتطمت بالأعمدة الباردة لقفصك
وقد صرخت بكاء وألما وشكوى
ولكن, لم تواسك سوى رفرفة جناحيك.
كان اسمه عادل!
وجاء ذات صباح ذات صيف
كانت الكلاب تنبح
وكان الظلام مخيّمًا
استيقظت القرية بهدوء
فوجدت العساكر تحيط بنا
كل منا حجز أنفاسه
وظل ينتظر دقا على الباب
في 5 جويلية 1958
وانطلقنا...!
كانت الشمس مشارفة على الغروب حين خرجنا
ولأن دماغي يشتغل
كنت أخترع لعمتي أزواجًا
وأعيد تزويج أبي
وكان لي ستة عشر أخا
المكتب الثاني
الدرك
البوليس, العسكر, الفوضى, العفن,
كانوا جميعا عادلين
والجنرال ترايكي كان عادلا
أساتذتي كانوا يستوردون العدالة من فرنسا
وفرنسا العدالة كلها
كان اسمه عادل
أصحيح أو خطأ
لا أدري
ولا أعلم أين تقف الحدود بين العادل والخاطئ
كانت فرنسا وحدها تملك هذا العِلْم وتعلمه!
كنت أبكي حجرا
أرتعش, أستمع, أجيب
"لا يوجد مجاهدون"
صحيح! صحيح! صحيح!
ويعلو صوتي مدويا
خائفا كصوت العرب الحقير
كنت أزعق: عادل يا عادل! يا عادل!
علمني القاضي حقائق كثيرة: كلكم تكذبون!
كنا نقول كذبا
ننطق بالكذب
في الزنزانة المظلمة: ظلٌّ, رجل, عربي
بدأ يروي حكايته
وكان يخيفني كثيرًا
من الصحيح ومن الخاطئ؟ لا يملك الجواب سوى قاصف وعادل
ستروى حكايتي
حينما عجزوا
عن تقييد معصمي
كانت يدي أصغر من الأغلال بكثير
وكانوا يبحثون عن سجين أثخن مني....: مسكين عادل!
******
مرتدين أسمالهم الرثة
ملوثين بالطين
تائهين, مجعدي الوجوه
حاملين أدوات الحفر معهم
حاملين آمالهم معهم
متجهين صوب "ساحة الشهداء"
عمال مشرقون
عمال رامون
عمال آملون
عمال راغبون
كانوا يأهلون الصباح!
******
أكواخ ضعيفة مخيفة
تكاد تتلاشى وتنهار
مزروعة على منحدر شاحب عنيد
أزيز وصرصور:
الكون ينكمش
كلاب صارخة شاكية
وصياح الديكة هائم في الفضاء
رضيع يبكي إلى حلمة جافة
والأمل يتركني شيئا فشيئا
والقنوط يملؤني شيئا فشيئا
ثم صفارة تزعق
كي تعيد الأمل إلى الحياة!
******
متأنيا
متعبا
خائرا
عبرت شوارع قسنطينة
متأنيا
منسحقا
منحنيا
مسحت شوارع قسنطينة
متأنيا
منهكا
مقتحما
عدوت خلف الأمل!
******
أدفع الباب فيرفضني
أعبر الكوة الإلهية وألقى إلها وحشيا
أدير زر الإنارة لأحاور القمر
أتشبث بالنجوم كي أنعى لهذا الكون الجشع
أنهض صارخا, فيصرخ العالم في وجهي:
إنك تتدخل فيما لا يعنيك
أغامر صوب البحر
فيهبني حكمته
أبحر ولكن المركب ترميني لسخط المحيطات...
******
أطوي صفحة ذكرى ما
أتساءل عن أسباب غربة وأقول:
ربما يكون الأمر أحسن هكذا
القمريتبرّج
النجوم تتوارى
والليل ينام
ويقتلني الندم في عزلتي
على جريمة لم أقترفها
آه! لو يجترني البحر
آه! لو تسقط السماء
آه لو تنفجر غرفتي
آه! لو تفرقع الشجرة
آه! لو يتكهرب النور
آه! لو يعميني القمر
آه! لو... أود الحياة
والتبسم والضحك لأجل الاستيقاظ
لدى حميمية أكبر المآسي
******
أتوسل إليكم أن تجدوا مفتاح الشقاء
الذي سجن أمي ذات مساء لدى قبرها البارد
أتوسل أن تنقشوا على باب سجني
الذي يرافقني في كل لحظة
- وبأحرف مذهبة- أسباب سخطي وحنقي
أتوسل أن توثقوا لدى سجلاتكم
في قائمة "المفقودات": أبي
ذلك الساخط الحانق الذي
قتلته دفقة من السعادة!
أتوسل أن تخبروا الأمن
أن شبحا يزعج المواطنين الصالحين
ويزعج رواق الأشياء من حولهم
أقولها في وجوهكم يا سادتي:
اللعنة
على الشباب الملعون:
اللعنة ... على أحكامكم غير القابلة للطعن: اللعنة
******
كمثل قطة, مد البحر ظهره باستسلام
لا موج
لا عنفوان
لا صلابة
كأني به لحاف السرير الذي يطأه الصغار
أو وجه شاب
تصبغه البسمة بخطوط طفيفة
******
بخطى عائدة, بحنق وأسف
على أطراف أقدامها كانت الشمس تنسحبُ
غبار
ولاعبون يقطعون بحيرة الغبار
رؤوس. أحمر وأصفر. ألبسة رياضية وبجعات
الهدف: الشبكة المقابلة
دوار وأصداء تملأ عينيّ
والبجعات تنتحي جانبًا
والإوز البرّي يخشى الصيادين
ورصاصة تخترق وجه البحيرة.
******
سأستيقظ
وأخرج ثيابي كلها
وأرمي كتبي وكراريسي
وأضرب رأسي إلى الحائط
أنام على البلاط
وأشق شفتي
سأقفز من النافذة
سأهجر هذا الخمّ العفن
وسأستقرّ لدى الصديقة النباتية
وسأذهب بعيدا عن هنا
بعيدا بعيدا... بعيدا عن هنا
******
في الليل الثقيل
في الليل الذي يقهرني
وقبالة الشمعة الباكية
كنت أرقب أبي
بالقرب من الموقد المنطفئ
كنت أحرك الجمر الدافئ
ورأسي إلى ركبتي
كنت أرقب أبي
كنت أنصت إلى الريح تعوي في الخارج
والمطر المدقدق
على سقفي الداني
كانت أمي نائمة
على الأرضية الترابية الباردة
وإخوتي, كأفراخ العش, بقربها
يتنفسون بهدوء رهيب
كنا نرقب أبي
وكنت بعد يقظا
وجبهتي تقبل كتاب
"عطش الآلهة"
وقلبي يدق
وفجأة سمعت شيئا كمثل الخطى المقبله
فخفت وأطفأت الشمعة
فاحتوانا الظلام
لم تكن حياتنا سوى انتظار أيام أفضل!
******
كره لزارعي الحقائق
كره للعارفين
كره أهل النصيحة والموعظة
كره الآباء الطيبين
كره أهل الشفقة
كره الفلاحين الزارعين لبذور الحضارة
كره الأقبية العفنة
كره الأكواخ
كره أمي وأبي
كره الأوهام
كره الشقاء والأشقياء الذين يسبحون باستسلام في بحر العذاب
كره الجدّ
كره اللاعبين
وكرهك أنت أيها البرجوازي القذر!
كره أحقادي
كره من يسلبنا
كره من يغتالنا
كره الذين يعذّبون
الكره
الكره إلى غاية نفاذ حقدي
وكرهك يا حقدي
أنا أرفض العبودية
أرفض الاستعباد حدّ الهيجان
وأرفض الأحقاد
أرفض الحب المشفق
أرفض هذا الماضي الرهيب
أرفض الأكاذيب
والأسود والنمور
أرفض الجلاّدين الأوغاد والمجرمين
وكل الوحوش والمتوحشين
******
مريرة معركتنا على هذه البطحاء
مريرة هذه النظرة اللوامة
مريرة قطعة اللحم التي تعطيني أمي
ومرير الخبز الأبيض الذي أمامي
ومرير هو الموت!
أمرُّ من الدفلى
ومرير هذا الغيب الذي أطلع عليه
ومريرة الفواكه المسروقة
مرير لبّ الزيتون الذي تعضه عله يشفي عطشك وألمك
مريرة الخضار
التي ستأكل مساءًا
مرير هذا البلوط الذي تشوي
وكذلك التمور التي حاصرتها السدود
ومريرة بشرتي اللصيقة بالزيتون
مرير كل شيء أراه
ومريرة مرارتي
******
تنبعث الآمال
تنور المواجع
تتراكم الفوضى
ويضجر الفؤاد
تتحرر الشفاه
يعلو ويعلو الصوت
لأجل السياحة في الألم
والتشكل في لوننا
سواء النهيق والزعيق
العالم سيتواصل
شبيه نفسه دائما
في الأبدية الحمقاء
ومع ذلك يتجدد كل شيء
بدون رسالة ولا جبريل...
لا أبحث سوى عنك
لا أحب سوى شكلك
ولا أغار سوى من عينيك
ساهرًا دائمًا,
لا ألثم سوى شفتيك الجافتين
وأتبع سوى خطواتك
خطواتك أنتِ لا غير
أنتِ الواحدة الوحيدة
أنتِ يا حرية!
عارية كالعذارى
يا حرية! تخرجين من تابوتك
وتنفضين عن ثوبك الغبار!
كمثل الفراش يغادر شرنقة
كمثل العصافير التي تنبعث ذات صباح وذات ربيع... يا حرية!
أنت يا حليبا مختزنا خلف الحلمة
أعض هذا الضرع فتحيل ألوان الشتاء... ياحرية!
يا ماء يملأ الينابيع والصنابير
يا نفطا تمتصه الحضارة
ويا ريقًا يلتهمه العشاق ذات قبلة
******
الحقيقة... يا الحقيقة
لو أحتويك لو أبتلعك
يا عظم السمك العالق في حلقي...
يا ربعًا خصبا في صحراء حياتي
أسحبك أمتصك يا رحيقا عالقًا في حلقي
أتحملك يا مطرقة لا تتعب تضربني
أحملك في أحشائي يا منشارا ينشر ثناياي
يقطع أضلاعي (هذه الفروع الميتة)
كبة الصوف العنيدة المحيطة برئتي
إنك أنت العدل وأنت الظالم
وأنت الصياد الذكي والفريسة الأذكى
وأنت الحب الذي نجري خلفه
أنت البشارة التي نعرفها
وأنت الحصاد الخصب الأول والأخير...
أنت العدالة! أنت العدالة!
******
فراغ رهيب
فراغ كمثل الهاوية
هاوية سوداء
سواد عميق
وعمق بدون ضفاف
ضفاف تكاد تموت
فتسقط, ليسقط جسمي النحيل
وجسمي خفيف خفيف
خفيف يكاد يغيب
ويثقلني حمله هنا هنا وهناك
ما أصعب أن نحيا في عالم ضيق
لا يقوى على إيواء الحقيقة.
******
مرة أخرى أنكمش وأهبط السلالم
في البدء أطأ ظلي
ثم ألج الظلام
وبعد ذلك يغيب الضياء تماما
تضيع تفاصيل كل الأشياء
العالم يتموّجُ
العالم غبش كله
والظلام ثقيل ثقيل
تمتد أياد وأنامل تلمسني تتحسسني
وأنا أتقدم دوما
إلا أن أصابعي لا تجد شيئا
وأبحث عني لكن أبدا لا أجدني
لا أفهم شيئا
في هذي الحرب التي لم أخضها
في ماضينا في آتينا
لا أفهم شيئا
في هذي المسالك التي تدعونا
في هذي الأصوات المحيطة بنا
وأبحث جيدا
في أعطاف هذه المتاهة الرهيبة
ولكن, بلا جدوى...
******
ثقب أسود... ثلاثي الجوانب
يحيط البياض به
ورجل من ثلج بعين وحيدة
لماذا تظلين, أماه, مقهورة؟
ثقب رطب الجوانب
ثقب كأني به مخبأ للوحوش
شعاع شديد
ومأوى أمين
كان ذلك رفض السادة الحاكمين...
ثقب غائر ملتو
يجتازه صخب العذاب والتعذيب
وأصوات الأمل والخوف
زنزانة للحيوانات
وثقب في البوابة
يفضي على الرغبة في التحرر
ثقوب للتنفس
وأخرى للقوت
أخرى يحرسها الأمن
وأخر لتسرب الموت
ثقوب بسيطة للحياة فقط
ثقوب, المادة في الأصل ثقوب
وأنا أريد
الفضاء اللامنتهي
الفضاء الممنوع البعيد
الذي أبدا لن نبلغه كي نتجاوزه
******
ثائر ضد هذا البيت الأخرق
ثائر ضد نفسك ضد قهرك
واستعمارك الجديد
ثائر ضد أبيك الذي يستمر على شقائه
وأمك التي أورثتك الحياة
وضد طفولة الراعي
عاجز عن الحب والحنان والرقة
أحمق منحطٌ بدون روابط
ثائر أنت دائمًا
ثائر ضد أحقادك
وضد بقايا الحيوانية داخلك
ثائر ضد القدر الذي يسكنك
ثائر لعجزك عن القراءة
وللظلم الملاحقك
ولهذا البطن التي تضغط على جوعه بيد خشنة
ثائر ضد إله صامت دائما
ضد رأس حليف الدوار
ثائر ضد ريق يسيل
ثائر ضد أرداف ثقيلة
وبيروقراطيين وسدى وضياع
ثائر ضد الشقاء
ثائر ضد الليل الذي لا يريد الرحيل
والنهار الذي لا يريد المجيء
ثائر ضد الأمل الهارب
يا صاحبي فلنثق بعض الشيء في المستقبل...
******
ساعة القرية تدق كمثل النذير المشؤوم
دقة, واحدة, دقيقة, قاطعة
والمؤذن هناك يغني
في أدني المليئتين بالصخب
لا يزال الصدى مرتعشا
صدى لطلقة الواحدة
ترى هل سيكون هناك اجتياح؟
الناقوس يتراقص
إنه الأحد الأغبر
خطوة خطوة يلجأ الجميع إلى بيت الرب
هل سيكون هناك هجوم؟
ألتفت
فأجد المصلين الحقيقيين قليلين
الشارع الكئيب يتأمل مرور العجائز
هل أن الحرب أبعدتْ القلوب؟
هل أن الحرب يا ترى أبعدت الأجساد العلوية؟؟ ؟
******
خربشات طفل
فوضوية
وحروف أطرافها مزغبة
وأمام دار البلدية
المارة مكتظون
كأن السماء ستنفجر فوق الجميع
******
تنفتح يداه شاحبتين
وأصابعه تتباعد كالمجسات
تلتفت
طلقة تنبعث
أنحني
صورة مبتورة
******
أما أنا فليلي دائم
مستمر أبديّ السواد
وأحيانا يتكاثف الصمت
فأجدني أعلن:
إنه فعلاً الليل
******
دخل المستعمر هاجمًا
فاخترق فجأة بوابة الزمن
******
هل ستهبني ذلك الحق؟
حق الحياة
ووضع حجر أو لبنة
وتمزيق شباك العنكبوت
تلك التي أتخبط داخلها؟
وحق الدفاع
وحق رمي الشتائم في وجوه الأوغاد
أطالب به
وأمارسه دون وعي
هل أستطيع دخول القلعة؟
هل يمكنني عبور هذا الجسر المتحرك؟
بكل وداد وكل إخاء ومحبة
أقبل هذه الركلة
******
أيها البحر
أيها المغناطيس العجيب
لم كل هذه الجاذبية صوبنا
******
والأيام تتزاحم
تتدافع، تتضاغط، تتفاوت , تتلاحق
والساعات تتتابع
كحبات المسبحة
******
ويستدرج الزيتون
والأشجار الأخرى التي يغطيها طَمْيُه
ثم قد يقذف بطنه أسماكه الميتات
وقد يقف الوادي الكبير بيني وبينك
قد يحدث
أن يقطع طريقنا فخّ ما
وأن تزول فرائصي وأعضائي
أن يختفي الحس عن عينيّ المسكينتين
قد أموت، لا شيء أكيد
كل شيء ممكن
ولا شيء آمن بين يديك
وكما القنبلات الموقوتة
الشكوك تثـقل كاهلنا
والممكن يفزعني
رغم أن المستقبل ............
******
كانت تعُضّ وجه الأرض
******
وأنا يعتريني الدوارُ .
******
مثلك أنت
أيتها الفلاحة خشنة الأيدي
يا مسمرة منذ الأزل إلى نولك الأيدي
ويا مواجهةً, كل صباح, لبرد الشتاء الأبدي
أريد أن أعيد غزل حياتي
******
في عروقي موجودات متناهية في الصغر
وبكل أمان يجرجرها الدم صوب قلبي
إنها حقدي
في دماغي محجر عفن
محل لجند السواد
ومعبر أكيد لحقدي
في لساني طعم مرير
كما الدفلى
يمازج أطعمتي
حقدي نبتة تنمو, تزهر, تتكاثر
ثم تبذر بذورا أخرى
تدب في أعماق جسمي:
إنها حقدي
حقدي, حقدي
دون معرفتي: حقدي, حقدي
بعيدا عن الأيدي والعيون
تضرب أهدافك ومراميك:
سادة الأزمنة الحديثة
******
ولا خمر لاحَبَبَ لديّ
ولا قاعة للأكل في مسكني
ولا كراسي فاخرة ( لويس العشرون!)
ولا موائد منصوبة
لا أضلاع مشوية
لا لحوم ولا ... لا أطباق رائعة أسماؤها
لا شيء من كل هذا لديّ
حين تأتين سأعطيك لبنًا
وكسرة شعير
ونجلس تحت الميموزا الزهرة
مقعد صغير
فراش بسيط
وتبسيمة رائعة
بعض ضحك أولادي الصغار
وكلام رقيق وحلو المذاق
وحينما أتعلمك وتتعلمينني
ستنصرفين في أمان
******
عندما تتعانق الطرق والصلصال
أقول هي بجاية
يا مدينة خالدة
يا مدينة مشعة
يا مدينة تنبني كي تعيد البناء
كان النخيل
المحاط ببريق عنيد
واهتزاز رشيق
ينفض جناحيه
ويحرك ريش جناحيه
الذي ينحني كلما داعبته عيون النسيم
حينما يتمطى المساء
والرياح العنيدة
تفتش في كل أعطاف هذه السيدة الجليلة
بلا حشمة ... لا حياء
يا طيورا تتأهب للانطلاق
ويا نساء تعتني بنظافة أجسامها
ويا عذارى ... إن النسيم كمثل فتى
******
******
ورأيت طفلا يرميني بحجارة
وأمي ترفضني
ورأيتني منبوذا ... آه ما أسخفني!
******
وسماء تعبرها
إن كنت ستقطع حنجرة
إن...
سأكون إلى جانبك يا أخي
******
أن تجذب أذناك
في انتظار طويل بابتسام قليل
في البهو والسلالم والغرف الخلفية
في انتظار الأنسة "المكتوب"
التي-خلف بابها الأحمر-
والتي –مستلقية على أريكتها العميقة
والتي-من خلف عرش أوراقها وملفاتها-
ستستقبلك في ديوانها
انتظار, انتظار, انتظار
التفت يمينًا
حد يسارًا
واصعد من هاهنا
واهبط من هناك
ستجد آنذاك بوابًا
انتظار, انتظار, انتظار
أن يتفضلوا بفهمك
ويقرروا أخذك
ويكلموك أخيرا
وانتظار أخير لدى الأوراق
التي تتقاطع صفوفها
والتي تختفي ظلالها
والتي تغتالك أجواؤها المغاراتية
وانتظار إلى اللامنتهى
دون كف عن الضحك والابتسام
في انتظار قوانين الإدارة
وأوامر الوثائق
ووعود الحارس الجاهل
وانتظار كلام بعيد
لحقير بليد
ولعاهرة لا تبيد
يمنحونك بضع ثوان من أعمارهم
انتظار وانتظار ورجاء
والتماس لطيف رقيق
دون إهمالك الابتسام والضحك
******
وقدماي اللَّتان أعياهما الجري
صارتا لا تقويان على حملي
وأنا أصمٌ ومنسحق في الإدارات تحت البيروقراطية
ولكنني سأنتظر
لدى الشبابيك الحديدية
في الصفوف الغبية
سجينا كنحل لدى العنكبوت
هل من وظيفة؟
هل لديكم ملفي؟
هل لديكم وثائقي؟
وحياتي؟
وأبنائي وأهلي؟
هل أنا في أدراجكم هذه؟
******
كوكبنا يا كوكبنا ...
إنك تربط حول خصرك
حزام سنواتنا الصارم الشديد
إلى أين تذهب؟
من أين تأتي؟
وإلى أين, يا ترى , تمضي بنا؟
في الجلال الذي يتكاثف عند المساء
المساء يسحب ستاره المخملي
وبعد قليل يختفي الضياء
ولكن... هو ذا الليل أرسى أعمدته
والنهار طوى جناحيه الشفافين
لماذا هذا الإيقاع الذي لا ينتهي
وإلى أي أفق يطير هذا المصير؟
أنت يا وريقة يرجها السماء وأنسامه
أنت خرقة ثوب عتيق
ما الذي تفعلنه على الطريق؟
إلى أين أنتن ذاهبات؟
"واد الدوس", أنك تغتسل تحت الشمس
ولست إلا ركاما من العظام؟
هل تراك ستكمل رحلتك هذه المرة؟
أميت أنت أم أبكم؟
ها أنك تحدق في السحب
والسحب ترتطم بأعالي "جرجرة"
إلى أين هي ذاهبة يا ترى؟
يا طيور لماذا هذا الموال الحزين؟
والهواء نقي كمثل الجليد... و...
أبكيك يا صيفا منسحبًا...
وأفكر في كبري
وفي موتي اللذين سيقضماني قبل عودة الربيع
******
لقد غرسوني, لقد
حفروا لي جحرًا كبيرًا
كأنه قبر يُبشر بالميتين
أخبرتني بذلك
أخبرتني بأنهم زرعوا عند أقدامها البؤس
أنزلوه ببطء كأنه شيخ عجوز
ثم ردوا التراب
ورقصوا حول الشجرة
ثم غنوا الحبّ
وذهبو, إلى أين ترى ذهبوا
صوب آفاقهم الخادعة
صوب صحارى بلا رحمةٍ
لعلّهم, من سباتها يبعثون الأرض...
******
وقالا: "سنعريها"
أسيقطعانها إربا؟
ونزعا لباسها
مزقاها طولاً
وضرباها كثيرًا
فجرحا جسمها
وغدت دامية دون جلدها
ثم قطعاها إربا
ووضعا على بدنها العاري يدًا بأربعة مخالب
كانت تلك شجرة البلوط!
******
وتكرهيننا أجمعين
تلوميننا أجمعين
تمقتيننا جملة.
وتمنحين كل واحد منا شيئا من السعادة
وقصة جديدة
عن حياتك القديمة
آه يا أيتها العاهرة القديمة
مخدعك الوحيد الذي بقي مضيافا.
******
فتح الباب
بعدما أدار المفتاح
دفع الباب بقوة
دخل, مشى, رفع الحجاب
رفع رأسي
ابتسم قليلا
عراني وتعرى
لم يقل لي شيئا
كسر مرآة
فعل كل شيء
فعل كل شيء بسرعة
ثم انصرف، وكان سكرانا
أما أنا فعضضت على الأغطية
ثم أغمي عليّ
وظللت هكذا مستلقية على الفراش
******
تتمطى المعينات
تتمدّد المستطيلات
تهرب النجوم ساخطة من قضبانها
ثم ركام من اللست أدري ماذا
تنبعث منه فقاعات لا أعيها
المربعات تنزلق جليلة ومنفِّرة
والدوائر تتكاثر وتكبر
إنها غرفة
غرفة في مستشفى
يحمل الرأس خوذة
هل أنها رحلة صوب القمر؟
أم أنه العماد؟
ناقوس يدق وصمت مطبق
والنجوم صامتة
إنها غرفة في المستشفى
ما اسمه؟
دريد حسين أم فرنز فانون
نسيت, هبطت إلى الأعماق
ثم عدت إلى وعيي
وانتهى وهمي وانتهى حلمي
أين تتلون الأشياء
وتذوب المشاعر
وتلتصق بالثياب الأدران
وأين يكبر أمل
أمل النجاة والشفاء
******
تعالي
تعالي معي
نهبط السلالم
ونطأ الأزهار
ثم نصعد مرتفعًا
ثم نسبح بعد ذلك
بين هوائين هنا
وهواءات أخرى هناك
تعالي, تعالي معي
سأمسك يديك
وأشد خاصرتك
ثم نذهب معا
أتسمعين...
المملكة التي سنزور
ستكون جميلة, ملوّنة, عجيبة
بحيث تسمينها:
"مملكة المجانين"
العالم مجنون عبثي
العالم اللامعقول تافه غبي
تثقله رؤسنا وعقولنا
العالم... هذا العالم اللعين!
تقولين: لا... كل شيء إلى حاله وعلى حاله
لا... وألف لا...
لا أصدق أن كل شيء محسوس ملموس
ولاشيء – للأسف- بين يدي
سوى الندم والحلم
كي أقول كم أكره الحواجز الشديدة للحياة
وهذا التسطّح السائد حدّ الموت...
******
أحب بعنفوان
وأكره عن روية
أرتعش
أعيد التقدير والتفكير في...
في زهرة هي فمي
ووريقات هي دموعي
وتويجات هي جنوني
وشعر هو اعتقاداتي
وطريق هو أفعالي
وغابات هي ضياعاتي
وهضاب هي نسياني
وقرى هي قصص حبي
وأشجار هي طفولتي
وأشباح هي أنفاسي
وبحار هي أحلامي
وبكاء لأطفالي
في غرام حزين
في أحقاد متنامية
في ندامة متكاثرة
ثم في...
******
بقبعاتكم الفاخرة
وسراويلكم الطويلة
وشفاهكم الثرية
ونظراتكم الخرساء
أكرهكم سادتي
كرهًا مرضيًا عنيفًا
كرهًا يسري في عروقي
بسيقانكم المقوسة
وبطونكم المنتفخة
أبول عليكم
فلنكسر السدود
فلننسف الحدود
ولنقتلع السياج
ولندفن الحقيرين
ولنهدم القصور
ولنتخلص من الحثالة
ولنذبح الشواذ
ولنسلخ الأوغاد
كل شيء إلى استفهام
ولا شيء يدعو إلى الارتياح
******
والمجوّعة بطونهم
والمسروقة جيوبهم
لا يملكون كلامًا جميلاً
فاللعنة عليكم
اللعنة عليكم
اللعنة عليكم!
******
هذا الباب المنفتح
هذه القبضة المرتفعة المنخفضة
هذا الرجل القادم برأس منخفض
وهذه المرأة التي تغلق الباب إثره
هذا المال المعطى
هذا الأمل في وجود ميول ومشاعر
ثم هذه الهدية البسيطة
هذه الصدقات الحقيرة
هذه اللعبة الثنائية الصامتة
ثم هذه النهاية الخيبة
وهذه الثورة غير المعلن عنها
هذه الثورة عديمة النعوت
هذه العاهرة، بائعة الهوى
هذه النظرة اللائمة
هذه العاهرة وهذا الرجل
يتسول : بعض الحنان
وهذه اللعبة الباردة
ماذا نفعل كي نهزم الصمت والعزلة
أي فأس يكسر قيودنا
أية مدراة تمزق الجلد الذي
يفصل دوما بيننا
******
لست مجنونا
أنا نصف مجنون فقط
فالمجانين لهم عالمهم الخاص بهم
أما أنا فلازلت هنا بينكم
أي مجنون بربِّك يستطيع العيش في هذا العالم
وهو في كامل جنونه؟
******
بأجسامهم المريضة
وأعضائهم المتعبة البالية
ثم ينصرفون إلى حاجة لهم
كما أمس
كما ما قبل أمس
وكما ستكون الأمور غدا
******
أسير
أسير
متعة شغلة أمل ومصير
في هذا المكان الذي تحرسه الموت
مات بالأمس التونسي
على العاشرة والنصف ليلا
ولا شكل لا حجم...
والفم نصف مفتوح
يا أخي في الشقاء
يا رفيقا لم أعرفه أبدا
إلا أن هذه اللحظة
تلخصك لي وتفضح ما كنت في عظمتك
******
كذلك البحر هناك عن بعد
وأنا أدور كما الآخرين
على امتداد رواق لا ينتهي...
ومن كل صوب وحدب
يجيء المجانين
بأجسامهم الرخوة الواهنة
بوسخهم وقملهم
من كل صوب يجيئون
******
اذهب
امش
واحلم بحبيبتك
ثم عش ثانية ألف ليلة وليلة
وتصور الأزهار المنفتحة
وتمثل الربيع الشبق
واسمع الضحكات البريئة
ولكن أنظر جيدا
سترى أن ظلك يتبعك دائما
اجر
اقفزْ
ودعْ عنك المسالك غير المبالية
طئ كل هذه الأعشاب والشجيرات المتعجبة
ثم تسلق المرتفع الصخري
وارتم بين أحضان الغابة
والجأ إلى بيت السلحفاة
واعبر المشاتل دون اهتمام
ولكن انظر صوب ظلك
إنه دوما يقتفي خطاك
اضحكْ وصفِّرْ
واقفز بثيابك في البحيرة
اخف رأسك داخل الطمي
واستشر وسط الوحل
واضرب الماء بجنون
واقطع البحر ودغدغْ الموج
ثم انظر جيدا
لابد أنك ستجد ظلك العنيد
دوما يقتفي خطاك
توقف كُحَُّ
هنالك سحاب وليل ومطر
وظلك انفصل عنك أخيرا
لا... فمتى عادت الشمس
ومتى عادت الزرقة الحمقاء
تجد ظلك عقبك
ألمك سيعتصرك
سيقرصك ويقسو عليك
واتفل واصرخ وقلب بطن التراب
وروض الطبيعة الوحشية
واقطف هذه الفواكه الصغيرة
ثم قاوم لأجل أن تحيا
وانس تماما أن حواليك ظلالا!
تعلم واعلم جيدا
أنه ستكون هناك هدنة
وراحة واستراحة طعام
وستنظر فتجد ظلك
وهذه الشمس التي تداعبنا ثم تحرقنا
والتي تسحر المغفلين
هذه الشمس الوحشية البربرية
ستلمع وقت السباق
لكي تزرع في الأرض
تحت جسمك ظلا عنيدًا
وفقرا أكيدًا
وماضيا بليدًا
أنت يا أيها الشقي المستعمر والمستعمر من جديد.
سبتمبر 1962- أكتوبر1966